كواليس صيف حارق فاوض فيه المغرب خارجية أوروبا وأمريكا
مؤتمر مدريد 1880 وُصف بالتاريخي وضم 18 بندا اقترح الحسن الأول أغلبها

يونس جنوحي
«وزير الخارجية المغربي محمد بركاش لم يكن محظوظا رغم أنه دخل التاريخ وهو يوقع باسم المغرب نص اتفاق مدريد سنة 1880. فقد كان على اسمه أن يبقى لصيقا لسنوات بلعنة «المحميين» التي كلفت المغرب خسائر بملايين الفرنكات، ومست بسيادته على رعاياه.. إذ أصبح أثرياء وأعيان مغاربة غير خاضعين للمحاكم المغربية ولا لأحكام العلماء وتوجيهاتهم. والسبب أنهم صاروا حاملين للجوازات الأوروبية، ومنهم من حملوا الجواز الأمريكي منذ 1876، وأصبح مخزنيو السلطان يجدون عائقا كبيرا في التعامل مع هؤلاء المحميين المغاربة. ومنذ ذلك التاريخ، فطن المولى الحسن الأول إلى ضرورة جلب ممثلي الدول الأجنبية إلى طاولة واحدة، للخروج باتفاق يستعيد معه المغرب سلطته على رعاياه، ويؤخر التوغل الأجنبي داخل المغرب..»
كيف أقنع السلطان دول أوروبا وأمريكا بالجلوس إلى طاولة واحدة؟
في مثل هذه الأيام من صيف سنة 1880، كان ممثلو الوفد المغربي في مدريد، يقطعون المسافة بين الإقامة التي خصصتها لهم قيادة الجمهورية الإسبانية الأولى، التي ترأسها أنطونيو ديل كاستيو، وقاعة القصر الذي احتضن جلسات المؤتمر.
وفي مثل هذه الأيام من شهر غشت من السنة ذاتها، كان المولى الحسن الأول يراجع بنفسه نص الاتفاق الذي ناب عنه وزير خارجيته في صياغة مضامينه بناء على توجيهات السلطان.
والفرق أن المولى الحسن الأول لم يكن حاضرا داخل القاعة المفعمة بالضغط على الجانب المغربي لتخفيف شروط الاتفاقية، لكن وزير خارجيته كان يحمل توصيات بالحد الأدنى الذي يجب الالتزام به لقبول الصيغة النهائية للاتفاق.
طلب المولى الحسن الأول، عبر مراسلات بدأت منذ 1876، من مختلف ممثلي الدول الأجنبية التي كانت تحل بالمغرب، أن تعمل على إقناع خارجيتها بعقد اجتماع للبت في مطالب المغرب بالتخفيف من حدة استفحال ظاهرة «المحميين» في أوساط المغاربة، إلى درجة أصبح معها تعامل مخزن المولى الحسن الأول، مع هؤلاء، مستحيلا. فقد كانوا يحتمون دائما بظل الدول الأجنبية التي منحتهم جنسيتها. حتى أن بعض أعيان وتجار مدينة مثل الصويرة وآسفي، اللتان كانتا تضمان اثنين من أهم المراسي المغربية، كانوا يعلقون أكثر من علم أجنبي فوق باب المنزل، وتحولت منازلهم إلى ما يشبه قنصليات أجنبية في المغرب، رغم أنهم مغاربة.
جرى الاتفاق على أن يرسل السلطان ممثلا عنه إلى مدريد، ويجلس مع ممثلي الخارجية للدول العظمى التي كانت لديها مصالح تجارية في المغرب، لتوقيع اتفاق ينقذ به السلطان بلاده من استفحال ظاهرة «المحميين»، ويفرمل نوعيا حدة التدخل الأجنبي في المغرب.
كان المولى الحسن الأول، وهو يتخذ هذا القرار، سابقا لزمانه، فقد اتضح أن اتفاق مدريد سنة 1880 كان حاسما في تاريخ السباق الاستعماري على احتلال البلاد، بل يمكن القول إنه أخر التدخل الأجنبي لسنوات، ولم ينفجر الوضع فعليا إلا بعد أزيد من عشرين سنة على توقيع الاتفاقية.
