
بقلم: خالص جلبي
أعترف للقارئ بأنني مررت أثناء نضجي الفكري بمراحل أكاد لا أصدق نفسي فيها. بين عدم تشكل وجهة نظر فلسفية للعالم، وبين الحيادية، وفي بعض المراحل أصبت بمرض التعصب والانغلاق، حتى مَنَّ الله علي بالانفتاح والنضج، أو هكذا أزعم.
وهناك من الناس من يتعجبون من تقلبي في هذه المحطات، ويعتبرونها نكسة وتراجعا وارتدادا عن الطريق القويم، وأنا أعذرهم، وأتذكر قول الله تعالى: (كذلك كنتم من قبل فمنّ الله عليكم)، وكذلك (خلقنا الله طبقا عن طبق)، و(خلقكم أطوارا)، (ما لكم لا ترجون لله وقارا). ومن أعجب الأمور التي كانت توحيها البيئة المحلية لنا أن تعليم المرأة يفسدها ولا يرقيها. كما ينقل عن أبي العلاء المعري: وعلموهن الغزل والنسج وخلوا قراءة وكتابة. ولقد طبقت هذا أنا بصرامة على أختي، فحرمتها من متابعة التعليم، وأنا أحزن وأندم حتى هذه الساعة وأتعجب من نفسي. ولكن لو بكى الإنسان دموعا بقدر مياه دجلة، هل سيعيد ما حصل؟
وأنا اليوم أحاول تصليح أخطائي، فهيأت لبناتي أفضل دراسة ممكنة، فأصبحت الأولى «عفراء» أستاذة جامعية في الفلسفة، والثانية «مريم» سياسية خطبت في مجلس الأمن في القضية السورية، والثالثة «أروى» مترجمة دولية في منظمة الأمم المتحدة بين الوفود الدولية، والرابعة «آمنة» نالت الماجستير في تأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة ولديها منبر خاص في هذا الشأن، وهي رومانسية جدا. حتى أصغر بناتي «بشرى» درست الحقوق وتخرجت محامية، فهي تدافع في كندا عن العمال الفرنسيين المظلومين والسود أحيانا، ولم ترغب في الطب نهائيا، ورغم أنني كنت أحلم بأن تصبح إحدى بناتي الخمس طبيبة، على الرغم من أن الطب عمل يدين ومناوبات ليلية مرهقة.
والمهم عند تدفق الذكريات، أعرف أنني لست الوحيد الذي هداه الله؛ كما جاء في حوار فرعون وموسى عليه السلام حين ذكّره قائلا: (وفعلتَ فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين)، فأجابه موسى: (قال فعلتها إِذا وَأنا من الضالين فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين)، فلا عجب إذن من انقلاب الأشياء إلى أضدادها.
وكما في الحديثِ أن الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. ويُروى كذبا أن عمر رضي الله عنه دفن ابنته بنفسه في الجاهلية، قبل أن يصبح الفاروق، وهو أمر باطل لا صحه له، إذ أكدت دور الفتوى (مثل دارِ الإفتاء المصرية وموقعِ «إسلام ويب») أن هذه القصة افتراء محض لا إسناد له.
وفي عام 1899م، سمحت ألمانيا للمرة الأولى للفتيات بدخول كلية الطب ليتخرجن طبيبات. وكانت الفتوى آنذاك أنه لا يليق بالمرأة أن تختلط بالرجال، وأنها لا تتحمل رؤية المصابين، وقطع الأعضاء في الحروب، ومناظر الدم المريعة في الجراحة، ورؤية الجثث العارية في دروس التشريح، وكأن الجثة تستحي، أو كأن الطب يمكن أن يتقدم بدون معرفة كل شيء في الجسد. وهو ما عاينته أنا شخصيا، فكانت صدمة دمعت لها عيناي في أول رحلتي في طريق الطب. وفي ألمانيا يعلمون الطبيب حكمة الكشف عن الجسد كله، لأنه وحدة مترابطة (أي فحص المريض فحصا كليا ولو كان أنثى). أما ما عانيت منه يوما فيجب الكشف عن ثقب بحجم المكان المطلوب، وعلينا مسايرة عقول الناس، وإلا خسر أحدنا رأسه ورزقه في ظروف التعصب. أما في الولايات المتحدة فقد كانت سباقة إلى تعليم البنات فقد أسست كلية في الطب في فيلادلفيا للبنات، في ولاية بنسلفانيا، قبل أكثر من نصف قرن من ألمانيا عام 1848م، وأنا زرت هذه المدينة العريقة، حيث كتب أول دستور لأمريكا.
وحدثني من أثق به (في منطقة مشهورة بالتشدد) أن فوجا من المتشددين هجموا على رئيس بلدية يطلبون منه نفي القرود من البلدة، وكان الرجل قد وضعها تسلية للناس بجانب شلال مائي. قال المتعصبون: إن القرود تمارس الجنس علانية. قال: ولكن هذا يحصل في مزارعكم بين الجمال والمعز والخرفان والأرانب على مرأى ومسمع. قالوا: لا، فالقرود تمارس الجنس في أماكن تجمع الناس ورؤيتهم. والمهم أنهم ما زالوا بالرجل يأخذونه بين الحبل والغارب ويمارسون عليه ألوانا من الضغط، حتى نفى القرود إلى غير رجعة نكالا لها. وقصة المرأة في التاريخ مليئة بالعبر والحزن. وفي بريطانيا لم يسمح للنساء بالإدلاء بأصواتهن إلا في عام 1912م، بعد يوم حافل من ضرب النساء لمدة ست ساعات على يد الشرطة في قلب لندن، ومقتل اثنتين. والمهم في التاريخ أنه رحلة على جسر من المعاناة فوق نهر من الدموع، ولكن تطور الأمور يمشي مثل المشي على حبل الهواء، مهدد بالسقوط مع كل خطوة، فيهوي صاحبه فيموت.
نافذة:
في عام 1899م سمحت ألمانيا للمرة الأولى للفتيات بدخول كلية الطب ليتخرجن طبيبات وكانت الفتوى آنذاك أنه لا يليق بالمرأة أن تختلط بالرجال وأنها لا تتحمل رؤية المصابين وقطع الأعضاء في الحروب ومناظر الدم المريعة في الجراحة





