
يتواصل اتساع العجز التجاري بالمغرب في ظل نمو الواردات بوتيرة تفوق الصادرات، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية التبعية للأسواق الخارجية، وقدرة النسيج الإنتاجي الوطني على تعزيز العرض المحلي وتوسيع قاعدة الصادرات.
لمياء جباري
حسب بيانات مكتب الصرف، بلغت واردات السلع 617.5 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026، بزيادة قدرها 15.8 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، في حين ارتفعت الصادرات بنسبة 8.7 في المائة لتناهز 334.9 مليار درهم.
ونتيجة لذلك، اتسع العجز التجاري بنسبة 25.4 في المائة ليصل إلى 282.6 مليار درهم، بينما تراجع معدل تغطية الواردات بالصادرات إلى 54.2 في المائة ، مقابل 57.7 في المائة، قبل سنة.
وتعكس هذه المؤشرات اتساع الفجوة بين الطلب المغربي على السلع المستوردة، وقدرة الصادرات على مواكبة نمو الواردات، في سياق يتسم بتزايد احتياجات الاقتصاد إلى الطاقة والتجهيزات والمنتجات الوسيطة الضرورية للإنتاج والاستثمار.
الطاقة والتجهيزات في صدارة الواردات
تظهر تفاصيل المبادلات الخارجية أن ارتفاع الواردات لا يرتبط بعامل واحد، بل يجمع بين ضغط فاتورة الطاقة، وتزايد المشتريات من التجهيزات والمواد الأولية والمنتجات الاستهلاكية. فقد بلغت فاتورة الطاقة 96.4 مليار درهم بنهاية غشت 2026، مسجلة زيادة بنسبة 32.6 في المائة، فيما وصلت واردات المنتجات النهائية للتجهيز إلى 148.7 مليار درهم، بارتفاع نسبته 19.3 في المائة.
وارتفعت واردات المنتجات النهائية للاستهلاك بنسبة 10.1 في المائة لتصل إلى 143.5 مليار درهم. وبلغت واردات المنتجات نصف المصنعة 171,9 مليار درهم، بزيادة 4,9 في المائة، بفعل المنتجات الكيميائية ومنتجات النحاس والمواد البلاستيكية.
أما المواد الخام، فارتفعت فاتورتها بـ31,2 في المائة إلى 43,6 مليار درهم، بدفع من الكبريت الخام وغير المكرر، الذي زادت وارداته بـ6,1 ملايير درهم لتبلغ 15,2 مليار درهم.
وبحسب أحد مبيانات التقرير، انتقل متوسط سعر طن الكبريت من 1.099 إلى 2.264 درهما. ومن جهتها، زادت واردات المنتجات الغذائية بـ3,3 في المائة إلى 94,7 مليار درهم، بفعل الحيوانات الحية والذرة، رغم تراجع مشتريات السكر والقمح.
صادرات متباينة الأداء
على مستوى الصادرات، لا تسير القطاعات الرئيسية بالوتيرة نفسها. فقد ارتفعت صادرات قطاع السيارات بنسبة 14.5 في المائة إلى 116.1 مليار درهم، فيما سجل قطاع الطيران زيادة بنسبة 21.5 في المائة، لتبلغ صادراته نحو 23 مليار درهم. كما نمت صادرات الفلاحة والصناعات الغذائية بنسبة 8.3 في المائة إلى 65.1 مليار درهم.
في المقابل، تراجعت صادرات الفوسفاط ومشتقاته بنسبة 6 في المائة، كما انخفضت صادرات النسيج والجلد بنسبة 5.6 في المائة، والإلكترونيات والكهرباء بنسبة 2.9 في المائة، وفق بيانات مكتب الصرف. وتكشف هذه التفاوتات عن أهمية تنويع الصادرات وتعزيز قدرة القطاعات الصناعية على المحافظة على أسواقها الخارجية، بالتوازي مع رفع القيمة المضافة المحلية، وتوسيع قاعدة المنتجات القابلة للتصدير.
وتطرح مسألة مدى استفادة الاقتصاد الوطني من توسع الصناعات الموجهة إلى الخارج، خصوصا في ما يتعلق بنسبة المكونات المستوردة في المنتجات النهائية، وحجم القيمة المضافة التي تبقى داخل المملكة.
أوروبا تستحوذ على الحصة الأكبر
لا يمكن تحليل العجز التجاري المغربي بمعزل عن خريطة الشركاء التجاريين للمملكة، التي ما زالت تتسم بالتركيز الكبير على السوق الأوروبية، رغم تنامي المبادلات مع آسيا وعدد من المناطق الأخرى.
وأفاد مكتب الصرف، في تقريره السنوي حول التجارة الخارجية للمغرب، بأن أوروبا حافظت على موقعها كأكبر شريك تجاري للمملكة خلال سنة 2025، بحصة بلغت 59.8 في المائة من إجمالي المبادلات التجارية، بعدما ارتفعت المبادلات معها بنسبة 2.4 في المائة لتصل إلى 773.1 مليار درهم.