ربح السلطان عقدين من الزمن، لكنه لم ير كيف عادت فرنسا بقوة بعد سنة 1908، لتضرب باتفاق مدريد عرض الحائط، ثم تتخذه مدخلا لحصد امتيازات أخرى، في واحدة من أعقد عمليات الالتفاف على المواثيق الدولية.
18 فصلا «حارقا» في جيب المغرب
النص الكامل لاتفاقية مدريد بعد 146 سنة على توقيعها
لا يمكن فهم حيثيات اتفاق مدريد في صيف 1880، ولا حتى تداعياته على الوضع في المغرب في ذلك الوقت، وحتى في السنوات اللاحقة، دون الاطلاع على النص الكامل للاتفاق.
وهنا نورد نص الوثيقة التي وقعها سلطان المغرب، ووقعتها تمثيليات 12 دولة أجنبية: إسبانيا، فرنسا، بريطانيا وإيرلندا في إطار المملكة المتحدة العظمى، ألمانيا، النمسا والمجر، الولايات المتحدة الأمريكية، بلجيكا، إيطاليا، هولندا، البرتغال، السويد والنرويج، الدنمارك التي نابت عنها المملكة المتحدة.
الدول التي شاركت بشكل ثنائي كانت في الحقيقة تمثل اتحادا، مثل السويد والنرويج، والنمسا والمجر، وبريطانيا وإيرلندا.
وهذا نص الاتفاق:
«1- الحماية تعطى لمن له تعلق بالتمثيل الأجنبي وهي لا تشمل أقاربه عدا أهله الساكنين معه فإذا مات انقطعت حمايته عنهم وكذلك السماسرة الكبار الذين لهم تجارة في الداخل والخارج سواء كانوا يتجرون في مالهم أم كانوا نائبين عن غيرهم. وعدد هؤلاء لا يزيد على اثنين في كل مركز تجاري.
2- لنواب الأجناس أن يتخذوا تراجمهم أو مساعديهم من المسلمين أو غيرهم وهؤلاء يصبحون محميين بحكم عملهم ولا تلزمهم ضرائب إلا ما قرر في الفصلين 12و13.
3- القنصل وثاني القنصل ووكلاء القنصليات لا يمكنهم أن يختاروا سوى ترجمان ومخزني ومساعدين من رعية السلطان إلا إذا احتاجوا إلى كاتب عربي ولا يلزمهم إلا ما هو مقرر في الفصلين 23 و12.
4- إذا عين نائب من نواب الأجناس وكيلا عنه من رعية السلطان بأحد المراسي فله الاحترام التام والامتياز المقرر في الفصلين السابقين وله الحق أن يتخذ له مخزنيا وثاني قنصل من رعية السلطان.
5- اعترفت الدولة المغربية للسفراء والوزراء المفوضين ونواب الأجناس عامة بالخصوصية التي لهم على مقتضى الشروط التي تمكنهم من اختيار مستخدميهم إلا أشياخ القبائل أو من يقوم بخدمة في الدولة مثل الجيش والمخزنية الذين لا يقومون بحراستهم وكذلك ليس لهم أن يقبلوا من حوزتهم من أقيمت عليه دعوى إلا بعد استيفائها .
6- أهل المحمي الذين تشملهم حمايته هم الزوجة والعيال والأقارب الصغار الساكنون في داره ولا تورث الحماية إلا لأهل اليهودي ابن شمون الذين ورثوها أبا عن جد منذ كانوا سماسرة وتراجمة في نيابة فرنسا بطنجة. وإذا سمحت الدولة لغير هؤلاء بإرث الحماية فجميع الدول المشتركين في المؤتمر لهم الحق في ذلك.
7- على نواب الأجناس أن يخبروا كتابة وزير الخارجية المغربية بالموظفين الذين يختارونهم وفي كل سنة يسلمون إلى الوزير المذكور لائحة بأسماء المحميين الذين لهم أو لوكلائهم.
8- الوكلاء في كل سنة يسلمون ولاة البلد لائحة مختومة بخاتمهم تحتوي على اسم المحميين عندهم. وهؤلاء الولاة يوجهونها إلى وزير الخارجية للاطلاع عليها ومقارنتها مع الترتيب. وكل تبديل يقع في المحميين على القنصليات أن تخطر به حالا وزارة الخارجية.
