
كيف عشت في الدار البيضاء فترة النقاهة؟
عشت محنتين، الأولى إدارية وظيفية، حيث إن الشهادة الطبية التي سلمها لي الطبيب الفرنسي، والتي تتضمن إجازة طبية مدتها شهر واحد، بالرغم من خطورة العملية الجراحية التي أعتبرها مغامرة خطيرة، بالنظر إلى توقيتها وبالنظر أيضا إلى الوسائل الطبية البسيطة جدا التي استخدمت في العملية والطبيب المسن الذي قارب التسعين من العمر. رغم ذلك كنت مضطرا للخضوع لفحص مضاد بقرار من إدارة ثانوية وادي الذهب، فأجبرت على الخضوع إلى فحص آخر تأكيدي في مستشفى سباتة، حينها تأكدت من خطورة الوضع الصحي، سيما بعد أن رفع الطبيب مدة الإجازة الطبية.
هل كانت لمرضك مضاعفات صحية على حنجرتك وأنت المطالب بتقديم مراسلات أثيرية؟
لا تتصور حجم الألم الذي تملكني وأنا أعيش هذه الفترة العصيبة من حياتي، كنت أسير في الشارع العام وأنا أتألم من مضاعفات العملية الجراحية، أجدني، أحيانا، أحدث نفسي عن مصيري وعن مآلي، وأهرب من الوسواس الذي يتربص بي، ويزيد ألمي حين يشدني الحنين إلى نظرات أمي إلى نسمة بحر مدينتي إلى أصدقاء طفولتي وشبابي، لذا عزمت على المغادرة، أو بتعبير أصح على الهروب من وضع كاد يرمي بي إلى الهلاك.
أكيد أن الوالدة استعجلت عودتك إلى طنجة..
الحاجة زينب بوعياد رحمها الله، وهي ابنة الشيخ العربي بن العربي بوعياد، رفيق بل أحد مريدي مؤسس الزاوية الصديقية الغمارية، محمد بن الصديق الغماري. جدي من مواليد طنجة، والده جاء إليها مع جيوش المولى إسماعيل لتحرير أصيلا والثغور الشمالية. والدي من عائلة لمفرج، وهي عائلة عرفت بالاشتغال في قطاع البناء، والده، المعلم علي بن يحيى، كان من خيرة البنائين في مدينة طنجة، وهو من بين واضعي تصميم قصر المنبهي ومعالم عمرانية كثيرة في طنجة، أما والدي فلم يتبع حرفة والده، منذ أن فتحت عيني عليه، وهو يعيش العطالة أو ينشغل بمهن مؤقتة، لذا عشت في أسرة فقيرة ماديا لكنها غنية بقيمها. والدتي ناضلت من أجل أن أتعلم ألا أكون مثل باقي أشقائي، استعطفت صديقاتها ومدراء المدارس كي أدرس مجانا حتى لا أصبح عرضة للضياع.
نعود إلى فترة «اغترابي» في الرباط أولا والدار البيضاء في مرحلتين ومكناس، في كل هذه المحطات كانت أمي حاضرة، تسأل عني في زمن لا وجود فيه للهاتف، بل تزورني للاطمئنان على حالتي. لذا حين قررت إجراء عملية جراحية على حنجرتي فضلت أن أكون لوحدي ألا أشعر أحدا بألمي وبالبروتوكول العلاجي الذي خضعت به. وكما قلت سابقا، فالمرء يعيش الألم وحده، بينما الفرح يمكن اقتسامه مع الآخرين.
كيف بدأت عملية الاستقطاب للحقل الإذاعي وتحديدا لإذاعة طنجة؟
في عام 1980 سيوجه لي صديقي الشاعر والأستاذ عبد اللطيف فؤادي، الدعوة لحضور برنامجه على أثير إذاعة طنجة ضيفا باعتباري صاحب ديوان شعري «أعاصير الحزن والفرح». تحدثنا عن الشعر عن مساري التربوي والأدبي، وكان خلف الاستوديو في الكواليس خالد مشبال، وهو ينصت باهتمام شديد للبرنامج الشيق، وما أن انتهت الحصة المخصصة للبرنامج، حتى اقترب مني شاكرا مهنئا ومشيدا بقدرتي على الارتجال. قال لي بالحرف: «والله لا طلقت منك».
تحولت، إذن، من ضيف للبرنامج إلى معد برنامج..
قبل أن أصبح معدا للبرامج، سأتفق مع خالد مشبال على تقديم مراسلات، لبرنامج يبث وطنيا. برنامج 180 كان يبث على الأثير من العاشرة مساء إلى الواحدة صباحا، أول برنامج يمتد لثلاث ساعات دون أن يمل المستمع، وكنت مكلفا بإعداد وتقديم فقرة ثقافية من الدار البيضاء، حيث كنت مدرسا في سنتي الأخيرة على ما أذكر في ثانوية وادي الذهب. عند الانتقال إلى طنجة التحقت بأسرة الإنتاج بالإذاعة، حيث قدمت برنامجا من اختياري «معنا في الاستوديو» أحاور فيه الشرائح الاجتماعية الهشة والبسيطة.
مثل هذه البرامج لا تخلو من صعوبات، خاصة حين يكون الحوار مباشرا، أليس كذلك؟
نعم، لكن في صعوبتها وطبيعة الضيوف، تكمن أهمية البرنامج، الحمد لله مرت الحلقات بسلام. ثلاث سنوات من المغامرة الأثيرة الجميلة، استضفت فيها المهمشين الذين لا صوت لهم، ولم تقع مشاكل باستثناء واقعة واحدة.





