حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

قبر أبو محمود المزعوم

 

بقلم: خالص جلبي

 

التمسح بالقبور خرافة كبيرة، ووثنية، ولكن الوثنية تنشط دائما وتجدد حياتها على نحو غير متوقع، وهي بتعبير الفيلسوف محمد إقبال في شعره

تجدد في كل حين مناة .. شاب بنو الدهر وهي فتاة.

وأذكر وأنا طالب بكالوريا، أنني كنت أعشق الطبيعة؛ فأخرج ومعي كتابي لأحفظ، وأبقى معها حتى يمنعني غياب الضوء. وكنت أمر بجنب حقل متواضع، قد حفر صاحبه فيه بئر ماء ارتوازية، حتى كان ذلك اليوم الذي لمحت فيه حركة غير عادية في المكان، وكنت أمر بالمكان كل يوم.. ما الخبر؟ أبو محمود، صاحب الأرض، يقول: إنه خرج عليه في المنام رجل صالح، بلحية كثة بيضاء، وبيده عصا، فصرخ فيه وقال: ويلك وهل يترك مثلي بدون أثر وخبر؟

قال له أبو محمود (طبعا بالمنام): يا سيدي ومن أنت؟

قال: أنا من أحفاد الحسين، ولي من أولياء الله، ويجب أن ترفع ذكري للعالمين.

قال أبو محمود مرتاعا: وماذا أفعل؟

قال: ويلك ألا تعرف إشادة القبور، ورفع الأعلام، وضرب الصنج، ولبس المخيط من الاستبرق؟

هز أبو محمود رأسه وقال: يا سيدي ملا (وهي العالم باللغة الكردية) نصر الدين: من الغد سيكون القبر جاهزا…

وفعلا رأيت في اليوم التالي جلبة وأنا في طريقي، لحفظ قوانين الفيزياء والاطلاع على التصنيف الدوري للعناصر في جدول مندلييف..

وراعني ما رأيت، ولكنني ظننت أنه أمر عابر لن يترتب عليه شيء.

 ثم بدأت الأمور في التحول خلال ثلاثة أسابيع..

فبعد يومين انتصب قبر كبير، ليكبر مثل سرطان الكولونات كل يوم، ولم ينته الأسبوع الأول، إلا وارتفع فوقه علم كبير أخضر، يرفرف بدون نقوش بعثية، وزخارف مذهبية.

 وفي أيام نصبت (طاسة = وعاء فضي كبير) كبيرة بجنب رأس الولي نصر الدين الشاشاني، وبدأ الناس يتوافدون؛ فيضعون القربان والنذور حول قبره، ويربطون (الريبان = الأشرطة الملونة) والأشرطة في أعواد تطوق مقامه الجليل، وتضاء الشموع، وطبعا ومع كل يوم جديد تزداد (طاسة) (أبو محمود) الهمام بالمال الحلال = الحرام.

كان أبو محمود رجلا من قرى حلب، أعوزه الفقر، وضاقت به الأيام، فبدأ دخله في الانفتاح والرزق في الزيادة.

 وفي اليوم العاشر رأيت امرأة كردية، ترطن باللغة الكرمنجية، ومعها حمارها، وكانت قروية من (حلكو)، وهي قرية قريبة من مدينتي القامشلي التي ولدت فيها في الزاوية الشمالية الشرقية على الحدود التركية ملاصقة لمدينة نصيبين التركية، وهو خط  تم رسمه على يد اثنين من أوغاد الاستعمار الفرنسي البريطاني في تقطيع الدولة العثمانية، والمدينة اليوم القامشلي تم التهامها على يد عصابات قسد، فسد في جيدها حبل من مسد. وتم شفط بترول المنطقة في بطن حوت الشركات الفرنسية لحفر أنفاق بمئات الكيلومترات تصل تركيا بسوريا والعراق، في انتظار يوم الزلزلة لإقامة خرافة كردستان العظمى.

قالت المرأة الكردية لمن حولها، وأنا أسمع غير مصدق: قبل أن أرجع إلى بيتي، سوف أؤدي الطواف سبعا، حول قبر مولانا نصر الدين الطغرائي..

عندها عرفت أن الأمر جد وليس بهزل..

وفي اليوم 17 وما زال محفورا في الذاكرة، وأنا أراجع مادة الكيمياء عن قوانين الجزيئات، وقانون أفوغادرو، وكيف تحسب القوة الكيماوية من الجزيء، وكيف يحدث التفاعل الكيماوي وتتحد المواد لخلق مواد جديدة.