9- الخدم والفلاحون والموظفون في خدمة كتاب العربية والتراجمة من المغاربة لا يمكنون من الحماية. وكذلك المساعدون والخدم لرعية الأجناس. والولاة المغاربة لا يوقعون القبض على أحد من رعية الأجناس أو محمي دون إعلام لممثلي جنسه. وإذا جنى من هو في خدمة أحد من الرعايا الأجانب فيقبض عليه في الحين ويقع الإعلام للنائب أو القنصل الأجنبي عاجلا.
10- لا يقع تبديل في شيء من أمر السماسرة إلا ما يترتب في شأن الوظائف المعروفة في الفصول الآتية.
11- شراء الأملاك العقارية من الأجانب لا يكون إلا بتقديم إذن من الدولة المغربية، ورسوم هذه الأملاك تدون حسب شريعة البلد. وكذلك جميع النوازل التي تقع فيها، ولهم رفعها لوزارة الخارجية المغربية.
12- رعية الأجناس والمحميون والسماسرة الذين لهم ملكية أو اكتراء أو فلاحة، عليهم في كل سنة أن يقدموا لقنصلهم تقييدا صحيحا بما لهم ويسلموا ما عليهم من الزكوات والأعشار. ومن زور منهم يؤدي الضعف فيما أخفى أول مرة والضعفين في ثاني مرة وهلم جرا..
13- رعية الأجناس والمحميون يؤدون على بهائمهم ما يجب عليها في الأبواب. وكيفية قبض هذا الواجب واحدة، لرعية الأجناس ورعية السلطان. على أنه سيكون في ذلك ترتيب مخصوص ينص عليه بين النواب في طنجة ووزير الخارجية، ولا يزاد فيه إلا باتفاق جديد بينهم.
14- لا يقبل توسط التراجمة، وكتاب العربية والمخزنية ببعض المفوضيات والقنصليات في أمور غير المحميين، إلا إذا استظهروا رسما بخط نواب الأجناس.
15- جميع المغاربة الذين تجنسوا بالجنسية الأجنبية ورجعوا إلى المغرب عليهم، بعد مدة من استقرارهم، أن يختاروا بين أن يدخلوا تحت حكم شريعة الإبالة المغربية أو يغادروا المغرب.
16- لا تمنح حماية خارجة عن القانون أو بوجه التوسط في المستقبل ولا يعرف المغرب حماية أخرى دون الحماية الخاصة التي اتفق عليها. وهناك حق إجراء حماية معينة في صورة واحدة لتكون جزاء لمن يقوم بأعمال عظيمة لبعض الدول أو لأسباب أخرى، على أن يقدم الإعلام بكيفية هذه الخدمة التي استدعت الحماية لوزير الخارجية المغربية حتى يمكنه الاحتجاج على ذلك إن اقتضى الحال، ولا يمكن أن يزيد عدد هؤلاء المحميين على اثني عشر لكل دولة.
17- اعترفت الدولة المغربية لجميع الدول الممثلة في المؤتمر بكل الحقوق المفصلة من غير تمييز جنس عن آخر.
18- يجري العمل بهذا الاتفاق من يوم ختمه بمدريد وحرر في 3 يوليه 1880 الموافق 23 رجب عام 1297».
«المحميون» والحدود.. ملفان حارقان في «جلباب» الدولة منذ 1876
في صيف سنة 1880، ما بين شهري يونيو ويوليوز، كانت تجري جلسات التحضير لمؤتمر مدريد برئاسة مجلس النواب الإسباني.
في الظاهر، كان المولى الحسن الأول قد دعا إلى عقد هذا المؤتمر بسبب استفحال مشكل المحميين المغاربة، وهو المشكل الذي انفجر منذ سنة 1876، لكن في باطن الأمور، كانت دعوة المولى الحسن الأول ترمي إلى إبعاد مخاطر محاولات الفرنسيين التلاعب بالمسألة الحدودية مع المغرب، بحكم احتلالها لبلاد الجزائر منذ 1830، وافتعال الكثير من التوتر في منطقة الحدود الشرقية على مستوى وجدة وتافيلالت..