واستحوذت دول الاتحاد الأوروبي على 85.8 في المائة من المبادلات التجارية بين المغرب وأوروبا. كما شكلت القارة الأوروبية مصدر 54.2 في المائة من واردات المملكة، فيما استقبلت 69.7 في المائة من صادراتها، ما يعكس الوزن الكبير للسوق الأوروبية في تحديد اتجاهات التجارة الخارجية المغربية. وتصدرت إسبانيا قائمة الشركاء الأوروبيين للمغرب بحصة بلغت 27.5 في المائة، تلتها فرنسا بنسبة 21.1 في المائة، ثم ألمانيا بـ8.9 في المائة، وتركيا بـ7.3 في المائة، وإيطاليا بـ7.1 في المائة.
ويطرح هذا التركيز سؤالا حول مدى قدرة الصادرات المغربية على الاستفادة من القرب الجغرافي والروابط الصناعية والتجارية مع أوروبا، وكذلك حول مخاطر الاعتماد الكبير على عدد محدود من الأسواق. فتعزيز الصادرات لا يرتبط فقط بزيادة الإنتاج، بل أيضا بتوسيع الأسواق المستهدفة، وتحسين التنافسية، وتنويع المنتجات والخدمات المعروضة.
آسيا تعزز حضورها..
واصلت آسيا تعزيز موقعها ضمن الشركاء التجاريين للمغرب، إذ ارتفعت المبادلات معها بنسبة 15.6 في المائة خلال سنة 2025، لترتفع حصتها من إجمالي المبادلات التجارية للمملكة من 20.1 في المائة سنة 2024 إلى 21.9 في المائة سنة 2025.
ويعزى هذا التطور أساسا إلى تنامي المبادلات مع الصين، الشريك الآسيوي الرئيسي للمغرب، التي سجلت تجارتها مع المملكة ارتفاعا بنسبة 25.1 في المائة، مواصلة بذلك نموها للسنة الرابعة عشرة على التوالي. كما ارتفعت المبادلات مع الهند بنسبة 36 في المائة، ومع بنغلاديش بنسبة 34.5 في المائة، بما يعكس تنامي الروابط التجارية مع الأسواق الآسيوية.
غير أن ارتفاع المبادلات التجارية لا يعني بالضرورة تحسنا مماثلا في الميزان التجاري الثنائي، إذ يتوقف ذلك على التوازن بين الصادرات والواردات مع كل شريك. ومن ثم، تبرز أهمية التمييز بين تنويع الشركاء التجاريين وتنويع مصادر الصادرات، لأن توسيع العلاقات التجارية قد يترافق أيضا مع ارتفاع الواردات، إذا لم تنمُ الصادرات بالوتيرة نفسها.
تفاوت المبادلات مع أمريكا وإفريقيا وأوقيانوسيا
على مستوى القارة الأمريكية، ارتفعت المبادلات التجارية للمغرب بنسبة 8 في المائة خلال سنة 2025، مدفوعة أساسا بنمو المبادلات مع الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 7.9 في المائة.
في المقابل، حد من هذا الارتفاع تراجع المبادلات مع كندا بنسبة 6.2 في المائة والبرازيل بنسبة 1.9 في المائة. أما المبادلات مع إفريقيا، فسجلت ارتفاعا بنسبة 6.1 في المائة، مدعومة بالأساس بنمو التجارة مع جنوب إفريقيا بنسبة 73.2 في المائة، وتونس بنسبة 32.5 في المائة، ومصر بنسبة 9.4 في المائة. وتواصل مصر تصدر قائمة الشركاء التجاريين الأفارقة للمغرب للسنة السابعة على التوالي، بحسب التقرير.
وقد تراجعت المبادلات مع أوقيانوسيا بنسبة 16 في المائة، رغم أن حصتها لا تتجاوز 0.4 في المائة من إجمالي المبادلات التجارية للمملكة. وأرجع مكتب الصرف هذا الانخفاض أساسا إلى تراجع المبادلات مع أستراليا بمقدار 1.6 مليار درهم، وهو ما خفف من حدته ارتفاع المبادلات مع نيوزيلندا بمقدار 0.7 مليار درهم.
وتبرز هذه المعطيات استمرار هيمنة أوروبا على التجارة الخارجية المغربية، مقابل تنامي الحضور الآسيوي وتفاوت تطور المبادلات مع باقي المناطق. لكنها تبرز أيضا أن تنويع الشركاء لا يكفي وحده لتقليص العجز التجاري، ما لم يقترن بتوسيع القدرة التصديرية، وتحسين موقع المنتجات المغربية في الأسواق الخارجية.





