
ثمة اعتقاد راسخ في مجتمعنا بأن الذكاء، مثل بعض المناصب العليا، امتياز ذكوري لا يليق به أحمر الشفاه. وأن المرأة، كلما ازدادت أناقة وجمالاً، تراجعت حظوظها في امتلاك عقل قادر على استيعاب تعقيدات العالم. لا أحد يعرف بالضبط من وضع هذه المعادلة، لكنها تحظى بإجماع اجتماعي عجيب، حتى بين أولئك الذين يختلفون حول كل شيء، من تشكيل الحكومات إلى تشكيلة المنتخب الوطني.
فالمرأة الجميلة مطالبة دائماً بتقديم أدلة إضافية على كفاءتها. شهاداتها الجامعية لا تكفي، وتجربتها المهنية لا تشفع وثقافتها السياسية تظل موضع اشتباه إلى أن يثبت العكس. أما الرجل فيكفي، أحياناً، أن يرتدي بذلة داكنة، ويعقد حاجبيه ويستعمل عبارة «في اعتقادي المتواضع»، حتى يُمنح تلقائياً صفة المحلل الاستراتيجي، ولو كان اعتقاده متواضعاً بالفعل.
أعرف هذه الظاهرة جيداً، لا من كتب علم الاجتماع، بل من تجربة مهنية يومية أمام كاميرات التلفزيون.
حين أستقبل بعض ضيوفي الرجال في برنامج سياسي، ألتقط أحياناً تلك النظرة المترددة التي تسبق المصافحة. نظرة تفحص الرموش والأظافر الملونة وتسريحة الشعر، قبل أن تنتقل، على مضض، إلى الأوراق الموضوعة أمامي. أكاد أسمع السؤال الذي يدور في رؤوس أصحابها: كيف لهذه السيدة أن تناقشنا في السياسات العمومية، والهندسة الحكومية والتحالفات الانتخابية، وهي تبدو منشغلة إلى هذا الحد بتفاصيل مظهرها؟
لا ألومهم كثيراً. فقد تربينا جميعاً، بدرجات متفاوتة، على تصور غريب للجدية، يجعلها أقرب إلى العبوس وإهمال المظهر منها إلى المعرفة والتمكن. وكأن فهم الفصل السابع والأربعين من الدستور يتطلب التخلي عن طلاء الأظافر، أو أن استيعاب القاسم الانتخابي يصبح مستحيلاً بمجرد تركيب رموش اصطناعية.
لكن أجمل ما في هذه المواقف هو التحول التدريجي الذي يحدث خلال الحلقة. تبدأ النظرات متشككة، ثم تصبح منتبهة، قبل أن تنتهي، في حالات كثيرة، باحترام لم يكن حاضراً بالقدر نفسه عند البداية. يكتشف الضيف أن الأسئلة ليست مجرد عناوين محفوظة، وأن وراءها قراءة للخريطة السياسية، ومعرفة بموازين القوى وقدرة على التقاط التناقضات ومساءلة الخطاب.
وأعترف بأنني أستمتع أحياناً بهذه الرحلة القصيرة من الاستخفاف إلى الاعتراف. ليس لأنني أحتاج شهادة كفاءة من ضيف، بل لأن مشاهدة الأحكام المسبقة وهي تتهاوى في أقل من ساعة تمنحني شعوراً خاصاً بالرضا المهني.
تذكرت كل ذلك وأنا أتابع بعض ردود الفعل على تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية. فالحدث، بما يحمله من رمزية تاريخية، أعاد إلى السطح أسئلة قديمة حول أهلية النساء لقيادة المؤسسات، وكأننا أمام جنس بشري يطرق أبواب السياسة للمرة الأولى.
والحال أن المنصوري ليست وافدة طارئة على الحياة العامة. خلفها تكوين قانوني، وتجربة في المحاماة، ومسار حزبي، وتدبير جماعي ومسؤولية وزارية. وهي تجربة يجوز نقدها ومساءلتها، بل ينبغي ذلك، لكن اختزال صاحبتها في كونها امرأة أنيقة يكشف عن فقر في أدوات التقييم أكثر مما يكشف عن ضعف في مؤهلاتها.
ولا يعني هذا أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمنحها حصانة نقدية، أو يجعل نجاحها مضموناً بحكم جنسها. فالمنصوري ستُحاسب على اختياراتها وتحالفاتها ونتائج سياساتها، تماماً كما يُفترض أن يُحاسب أي رجل يتولى المنصب نفسه. المساواة الحقيقية لا تعني التساهل مع النساء، بل الامتناع عن مطالبتهن باجتياز امتحانات لا يخضع لها الرجال.
المفارقة أن المجتمع، الذي يشكك في كفاءة امرأة بسبب مظهرها، قد يغفر لرجل سنوات من الإخفاق السياسي لمجرد أنه يتحدث بصوت جهوري ويجيد توزيع الوعود. ولعلنا نحتاج إلى مراجعة تعريفنا للكفاءة قبل أن نطالب النساء بإثباتها مجدداً.
فالعقل لا يسكن ربطة العنق، والمعرفة لا تنمو بالضرورة تحت الشارب، والقدرة على القيادة ليست صفة وراثية تنتقل عبر الكروموسومات الذكورية.
أما أنا فسأواصل استقبال ضيوفي بالرموش نفسها، والأظافر الملونة نفسها، والأسئلة التي لا تتغير حدتها بحسب لون طلاء الأظافر. وسأترك لمن يعتقد أن الأناقة نقيض المعرفة متعة اكتشاف خطئه أمام الكاميرا.
وفي انتظار أن يتعلم مجتمعنا الفصل بين المظهر والكفاءة، ربما يجدر بنا أن نطرح سؤالاً مختلفاً: لماذا تُطالب المرأة الجميلة بإثبات ذكائها، بينما لا يُطالب الرجل الأنيق بإثبات أنه ليس مجرد بذلة؟
إنها ليست معركة نساء ضد رجال، بل معركة العقل ضد الكسل الفكري. فالانطباعات السريعة مريحة، والأحكام الجاهزة توفر علينا مشقة التفكير، لكنها لا تصنع مجتمعاً عادلاً ولا نخبة سياسية جديرة بالثقة.
ولعل أول إصلاح نحتاجه ليس في قوانين الانتخابات، وإنما في تلك المحكمة الصغيرة التي يحملها كل منا داخل رأسه، ويصدر منها أحكاماً نهائية قبل الاستماع إلى المرافعة.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل بعض النساء مضطرات إلى فعل أمرين معاً: إتقان عملهن وإقناع الآخرين بأنهن يتقنّه. أما الرجال فسيظل بعضهم يتمتع بامتياز نادر: أن يُفترض ذكاؤه إلى أن يثبت العكس، وربما حتى بعد ثبوت العكس أيضاً.