طالما تحركت أقلام مغربية بعد الاستقلال، لتناول سيرة المولى الحسن الأول والفترة العصيبة التي دبر فيها الأزمة المغربية مع الدول الأجنبية. ففي أربعينيات القرن الماضي، كان بعض الذين عاصروا فترة المولى الحسن الأول، لا يزالون على قيد الحياة، ونقلوا عن طريق الرواية الشفهية، ما عاشوه من مكائد ودسائس في محيط البلاط، خلال تلك الفترة الحرجة من تاريخ المغرب. لذلك كثرت الدراسات التاريخية التي نُشرت في الدوريات المغربية خلال خمسينيات القرن الماضي. المشكل أن بعضها نقلت إلى الأرشيف دون أن تحمل توقيع كاتبها، وباتت موقعة باسم أرشيف المجلات، مثل ما وقع مع دراسة نشرتها مجلة «دعوة الحق» الشهيرة في عددها رقم 96، والتي اهتمت بهذه الفترة الحرجة. جاء فيها:
«لقد أقر بعض المتطرفين ممن كتبوا عن نشاط فرنسا بالمغرب في هذه الفترة بأن سياسة الحسن الأول في ما يخص مناطق الحدود، بقدر ما كانت عبقرية حاذقة بقدر ما كانت سياسة الفرنسيين في نفس المناطق بعيدة عن أن توصف بهذه الصفة. خصوصا في كتاب «المغرب» لمؤلفه «أوغوستين برنارد». .Augustin Bernanrd
هذا المصدر نفسه يعترف بأن تعيين السلطان لعاملين بوجدة وفيكيك بعد زيارته الأولى سنة 1876 كان وحده كافيا لوضع حد للتوسع الفرنسي بيد أن الفرنسيين لم يفقدوا من بعض المغاربة أنفسهم نصيرا فبعض رجال الطرق الذين شملتهم حماية الدولة الفرنسية في هذه الظروف الحرجة كانت سلطات هذه الدولة بالجزائر تشغل نفوذهم الروحي بناحية الصحراء وكان رئيسهم يبادل فرنسا أخلص العواطف كما يقول (بينسون) في كتابه «إمبراطورية البحر الأبيض المتوسط ص 224» وكان أولاد «سيدي الشيخ» آلة طيعة في يد السلطان المذكورة التي استعانت بهم في احتلال الأراضي والواحات الصحراوية.
ولندع هذا الكاتب يتحدث عن نشاط الحسن الأول في هذه النواحي حيث يقول: «قلما كانت تمر سنة بعد عام 1886 دون أن تتبادل الوفود والرسائل السرية بين أعيان القصور والبلاط الشريفي خوفا من المسيحيين الذين كانوا يهددون البلاد على الرغم من سلبيتهم».
والواقع أن فرنسا كانت تتملص بكل الوسائل من الدخول في مفاوضات مع المغرب حول مستقبل الصحراء التي لم تطأها قدم غازٍ أوروبي منذ عهد القائد الروماني بولينوس وعندما تدخل وزير خارجية المغرب السيد فضول غرنيط لدى ممثل فرنسا بطنجة لوضع حد للتوسع الفرنسي.
وفي الوقت الذي تبرر فيه المصادر ذات الصبغة الاستعمارية تدخل فرنسا بحجة أن الصحراء تحتفظ باستقلالها عن المغرب منذ عهود طويلة، تؤكد أن زيارة الحسن الأول لمنطقة تافيلالت خلفت أثرا عظيما لدى السكان، حتى أولئك الذين اتخذتهم صنائع لها، بل بقي هذا الأثر مستمرا إلى ما بعد وفاة هذا الملك المناضل، ذلك أن الحسن الأول كان يتفقد باستمرار مختلف مناطق المملكة خصوصا منها الجهات النائية كما تقدم».
1880.. أيام عصيبة من تاريخ المغرب
المغرب في هذه السنة العصيبة، وما قبلها من سنوات، كان يعيش على إيقاع تهديد حقيقي بالانقسام. ليس على المستوى الداخلي، وإنما على مستوى التهديد الذي باتت تشكله القوى الأجنبية.
كان قصر السلطان المولى الحسن الأول في فاس محط اهتمام الضيوف الأجانب من قناصلة ورجال أعمال، ومبعوثين. فرنسا، بريطانيا، إسبانيا، وهولندا والنمسا وألمانيا.. وغيرها. كلها دول كانت تبعث قناصلتها ومفوضيها للبحث عن موطئ قدم في المغرب.