كنت في العادة حين أراجع المواد العلمية أسلك طريقا خاليا فارغا من الناس، فهو كما يسمونه باللهجة المحلية (جشول = تلفظ الجيم معطشة بثلاث نقاط، مثل كلمة شارلي بالفرنسية، وهي غالبا كلمة تركية) كنت أسلكه وحيدا، إلا من رؤية حشرة أم أربع وأربعين أو أفعى مختبئة، فاحتشد الطريق بجماهير غفيرة ومن الجنسين في مسيرات جماهيرية، كما كنا نراها مع مسيرات الحزب القائد وخرابيطه لاحقا، وهو يؤكد التحام واتحاد العقلية الخرافية الحزبية مع الوثنية..

فهنا يعبدون الوثن والقبر، وهناك يسجدون ويركعون لصنم الرفيق القائد والحزب المفدى، كما هو الحال في كوريا وسوريا، بعد تغيير حرف واحد.

أما الخبر الذي صعقت منه حقا وتزلزلت فهو والدتي رحمها الله، حين رجعت إلى البيت، بعد يوم منهك من المطالعة والاستعداد للامتحان المصيري، الذي كنت أخطط له بفارغ الصبر طول العام، لشعوري أنني سوف أذهب إلى العاصمة، فأدخل كلية الطب وأنعتق من البيئة المحلية. كانت أيام ما يسمى البكالوريا، أي المرحلة الأخيرة من الثانوية إلى الجامعة.

قالت لي والدتي: خالص هل يمكن أن تأخذني إلى قبر ولي الله نصر الدين فأتمسح بقبره، عسى أن أرتاح من وجع مفصل ركبتي؟

هنا نما عندي الإدراك بشكل هائل عن قبور لا حصر لها، يحتشد حولها الناس، ويتبركون، وفي باطنها كما يقول المسيح عظام أموات ونجاسات..

ولم يمكن إطفاء فتنة قبر أبو محمود سوى أمرين: تدخل الخطيب في المسجد الكبير وتحريضه للشرطة المحلية، وقرب عهد الناس به، فرأيت الشرطة، وهي تهدم قبر أبو محمود المزعوم، ومعه آماله والقروش التي كانت تتدفق عليه من جيوب المغفلين. وهو يذكرني بحادث مماثل من السيرة، حين أمر رسول الرحمة صلى الاله عليه وسلم أحد الصحابة بهدم قبر من هذا النوع، وطائفة من قريش تتأمل المشهد وهي تتوقع أن من حمل المعول والفأس في الهدم سوف يصعق ويقتل لا محالة، وهو ما حصل، حيث ضرب الصحابي القبر المزعوم، ثم رمى نفسه على الأرض في مسرحية مدروسة. هتف القرشيون لقد قام الولي يدافع عن قبره، فانتفض الصحابي ضاحكا، وقال ولكنكم قوم لا تعقلون.

لقد رأيت الناس وهم يتمسحون بالحديد في القاهرة، على رأس الحسين المزعوم، وبغداد، وتدفق مئات الآلاف من الإيرانيين، على قبر ست زينب المزعوم في ضاحية دمشق التي تحولت إلى مدينة، وهي لا تعرفهم، وليس لها علاقة بهم، بل لقد اشترى الإيرانيون ربع دمشق، من خلف هذه الصفقة الرابحة الدائمة، في حج لا ينقطع وأشهر حرم لا تتوقف،  فارتفعت القبب والمنارات والأسواق والعتبات، وفتحت الأسواق، وركضت التجارات، وامتلأت الجيوب بالتومان والدينار والدولار..

وقبور الست زينب لو أحصيت، لظهر أنها ميتة في مائة موضع ويزيد، وكذلك رأس الحسين والجماهير تحتاج إلى الخرافات، وبها تعيش، ومن خلفها يتكسب الكهنة ورجال الدين الأشقياء. ولا أستبعد أن يقوم علوية سوريا برفع مقام لبقايا عظام حافظ الأسد النخرة، فقد قام الثوار بالبول عليه وحرقه نكالا، ولكن بقايا العظام النخرة اختفت، وقد يأتي ذلك اليوم الذي نرى أكثر من قبر للجبار الذي حكم ونسله سوريا ستين عاما ونيف، وهو أمر سجله التاريخ كما كان الحال مع العصور المظلمة في أوروبا، فلكل أمة عصورها الظلامية.  

 

نافذة:

نما عندي الإدراك بشكل هائل عن قبور لا حصر لها يحتشد حولها الناس ويتبركون وفي باطنها كما يقول المسيح عظام أموات ونجاسات

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى