
بعد الظفر بكأس العرش سنة 1975، انطلقت الاحتفالات بالمدرجات وتم رفع الأعلام معلنة عن فرح الجماهير الشبابية والمحمدية. تأكد ذلك بعد إعلان الحكم حجان عن نهاية المقابلة وتتويج فريق الشباب فائزا بكأس العرش لأول مرة في تاريخه.
أتذكر، اليوم، تلك الأجواء الرائعة التي خيمت علينا مباشرة بعد نهاية اللقاء، حيث سارعت جميع عناصر الفريق إلى التعبير عن فرحتها المستحقة بالعناق والأحضان، خصوصا بعد ولوج المسيرين والمحبين، والمدرب عبد القادر الخميري ورئيس الفريق محمد أيت منا، حيث ظل الجميع منتشين فوق عشب الملعب في سعادة كبيرة.
كنت بدوري أعيش تلك اللحظات الجميلة بالرغم من معاناتي مع الألم الذي كانت تسببه لي تلك الإصابة التي كنت أحملها على مستوى فخذي الذي ظل مخدرا طيلة أطوار المقابلة إلى حين النهاية حيث غاب مفعول البنج لتنبعث كل الآلام من جديد. ورغم ذلك نجحت في تجاوز كل الألم وكل المعاناة، وأنا في طريقي إلى المنصة الشرفية لتسلم الكأس من يد ملك البلاد المرحوم الحسن الثاني.
كانت لحظات رائعة ستظل خالدة في ذاكرتي، تلك التي عشتها وأنا أتشرف بالوقوف أمام جلالته، الذي بادر إلى تهنئتي وتهنئة جميع مكونات فريق الشباب، قبل أن يسلمني تلك الكأس الغالية التي حملتها وأنا أكاد أحلق بها فرحا وسعادة. صحيح أنه سبق لنا بفريق الشباب أن حققنا العديد من الإنجازات من قبيل الفوز بكأس المغرب العربي، لكن كأس العرش سيظل الفوز بها دوما يحمل نكهة خاصة وطعما رائعا.
برجوعنا إلى المحمدية صادفنا جماهير بأعداد غفيرة جدا ترابط عند مدخل المدينة، وعلى طول شوارعها، وهي توجه تحياتها وتهانيها إلى أفراد الفريق البطل. كان الفريق على موعد مع حفل عشاء أقامه محمد أيت منا على شرف جميع المكونات والعناصر بفندق «سامير». كانت أجواء رائعة عاش خلالها لاعبو الفريق لحظات من المؤكد أنها ستظل راسخة بقوة في الذاكرة.
سنخوض نهائيا آخر لكأس العرش سنة 1979، في الملعب الشرفي بالدار البيضاء أيضا، إلا أنه قبل هذا الموعد كان الغموض يلف هذا النهائي، لأن الملعب الشرفي كان يخضع للإصلاح.
في شهر غشت من سنة 1979 كان شباب المحمدية يستعد لخوض المباراة النهائية لكأس العرش أمام الوداد الرياضي، وسط قلق مدربي الوداد البطاش والخلفي ومدرب شباب المحمدية عبد القادر الخميري بعد أن علموا بأن الملعب الشرفي لن يكون جاهزا لاستقبال المباراة النهائية، وبالتالي فإن المباراة ستدور في الملعب الشرفي لسطات، وهو الطرح الذي تم بدعم من إدريس البصري، كاتب الدولة في الداخلية آنذاك، حيث ألح على تمكين السطاتيين من معاينة نهائي تاريخي، رغم الأرضية السيئة لملعب سطات.
انتقل شباب المحمدية إلى مدينة إيفران لإجراء تداريب مغلقة استعدادا للحدث الرياضي الكبير، وأقامت البعثة في مركز اصطياف تابع لشركة التبغ. لم يكن المدرب عبد القادر الخميري مرتاحا لخوض المباراة في مدينة سطات، وصادف وجود الشباب في إيفران تواجد الملك الحسن الثاني الذي كان يقضي بها جزءا كبيرا من عطله الصيفية والشتوية، بل إن مقر إقامة الفريق لم يكن يبعد إلا بأمتار عن القصر، وهو ما ساهم في لقاء بالصدفة بين المدرب الخميري ورئيس طباخي الملك الراحل. الصداقة القديمة بين الرجلين جعلت عبد القادر يكشف له عن القلق الذي يسيطر عليه جراء برمجة نهائي كأس العرش، حينها أكد الطباخ أنه سيبلغ الملك هواجس الخميري بحكم معرفة الملك الراحل بالمدرب الذي كانت تربطه علاقة صداقة قوية مع الأمير مولاي عبد الله وتردد طويلا في إقحامه في هذا الموضوع. وبفضل تدخل الطباخ توصل مقر إقامة الفريق بمكالمة هاتفية من الملك شخصيا للمدرب الخميري تدعوه إلى المثول بين يديه.
وفي جلسة غمرها الانسجام وسيطر فيها الحس الفكاهي للخميري، سأل الملك المدرب عن أسباب رفضه الانتقال إلى سطات، فرد عليه مازحا: «ناس فضالة وناس الشاوية ميتلقاوش»، وقيل إن المدرب سخر من ملعب سطات وقال إنه يستخدم في باقي أيام الأسبوع «محرك» للخيول، ما أغضب الوزير. وقبل أن تنتهي الجلسة نقل الملك موافقته على إجراء المباراة في الدار البيضاء، وعلى الفور أعطى الحسن الثاني تعليماته إلى وزير الرياضة من أجل تسريع وتيرة الأشغال، ملغيا مقترح الجامعة بنقل النهائي إلى ملعب سطات. بل إن الملك قرر أن تكون مواجهة المحمدية والوداد مباراة لتدشين الملعب والتخلص من اسمه القديم «سطاد دونور» ليحمل اسم محمد الخامس، الذي ترأس أول نهائي لكأس العرش بعد الحصول على الاستقلال في الملعب نفسه. في الليلة ذاتها أشعر محمد النصيري لاعبي الشباب بنهاية المعسكر وتأجيل النهائي، في وقت كان لاعبو الوداد يتدربون في هضاب الشاوية.
حين اصطف لاعبو الفريقين للسلام على الملك الحسن الثاني قبل المباراة، أمام أزيد من 60 ألف متفرج، توقف الملك أمام المدرب لخميري وقال له: «بقيتي على خاطرك». ومن المفارقات الغريبة في المباراة النهائية لسنة 1979 أنها تزامنت مع معركة ضارية في الصحراء المغربية ضد البوليساريو، حيث لوحظ أن ذهن الملك كان مشغولا بما يقع في الصحراء أكثر مما يحصل في المباراة، التي انتهت بفوز الوداد بهدفين مقابل هدف واحد، حيث لاحظ أفراد الفريقين أن الملك الراحل كان يتحدث مع مسؤولين عسكريين، بل إنه ربط الاتصال بالقيادة العسكرية من هاتف بالملعب في ما بين الشوطين وبدا مستعجلا في نهاية المباراة، رغم أنه خص اللاعب أحمد فرس بدقائق من وقته عقب انتهاء المواجهة التي حدد لها تاريخ 7 أكتوبر 1979 بملعب محمد الخامس، في مباراة عرفت فوز الوداد الرياضي على شباب المحمدية بهدفين لهدف برسم نهائي كأس العرش، كنت مسجلا للهدف الوحيد للشباب بضربة رأسية، في حين سجل للوداد كل من الأشهب وعبد الحق، ليتوج الوداد الرياضي بالكأس الفضية الثالثة في تاريخه والثانية على التوالي.