كان المبعوثون الأجانب يحلون بفاس ويبحثون دائما عن صلة توصلهم إلى القصر. فقد كان السلطان المولى الحسن الأول يرفض لقاء أغلبهم، ويعتذر منهم عن طريق موظفيه، بدعوى انشغالاته حتى يعودوا أدراجهم.
لكن، بعد اتفاق مدريد من تلك السنة، أصبح السلطان أكثر مرونة في التعامل مع الأجانب، خصوصا الفرنسيين والإنجليز، بحكم أن «ملعب» التفاوض أصبح واضحا أكثر من ذي قبل.
أما في السنوات الأولى للحكم، أي بعد جلوسه على العرش سنة 1873، فقد كان المولى الحسن الأول محاطا بخريطة كاملة من الفخاخ التي نصبها ممثلو البعثات الأجنبية في طنجة الدولية.
كان المغرب، الذي ورثه المولى الحسن الأول عن والده محمد الرابع، ابن المولى عبد الرحمن، يعيش على إيقاع بوادر تهديد خارجي حقيقي، خصوصا مع تحول الأوضاع السياسية شرقا، واحتلال فرنسا للجزائر رسميا.
لذلك كان السلطان متوجسا في التعامل مع الفرنسيين، حتى أن العلماء، الذين كانوا يشكلون وقتها مجلسا من المستشارين، نصحوه بعدم استقبال المبعوث الفرنسي وعدم قبول اقتراحاته، سيما اقتراح العملة المغربية. فقد كان انتشار العملة الأوروبية، الفرنسية على وجه الخصوص، في المعاملات مع التجار المغاربة، يقض مضجع السلطان، ومضجع العلماء الذين اعتبروا أن انتشار العملة الأوروبية سوف يتبعه بكل تأكيد احتلال للبلاد. وهؤلاء العلماء عملوا على جعل السلطان يرفض كل الاقتراحات التي همت الإصلاح الاقتصادي، حتى لا «تتسلل» دولة أوروبية وتحتل المغرب بالسيناريو نفسه الذي تم به احتلال الجزائر.
في الأخير، وُلدت العملة المغربية «الحسني»، في هذا السياق، لسد الفراغ الذي كان بإمكان الأوروبيين استغلاله واعتماد عملة بلادهم في قلب السوق المغربي.
هناك استنتاج تاريخي خلص إليه مؤرخون مغاربة، أمثال عبد الرحمن ابن زيدان، مفاده أن بعض موظفي المخزن، سيما موظفي المراسي المكلفين باستخلاص الضرائب، في بداية عهد المولى الحسن الأول، كانوا متحمسين لاعتماد العملة الأجنبية، بحكم إدراكهم لمدى قوة الفرنك الفرنسي في مقابل عملات أخرى. لكن حماسهم قوبل بجمود في دار المخزن، مصدره الخوف من أن يتم تسليم البلاد بسهولة لدولة بقوة فرنسا، تحتل أرض تلمسان، ولم يعد يفصلها عن المغرب إلا «مرمى حجر».
في ذلك الوقت، كان تجار المغرب أكثر إدراكا لمستوى الخطر الذي بات يهدد الدولة. فقد كانوا يرون كيف أن بعض الأعيان المغاربة تحالفوا في الظاهر مع القناصلة الأجانب، وباتوا «محميين» لا يطولهم قانون المخزن، وأصبحوا يمثلون مصالح الأجانب في المغرب.
التهرب الضريبي قبل 140 سنة.. «داء» أصاب الدولة بالإفلاس
دائما ما شكل موضوع التهرب الضريبي مادة «دسمة» للمؤرخين والباحثين. وسبق أن أثرنا الموضوع، في ملفات كثيرة، على ضوء وثائق الأرشيف والمراسلات المخزنية.
في الحقيقة، كان هذا التهرب الضريبي، الذي لجأ إليه التجار المغاربة في أشد لحظات حاجة خزينة الدولة المغربية إلى التمويل في بداية عهد المولى الحسن الأول، أي بعد 1873، وقبيل مؤتمر مدريد سنة 1880، العامل الذي زاد من تعميق الأزمة المغربية، سيما وأن هؤلاء التجار بدأوا فعليا يحتمون بالقنصليات الأجنبية، وباتوا يشكلون تهديدا حقيقيا بالانقسام، وإضعاف سلطة الدولة المغربية.
