قضية “باديس” تعود إلى نقطة الصفر
بعد نقض الأحكام محاكمات غيابية تطارد مسؤولين سابقين بـCDG وCGI

النعمان اليعلاوي
عادت قضية مشروع “باديس” السكني بالحسيمة إلى واجهة الأحداث القضائية من جديد، بعدما أعادت محكمة النقض الملف إلى غرفة الجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بفاس، في تطور يعيد فتح واحدة من أبرز قضايا الاختلالات المرتبطة بالمشاريع العقارية العمومية، والتي ظلت لسنوات عنوانًا للنقاش حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ورغم أن الأحكام الصادرة سنة 2022 أوحت بأن الملف قد بلغ نهايته القضائية، فإن مسار الطعون أعاد القضية إلى نقطة الصفر، لتدخل مرحلة جديدة اتسمت بغياب عدد من المتهمين عن جلسات المحاكمة، الأمر الذي دفع الهيئة القضائية إلى اعتماد مسطرة المحاكمة الغيابية في حق أغلب المتابعين.
إعادة المحاكمة بعد قرار محكمة النقض
حسب معطيات، فإن محكمة النقض قبلت الطعن الذي تقدم به دفاع المتهمين، وقضت بنقض القرار الاستئنافي الصادر في مارس 2022، مع إحالة الملف من جديد على غرفة الجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بفاس.
وبناء على هذا القرار، تم فتح ملف جديد وإعادة تسجيل القضية، التي ما تزال جلساتها متواصلة، ما يعني أن الأحكام السابقة لم تصبح نهائية، وأن المسؤولين السابقين المعنيين بالمتابعة لا يزالون يواجهون التهم المنسوبة إليهم أمام القضاء.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن أغلب المتهمين تغيبوا عن جلسات إعادة المحاكمة، وهو ما دفع المحكمة إلى إصدار أوامر متتالية بإجراء محاكمات غيابية، بعد تعذر حضورهم أو عدم امتثالهم للاستدعاءات القضائية.
غنام ضمن أبرز المتابعين
يعد محمد علي غنام، المدير العام السابق للشركة العامة العقارية (CGI)، أبرز الأسماء التي شملتها إجراءات المحاكمة الغيابية، بعدما سبق أن أدين مرتين في الملف ذاته، سنتي 2020 و2022.
وتفيد الوثائق القضائية بأن غنام ما يزال متابعًا بتهم تتعلق باختلاس أموال عامة، والمشاركة في تزوير محررات رسمية واستعمالها، والتصرف بسوء نية في أموال غير قابلة للتفويت، فيما أمرت المحكمة بضرورة مثوله أمام السلطات القضائية أو الأمنية فور العثور عليه.
كما شملت الإجراءات الغيابية عددا من المسؤولين الآخرين، من بينهم كريم زيز، وسيدي محمد الحشامي، ومولاي يوسف الحشامي، ويوسف خونا، وعبد القادر أعزوز، ورشيد حساني، ومحمد العلمي، وأحمد بن عياد، ونبيل محراش، في انتظار الجلسة المقبلة المقررة خلال شهر شتنبر.
قضية عمرها أكثر من عقد
تعود بداية القضية إلى سنة 2014، عندما تقدم عدد من المواطنين المتضررين بشكايات، وُجه بعضها مباشرة إلى الملك محمد السادس، تتعلق بوجود اختلافات كبيرة بين الالتزامات التعاقدية التي قدمتها الشركة العامة العقارية، التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، وبين الوحدات السكنية التي تم تسليمها فعليًا للمستفيدين من مشروع “مدينة باديس” بالحسيمة.
وكان المشروع، الذي انطلق سنة 2003 على مساحة تناهز 50 هكتارا، يهدف إلى تشييد أكثر من ألفي وحدة سكنية، قبل أن تتحول شكايات المستفيدين إلى ملف قضائي معقد امتد لأكثر من اثني عشر عامًا.
وأدت تلك الشكايات إلى فتح ثلاثة تحقيقات متوازية، أشرفت عليها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والمفتشية العامة للمالية، والمفتشية العامة للإدارة الترابية، قبل أن تحال القضية على غرفة الجرائم المالية بمحكمة الاستئناف بفاس، باعتبار الدولة المغربية الطرف المدني الوحيد فيها.
إدانتان ثم نقض للأحكام
في الرابع من فبراير 2020 أصدرت غرفة الجرائم المالية أول أحكامها، حيث أدانت المدير العام السابق لصندوق الإيداع والتدبير، أنس العلمي، والمدير العام السابق للشركة العامة العقارية، محمد علي غنام، بسنة واحدة حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم لكل واحد منهما، مع تبرئة خمسة وعشرين متهما آخر من أطر الشركة ومهندسين ومعماريين وموثقين.
وبعد عامين، أيدت محكمة الاستئناف بفاس أحكام البراءة الصادرة في حق باقي المتهمين، لكنها خفضت العقوبة الحبسية في حق العلمي وغنام إلى ستة أشهر حبسا، بعد إعادة تكييف التهم وإسقاط عدد من الجنايات الثقيلة، من بينها تكوين عصابة إجرامية واختلاس أموال عامة والتزوير، مع الإبقاء على الغرامة المالية.
غير أن هذا الحكم لم يكتسب الصبغة النهائية، بعدما لجأ الدفاع إلى محكمة النقض التي قررت إلغاء الحكم وإعادة الملف إلى محكمة الاستئناف لإعادة النظر فيه، وهو ما أعاد القضية إلى الواجهة القضائية والإعلامية.
مسطرة غيابية تزيد الملف تعقيدًا
تكشف المعطيات المتوفرة أن المحكمة شرعت منذ سنة 2025 في إصدار أوامر بالمحاكمة الغيابية بشكل تدريجي، بعدما استمر غياب المتهمين عن الجلسات، قبل أن توسع هذه الإجراءات خلال يوليوز الجاري لتشمل معظم الأشخاص الذين لا يزالون متابعين في الملف.
ويرى متابعون للشأن القضائي أن استمرار المحاكمات الغيابية قد يؤدي إلى إطالة أمد القضية، خاصة في ظل تعدد المتهمين وتشعب الوقائع المرتبطة بها، فيما ينتظر أن تشكل الجلسة المقبلة، المرتقبة خلال شهر شتنبر، محطة حاسمة في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه إعادة المحاكمة.
ويؤكد هذا التطور أن قضية “باديس”، التي اعتبرها كثيرون قد انتهت منذ صدور أحكام سنة 2022، لا تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات، وأن مصير المسؤولين السابقين المتابعين فيها سيظل رهينًا بما ستقرره محكمة الاستئناف بفاس بعد استكمال إجراءات إعادة المحاكمة، في واحدة من أطول القضايا المرتبطة بتدبير المشاريع العقارية العمومية بالمغرب.





