
يسرا طارق
لا يعيش الإنسان وحده في هذا العالم، هناك كائنات يصعب عدها تشاركه الهواء والطعام والماء. منذ أن انفصل عن الطبيعة وصار فوق هرم التطور، بدأ يهيمن على خيرات العالم ويحتكرها لنفسه. طور الأسلحة وابتكر أساليب استغلال لكل ما يحيط به. تفوق الإنسان بتطور قدراته العقلية وبابتكاره لأشكال تواصل توجها بتطوير اللغة التي لم تعد فقط قادرة على جعله يفهم الآخر، بل إنها مكنته من بناء ذاكرته الفردية والجماعية، وقاده تطور اللغة إلى ابتكار الكتابة كأرقى شكل حضاري تمكن الإنسان، من خلاله، من بناء الدولة.
اعتقد الإنسان بأن الكتابة شأن خاص به لا يشاركه فيها أي من الكائنات التي تقتسم معه العالم، هذا ما تحاول الفيلسوفة وعالمة النفس فانسيان ديسبري، صاحبة الكتاب الشهير: «العيش كالعصافير»، أن تدحضه في محاضرة لها، منشورة ضمن سلسلة المحاضرات الصغيرة المخصصة للأطفال والفتيان (منشورات بيارد)، هي التي اشتغلت لسنوات على موضوع معرفة الإنسان بالحيوان.
تبدأ الفيلسوفة بالتأكيد على أن الجواب بنعم على سؤال: «ماذا لو كانت الحيوانات تكتب؟» لا يعني فقط أن للحيوانات أشياء لتقولها، بل عليه أن يدفعنا لكي نكون أكثر تواضعا في هذا العالم؛ فبما أنها تكتب، فعلينا أن نقر بأننا عاجزون عن قراءة ما تكتبه. تسجل فانسيان، أيضاً، أن الإنسان، بقدر ما يكبر في العمر تبدأ فكرة غباء الحيوانات تتملكه، بينما حين يكون طفلاً يتفاعل بإيجابية مع الحيوان، يكلمه ويصغي له وينجح في بناء نوع من التواصل الناجح معه.
حين يكبر الإنسان تستولي عليه ما تسميها الفيلسوفة كارثة الفرادة، وتكتمل هذه الكارثة حين يعتقد الواحد بأن الإنسان فريد، وأن له قدرات يملكها وحده في هذا العالم. ولتفنيد هذه الكارثة، تعطي أمثلة دالة؛ قيل، مثلاً، إن الإنسان وحده هو من يضحك، غير أن التجارب العلمية، مثل تلك التي قادها فرانس وول على القردة -حيث وبعد طول معاشرة لها، قرر أن يتنكر في شكل نمر ويهاجمها، فخافت في البداية لكنه حين كشف نفسه لها ضحكت-، كما أن علماء آخرين تمكنوا من إثبات أن الفئران تضحك حين تكون سعيدة وتلعب.
تقول الفيلسوفة: «إذا كانت الكتابة هي ترك أثر يحيل إلى أمر ما (وله معنى بالنسبة للآخرين)، فإن الكتابة ليست شأناً خاصاً بأبناء آدم، على العكس من هذا!». أخذ الفيلسوف ميشال سيريس هذا السؤال على محمل الجد: «فكل الكائنات الحية تقرأ وتكتب»، ثم تعطي المثال بكلبتها «أَلبا» حين تخرجها للنزهة، فلا تنفك تشم وتشم كل ما تجده من حولها، وأحياناً تتبول في أماكن تعني لها شيئاً، فقد تلقت في ذلك المكان رسالة وردت عليها. وبقدر ما يكون المكان الذي تتجول فيه مع كلبتها آهلا بالكلاب التي تتنزه، فإن أَلبا تتوقف كثيراً لتتلقى الرسائل ولترد عليها.
لعل أكبر دليل على أن الحيوانات تكتب، هو كون معظمها يحدد مجالا ترابيا له ويخوض ضد الآخرين بالعنف وبالرسائل المكتوبة حربا من أجل إخبار الآخرين بحدود المجال وتحذيرهم من مغبة انتهاكه؛ تفعل هذا الأسود والأفاعي والطيور..، كلها تكتب بالرائحة وبالبول وبترك آثار المخالب في جذوع الأشجار رسائل وتتلقاها.
كل حيوان يكتب بطريقته الخاصة، هذا ما تؤكده الفيلسوفة في ختام محاضرتها؛ تفعل الطيور ذلك بالطيران والشدو، وتفعل ذلك الكلاب بالنباح والبول، ويفعل ذلك النحل بالرقص، كما يفعل الإنسان ذلك بالحروف:
«وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم» (قرآن كريم).