بالعودة إلى عشرات المراسلات المخزنية، التي سبق أن تناولناها في «الأخبار»، تصبح الصورة أكثر وضوحا. تجار مغاربة يسعون وراء مصالحهم، وتمثيليات أجنبية فطنت إلى هذه الجزئية واستعملتها ضد الدولة المغربية.
«.. وإنهم سعوا في خراب البلاد ووضعوا أيديهم في أيدي الذين أرادوا بنا سوءا». لم تكن هذه إلا مقدمة من شكاية طويلة في موضوع عقد تُجار مغاربة لاتفاق مع شركات أوربية في ميناء مدينة الصويرة نهاية القرن 18. الشكاية كُتبت بكثير من التحامل على الأثرياء، من طرف الموظفين المخزنيين. والسبب، حسب مراجع تاريخية كثيرة، هو امتناع عدد من التجار الأثرياء، في فترات مختلفة، عن الالتزام بأداء نوع من «الإتاوات» لموظفي المخزن وبعض القياد. فقد كان هؤلاء التجار يرون أن علاقتهم المباشرة ببعض الوزراء أو السلطان كافية لجعهم يؤدون الضرائب القانونية فقط للدولة، وفي المقابل كانت الدولة، سيما في أيام انفتاح المولى عبد الرحمن على أوروبا، تمنح رخصا لبعض التجار لكي ينفردوا بنوع من التجارة، حتى لا تكون منافسة كبيرة بينهم، وحتى تحقق الدولة أرباحا مهمة في تلك المعاملات، ويكون المقابل هو الالتزام بأداء ضرائبهم للدولة. لكن بعض الموظفين، خصوصا المكلفين بالحسابات في الجمارك بميناء الصويرة، كانوا يرغبون في الفوز بحصة ما من تلك الأرباح الطائلة التي كانوا يحصونها، وهكذا نجح بعضهم فعلا في الضغط على بعض التجار، مسلمين ويهود، والنتيجة كانت ألا يلتزم هؤلاء التجار بالأداء لأنهم كانوا يعلمون أن الأمر لم يكن قانونيا منذ البداية.
كثيرة هي الحالات التي راسل أصحابها القصر في ذلك الوقت، سيما من مدينة الصويرة، ما بين سنوات 1770 و1850. لماذا الصويرة تحديدا؟ لأن ميناءها كان واحدا من أكبر البوابات الاقتصادية في المغرب، وكان ينافس ميناء الشمال الشرقي قرب الناظور، وهو المدخل التاريخي الذي نشبت خلافات كثيرة بين تجاره وتجار مدينة فاس الذين حُرموا جغرافيا من التوفر على ميناء واكتفوا بربط الاتصال بميناء طنجة والجديدة أيضا.
ميناء الصويرة كان له الفضل الكبير على عائلات كثيرة لتبني مجدها المالي، على غرار آل قرقوز وآل أفرياط وبن المليح وآيت عطا، الذين بنوا قرية عائلية بين مراكش والصويرة ليسيطروا على أكبر الأسواق التجارية وقتها. هؤلاء، وغيرهم، كانوا يبنون مجدهم المالي في المغرب، ونجح بعضهم في الوصول إلى أوربا بحكم أنهم ربطوا صداقات مع تجار أجانب عرضوا عليهم توسيع تجارتهم لكي تشمل خارج المغرب.
لكن آخرين، من أمثال آل مقنين، وعائلة «باروت»، و«بن موسى»، حصلوا على المال، وعلى سخط الدولة أيضا، سيما آل مقنين الذين اتهموا بالتهرب الضريبي بشكل رسمي، واتُهموا أيضا باستغلال اسم الدولة المغربية رسميا لإبرام صفقات خاصة بهم، وأوهموا الحكومتين الفرنسية والإيطالية بأنهم يتوفرون على ترخيص من القصر الملكي في المغرب، لشراء سفينة وبعض الأسلحة، على أن يدفعوا ثمنها مقسطا، واختفوا بعد استفادتهم من الصفقة، وتفاجأ السلطان وقتها برسائل رسمية من أوروبا تطلب معلومات عن الصفقة المبرمة باسم المغرب مع مصنعين أحدهما للسلاح والآخر للسفن. وعندما تفجرت الفضيحة، التي تبرأ منها المغرب رسميا وثبت للإيطاليين أن الأوراق التي عرضها مقنين لم تكن رسمية وإنما استغل تفويضا مكتوبا من القصر الملكي بخصوص المبادلات التجارية بين الصويرة وعدد من العواصم، وأبرم به الصفقتين.. وقتها اختفت هذه العائلة عن الأنظار، وكانت تلك بداية توتر العلاقة بين الدولة وعدد من العائلات التي كان أفرادها يتهربون من الضرائب لصالح المخزن، ووجد الموظفون الساخطون على الأثرياء الفرصة سانحة ليضربوا بيد من حديد على كل المغاربة الذين نجحوا في تأسيس إمبراطورتيهم المالية في المغرب.
