حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

مذكرات حفيظ بنهاشم …من حارس أمن إلى عميد شرطة

بعد فترة تكوين قصيرة المدى في مدرسة الشرطة بحي عين السبع بالدار البيضاء، بدأت مشواري المهني، نهاية سنة 1957، كحارس أمن متمرن مع تعيين حملني إلى العاصمة الرباط.

داهمتني فكرة تغيير مساري المهني بسبب هذا التعيين، بعد أن تلقيت خبر تعييني في عاصمة المملكة، هذه المدينة التي زرتها مرتين، فقط، خلال طفولتي وشبابي، بدت لي ممتدة الأطراف ربما أكبر من أحلامي.

زرت العاصمة الإدارية للمملكة، لأول مرة، ربيع سنة 1954، كنت تلميذا جيء بي إلى هذه المدينة للمشاركة في ملتقى لألعاب القوى المدرسية. شاركت في هذه التظاهرة عداء وأنا أمثل مدرستي في بوفكران، إلى جانب زملاء آخرين.

أذكر أنني أنهيت السباق باحتلال المركز الثالث في فئة الصغار، حيث قطعت مسافة ثلاثة آلاف كيلومتر في توقيت مشجع، في مدار لألعاب القوى بين ملعب أحمد شهود وكلية العلوم القانونية بأكدال.

حصولي على المرتبة الثالثة، على المستوى الوطني، أهلني للانضمام إلى المنتخب المغربي المدرسي، حيث تلقيت دعوة المشاركة في بطولة شمال إفريقيا التي كانت مقررة في الجزائر، بعد شهرين أو ثلاثة أشهر عن الملتقى الوطني. لكن لم يكتب لهذا الحدث أن يقام في الجزائر ولم يكتب لي أن أمثل بلدي في تظاهرة رياضية خارج المغرب، بسبب اندلاع الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي في نونبر من السنة نفسها 1954.

أما زيارتي الثانية إلى الرباط فتعود لنهاية سنة 1955، حين عودة الملك محمد بن يوسف، بطل التحرير، وعائلته من منفاه في مدغشقر. الزيارة، التي دامت يوما وليلة، مكنتني من فرصة زيارة المشور السعيد ومشاهدة القصر الملكي لأول مرة في حياتي.

في بداية الأمر استعصى علي الاندماج في عاصمة المملكة، وأنا شاب يافع قادم من البادية، شعرت بالاغتراب وأنا في أول أيام مهمتي كحارس أمن، كنت أمني النفس بتعيين في مدينة لا تبعد كثيرا عن مسقط رأسي، تمنيت لو بدأت مشواري المهني من أزرو أو إفران أو خنيفرة، لكن القدر ساقني إلى عاصمة المملكة..

غير أن التطمينات، التي تلقيتها من مسؤول بالإدارة العامة للأمن الوطني، بإمكانية انتقالي للعمل في مدن أقرب إلى بوفكران، شجعتني على الاستمرار في مهمتي والتسلح بالمزيد من الصبر، قال لي إن بإمكاني تقديم طلب للانتقال إلى مدينة من اختياري، بعد ثلاثة أشهر أو أربعة على أبعد تقدير.

لكن الثلاثة أشهر تحولت إلى إقامة أبدية في الرباط، لم أغادر الرباط منذ أول تعيين في جهاز الشرطة إلى اليوم، بل إنني أشعر بكوني رباطي الانتماء أكثر من باقي الرباطيين. قد أكون من بين رجال الأمن القلائل الذين لم يغادروا الرباط ولم يتلقوا أي قرار تعيين خارج محيط هذه المدينة، منذ أزيد من نصف قرن، وكأن أوتاد العاصمة شدتني إلى تربتها بعناية، باستثناء بعض المهام التي حتمت علي التنقل إلى الخارج.

حين أسرد بداياتي في سلك الوظيفة العمومية، وضمن الأمن الوطني، فإنني أسعى من وراء ذلك إلى تجديد افتخاري واعتزازي بالانتماء لهذا الجهاز الأمني، وإلى الرد على كل من سولت له نفسه تحقير هذه البدايات والنيل من سلك الشرطة الذي يعتبر الانتماء إليه شرفا لا يقاس بثمن، والذي سجلت فيه أولى خطواتي المهنية كخادم للدولة وللعرش وللمواطنين.

لا داعي للتذكير بالدور الكبير الذي يقوم به حراس الأمن داخل المنظومة الأمنية، فهذه المصلحة هي المدرسة والقلب النابض لمؤسسة الأمن الوطني. لا داعي أيضا لاستحضار المهام الكبرى لحراس الأمن الوطني، والتي تتعدى حفظ الأمن والنظام العام والسهر على سلامة المواطنين، إلى خلق مناخ الاطمئنان بين الناس وجعل وطننا بلد أمن وأمان.

بفضل انطلاقتي المهنية من درجة حارس أمن، تمكنت من تسلق الدرجات والتسلح مع كل درجة بالتجربة التي تزيدني إصرارا على خدمة وطني ونيل صفة خادم الدولة عن جدارة واستحقاق.

وعلى امتداد مسيرتي في جهاز الأمن الوطني، كانت تسكنني العزيمة ويأخذني الطموح للتدرج في سلم الارتقاء، فقد اجتزت خمس مباريات داخلية متتالية، مكنتني من بلوغ درجة عميد شرطة، وهي آخر رتبة يمكن أن يصل إليها المرء عبر المباريات الداخلية أو الخارجية.

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى