
بعض المصادر التاريخية تحدثت عن أن أقوى المفاوضات بين القصر وفرنسا، تمت في باريس، أي شهر أكتوبر سنة 1955، وليس في الرباط، أي في نونبر من السن نفسها. الذين تبنوا هذا الطرح التاريخي ذهبوا إلى القول إن فرنسا كانت تقود التفاوض مع السلطان محمد بن يوسف وولي العهد الأمير مولاي الحسن
يونس جنوحي
لحظات مفصلية كان توماس ماكافوي حاضرا فيها، منها تلك التي تتعلق بما كان شبيها بـ«تسليم السلط»، قبل توقيع الاستقلال مطلع مارس 1956.
يظهر في هذه الصورة فوج من المسؤولين العسكريين الفرنسيين، الممثلين للإقامة العامة بعد رحيل المقيم العام، وهم بصدد مغادرة القصر الملكي، ويتقدمهم مُعلم السلطان محمد بن يوسف، الفقيه المْعمري، الذي كان يتولى الترجمة في مثل تلك اللقاءات.
في هذه الصورة، تحديدا، استعرض ماكافوي مهاراته في التوثيق للحظة تاريخية بهذه الأهمية. كان الأمر يتعلق ببداية تفويض الإدارات الفرنسية إلى المغرب.
بعض المصادر التاريخية تحدثت عن أن أقوى المفاوضات بين القصر وفرنسا، تمت في باريس، أي شهر أكتوبر سنة 1955، وليس في الرباط، أي في نونبر من السنة نفسها. والذين تبنوا هذا الطرح التاريخي ذهبوا إلى القول إن فرنسا كانت تقود التفاوض مع السلطان محمد بن يوسف وولي العهد الأمير مولاي الحسن، على أساس أن يتم انتقال سلس للسلطة، مع بقاء الأطر الفرنسية لتدبير المرحلة، وتسليم الإدارات على مراحل.
في حين أن هناك طرحا آخر يؤكد أن التفاوض الحقيقي حول انسحاب فرنسا النهائي من المغرب، تم في القصر الملكي بالرباط، وأن السلطان استشار مع قيادات في الحركة الوطنية وأشركهم في بناء تصور كامل لتسلم السلطة، خصوصا الإدارات العسكرية والأمنية.
من خلال تأمل حُزمة من الصور التي تنتمي إلى هذه المجموعة بالذات، يتضح أن ماكافوي تمكن من حضور الاجتماع الذي حضره هؤلاء المسؤولون العسكريون الفرنسيون، ولم يكتف بالتقاط صور لهم وهم بصدد مغادرة القصر الملكي، بل هناك صور أخرى ضمن المجموعة يظهر فيها الأشخاص أنفسهم وهم يسلمون على السلطان محمد بن يوسف في قاعة العرش داخل القصر الملكي، بينما كان المعمري واقفا إلى جانب السلطان ليؤدي دوره في الترجمة.
المعمري كان من الأطر التي اشتغلت بالقصر الملكي بعد 1912، في أيام المولى يوسف، ثم تولى مسؤولية تعليم أبناء السلطان، بينهم المولى محمد بن يوسف، قبل أن يصبح من مرافقي السلطان سنة 1927 ومرافقيه، ويعيش معه أصعب اللحظات التي قضاها في الحكم.
يظهر المعمري في الصورة وهو يرافق الوفد الفرنسي إلى خارج أسوار القصر الملكي، في آخر أيامه في السلطة، ففي سنة 1956 تقاعد المعمري بعد أن قضى عمرا إلى جانب السلطان محمد بن يوسف ورافقه في أغلب فترات حكمه. أرشيف ماكافوي وثق لاشتغال المعمري إلى جانب السلطان، والصورة وثيقة تاريخية نادرة تؤكد أن حاشية السلطان لعبت دورا في التفاوض مع فرنسا تمهيدا لاستقلال المغرب، بعكس الرواية الوحيدة التي ذهبت دائما في اتجاه التأكيد على دور رموز الحركة الوطنية في معركة الاستقلال.





