
انتهى اجتماع الطائف وتبين أن المثل القائل: “عصفور في اليد خير من عشرة فوق أغصان الشجرة“، لا يغري ممثلي البوليساريو الذين عاشوا أياما من التفاوض في المملكة العربية السعودية.
كان لسان حال مفاوضي الانفصاليين يقول: لماذا نكتفي بعصفور واحد؟
لماذا لا ننال العصافير العشرة، أو على الأقل ننال منها ما استطعنا الوصول إليه؟
كنا نعلم علم اليقين، أن ممثلي البوليساريو في مفاوضات الطائف، لا يمثلون إلا أقلية انفصالية، أقلية صغيرة تم تضليلها والتغرير بها، قبل أن يتم خلطها بجنسيات أخرى من الدول المجاورة، خاصة دول جنوب الصحراء ومن موريتانيا، هذه الخلطة التي تم تجميعها في خيام بتندوف ونالوا صفة لاجئين صحراويين، علما أن فئة واسعة منهم لا يربطها بالصحراء إلا اللثام.
ألا ينبغي للجزائر، من جانبها، أن تتخلى عن عدائها المتأصل للمغرب وعن فوبيا المغرب، وتوقف عبث إنشاء كيان وهمي في الصحراء المغربية؟
ألا ينبغي لها أن تتخلص، نهائيا، من وهمها في المطالبة بجزء آخر من أراضي المغرب، وتزيل عبئا أثقل كاهلها، وهي أول من يعلم أن الصحراء مغربية، قانونيا وجغرافيا وتاريخيا، وبولاء قبائلها لعرش الملوك العلويين؟
إن تغيير موقف حكام الجزائر لن يكون إلا نصرا للبلدين ولشعبيهما. سيمنع ذلك أيضا المواطنين الجزائريين من الاستمرار في مشاهدة تبديد ثرواتهم على كذبة صارخة وتزييف للتاريخ اسمها “البوليساريو” دون أن يتمكنوا من فعل شيء.
يجب أن يعلم الجزائريون ويقتنعوا بأن هذه الأفعى السامة، المسماة جبهة البوليساريو، والتي يدعمونها بمليارات الدولارات النفطية والغازية، ستلدغ يوما متبنيها ومضيفيها وداعميها..
إن مخيمات تندوف ليست، فضاء للاجئين، كما تروج الجزائر، بل تحولت إلى بؤرة للإرهاب، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات الدولية الموجهة للنظام الجزائري بشأن تورطه في رعاية الإرهاب بمنطقة شمال إفريقيا والساحل، حيث تزايدت الدعوات، بما في ذلك من داخل الكونغرس الأمريكي، لتصنيف جبهة “البوليساريو” كمنظمة إرهابية، وسط إشارات متكررة إلى دور الجزائر في تأجيج بؤر التوتر وتمويل الحركات المسلحة. بل إن النظام الإيراني سعى جاهدا إلى تحويل البوليساريو إلى بؤرة لتصفية الحسابات مع المملكة المغربية، وهي مؤشرات تصنف الانفصاليين كمنظمة إرهابية، ما أثار جدلا داخل الأوساط السياسية حول أنشطة الجبهة وعلاقاتها الإقليمية..
إن معسكرات تندوف، في الواقع، قنبلة موقوتة ومرتعا للإرهاب، بسبب ارتباطها بفروع مختلفة من الشبكة الجهادية في منطقة الساحل وغيرها. كما أصبحت هذه المعسكرات مركزا محوريا ومعبرا ومنطلقا لعمليات شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات واختلاس المساعدات الدولية، التي تمارس علنا وعلى نطاق واسع. والأخطر من ذلك، أن هذه المعسكرات نفسها يتسلل إليها ناشطون إيرانيون، من أجل تسريب الفكر الشيعي في تواطؤ مفضوح مع قادة جبهة البوليساريو وأجهزة المخابرات الجزائرية. لذلك، يقع على عاتق القادة الجزائريين واجب إدراك المخاطر الحقيقية والمحتملة التي تمثلها هذه المعسكرات التي أصبحت بؤرة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
إن الحل يكمن في العودة إلى سياسة واقعية، تتجاوز الانقسامات والصراعات الراهنة، وتصب في مصلحة البلدين، مع العلم أن المغرب يبذل قصارى جهده في هذا الاتجاه، كما يتضح جليا من تصريحات شخصية جزائرية بارزة، عمار سعداني، الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني والرئيس السابق للجمعية الوطنية.
في بيان نشر يوم الخميس 17 أكتوبر 2019 في صحيفة “كل شيء عن الجزائر” الإلكترونية، أقر سعداني بشكل قاطع بأن الصحراء مغربية لا جدال في الأمر. وذكر حرفيا أنه من المؤسف أن “مبالغ ضخمة قد دفعت، على مدى خمسين عاما تقريبا، لما يسمى بجبهة البوليساريو، وهي مبالغ يسمح بها قادة هذه المنظمة لأنفسهم بالذهاب والتجول في فنادق فاخرة، بدلا من أن تذهب هذه الأموال إلى المناطق التي تحتاجها في الجزائر.
“هؤلاء الناس، ينفقون على الانفصاليين أموالهم ويمكنونهم من الإقامة في فنادق فاخرة، بدلا من إنفاقها في المناطق الجزائرية التي هي بأمس الحاجة إليها“.
وشن عمار سعداني في حوار آخر، هجوما ناريا على جهاز المخابرات ورئيسه الجنرال محمد مدين المدعو توفيق واتهمه بالتقصير في حماية أمن الجزائر أيام الإرهاب وفي حادثة تيغنتورين ورهبان تيبحيرن، وبالتدخل في شؤون الأحزاب والإعلام ودعاه للرحيل وترك السياسة وعدم التدخل في الشأن السياسي وعمل الأحزاب“.
ما دعا سعداني إلى إعادة فتح الحدود بين الجزائر والمغرب، وإلى إحياء اتحاد المغرب العربي.
ولا شك أن الآراء التي عبر عنها هذا السياسي البارز بصراحة وصدق، تعكس مشاعر غالبية الجزائريين. فهي تجسد رأي شعوب الجوار، الواعية بالأخطاء والظلم الذي تتسم به سياسات قادتها تجاه المغرب، البلد الذي لم يتوان قط عن واجبه في التضامن مع الجزائر ودعمها في أحلك لحظات تاريخها، رغم ضم أجزاء كبيرة من أراض مغربية أصيلة وتاريخية إلى الأراضي الجزائرية. انظر، في هذا الصدد، إلى شهادات الكاتب الروائي الجزائري بوعلام صنصال.