ملامح من مغرب ما بعد مؤتمر 1880.. هل انتصر الحسن الأول؟
هل نستطيع القول إن المولى الحسن الأول كان فعلا قد جنب البلاد كارثة سياسية ودبلوماسية عندما خرج بنص اتفاق نهائي مع دول أوروبا؟
هذا السؤال انبرى مؤرخون مغاربة وأجانب للإجابة عنه. والحقيقة أنه نجح ظرفيا في تجنيب المغرب المزيد من الخسائر بسبب استفحال ظاهرة «المحميين» المغاربة من طرف التمثيليات الأجنبية. لكنه، أي الاتفاق، لم يكن يقدم الحل الأنجع للوضع المغربي في ذلك الوقت.
النتيجة كانت أن التمثيليات الأجنبية أصبحت تتعامل مع المغرب وفق بنود الاتفاق.
فيما كان وزير الخارجية المغربي، سواء السابق منهم أو اللاحق، وهم على التوالي الحاج الطريس والحاج عبد الكريم بنسليمان، ثم فضول غرنيط، يتعامل مع الأجانب بنوع من الكياسة.. الوزراء الثلاثة مارسوا صلاحيات وزارة الخارجية المغربية، أو «الشؤون البرانية»، كما كانت تسمى وقتها، في ظل بنود اتفاق مدريد.
إلا أن الوزير عبد الكريم بن سليمان، الذي كانت تربطه بالمولى الحسن الأول علاقة ود عميقة، كان أكثر الوزراء المغاربة رفضا لمسألة المحميين، رغم أن أصدقاء فاسيين كانوا مقربين منه حملوا تلك الصفة. في ما تحول فضول غرنيط في نهاية حياته إلى صديق للألمان، وهو الذي كان شاهدا عن قرب على مجريات مؤتمر مدريد.
هنا تجدر الإشارة إلى أن مخزنيين مغاربة كانوا أول من تنكر لاتفاق مدريد، وجروا وراء المغريات الأوروبية، بعد وفاة المولى الحسن الأول. ولم تكد سنة 1900 تلقي بظلالها «الثقيلة» على المغرب، حتى أصبح الذين كانوا بالأمس يدافعون عن اتفاق مدريد، ويلومون الوفد المغربي على عدم جني امتيازات أخرى من الدول الأوروبية، من أوائل من تسابقوا على التعامل مع المحميين والتطبيع معهم، في موجة توزيع صفة «المحميين» الثانية، خلال العهد العزيزي.
يصعب فعلا تحديد ما إن كان المولى الحسن الأول نجح في تقويض أوروبا سنة 1880، لكن الأكيد أنه نجح في تأخير تأثير أوروبا على المغرب في سياق السباق الاستعماري.
الخروج باستنتاج أعمق، يقتضي استحضار الظروف التي كانت تحيط بالمغرب في تلك الفترة. وإذا كان المؤرخون يختلفون اليوم في تقويم الوضع، فإن مسألة تحديد الأداء المخزني الرسمي في صياغة اتفاق مدريد، سوف يبقى معلقا، حتى مع توفر الوثائق والمراسلات القديمة التي تناولت هذه الفترة، وأظهرت كيف أن المولى الحسن الأول كان واضحا في موقفه: لا مكان لأي أوروبي في قلب السلطة المركزية، ولا مكان للمحميين في دائرة السلطة ودواليب الاقتصاد.. لكن واقع الحال فرض الكثير من التنازلات على الدولة المغربية، إلى أن صارت الأمور إلى «ما آلت إليه».




