ملفات وقضايا حارقة أمام الحكومة والبرلمان
توجيهات ملكية لتسريع الإصلاحات الكبرى وتعزيز مكانة المغرب

وضع الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، يوم الجمعة الماضي، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، المؤسسة البرلمانية والحكومة المنبثقة عن الانتخابات الأخيرة أمام مسؤولية سياسية وتاريخية تتجاوز تدبير الزمن التشريعي إلى الإسهام في إحداث منعطف حقيقي في المسار التنموي للمملكة. وحمل الخطاب الملكي رسائل واضحة بشأن ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتسريع الإصلاحات الكبرى، وتعزيز مكانة المغرب كقوة اقتصادية صاعدة، في ظرفية وصفها الملك بالاستثنائية، بما تتيحه من فرص ينبغي استثمارها وعدم التفريط فيها.
في هذا الملف، تضع «الأخبار» أبرز القضايا المطروحة على أجندة البرلمان الجديد تحت مجهر التحليل والمساءلة، انطلاقاً من التوجيهات الملكية وانتظارات المواطنين، للوقوف على الإصلاحات التي لا تحتمل مزيداً من التأجيل، والتحديات التي تستوجب حلولاً عملية، والاختبارات التي ستحدد ما إذا كانت الولاية التشريعية الثانية عشرة ستشكل بالفعل محطة جديدة في مسار التنمية والعدالة الاجتماعية والمجالية، أم ستظل رهينة بطء التشريع وضعف الرقابة وتغليب الحسابات السياسية على المصلحة العامة.
إعداد: محمد اليوبي ــ النعمان اليعلاوي
توجيهات ملكية بوضع حد لعراقيل تعيق عمل مؤسسات الجهة
أكد الملك محمد السادس، في الخطاب السامي الذي وجهه إلى أعضاء البرلمان، يوم الجمعة الماضي، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، أنه ينبغي وضع حد للعراقيل، التي لا تزال تعيق عمل مؤسسات الجهة، سيما من خلال تحديد أكثر وضوحا للاختصاصات والرفع من مواردها البشرية والمادية. وخلص الملك إلى أنه أصبح من الضروري تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد لتمكين الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
محدودية اعتماد آلية التعاقد
سبق لتقارير للمجلس الأعلى للحسابات أن سجل محدودية اعتماد آلية التعاقد بين الدولة والجهات لتنفيذ المشاريع ذات الأولوية المدرجة ضمن الجيل الأول من برامج التنمية الجهوية، لافتة إلى أنه، خلال الفترة 2020-2022، استكملت أربع جهات، فقط، مسطرة التوقيع على عقود البرامج بين الدولة والجهة، شملت 197 مشروعا تنمويا بكلفة إجمالية قدرها 23,56 مليار درهم، «غير أن معدل المشاريع مكتملة الإنجاز ضمن عقود البرامج الأربعة لم يتجاوز 9 بالمائة، في حين بلغت نسبة المشاريع في طور الإنجاز 80 بالمائة وذلك إلى غاية متم أبريل 2024».
وشددت تقارير المجلس على أن نجاح التعاقد بين الدولة والجهات وباقي المتدخلين يبقى رهينا باعتماد إطار تنظيمي يحدد بشكل واضح التزامات مختلف الأطراف خلال مراحل إعداده وتنفيذه، وكذا ترشيد وضبط آجال الإجراءات المتعلقة بمسطرة إبرام العقد، بهدف تدارك النقائص المسجلة على مستوى تنفيذ الجيل الأول من برامج التنمية الجهوية. وأضافت التقارير أن هذه الوضعية ستستدعي تحري الدقة في تحديد المشاريع ذات الأولوية المقرر إنجازها في إطار عقد بين الدولة والجهة وباقي المتدخلين، يتضمن الآليات الكفيلة بإنجاحها، سيما من خلال تحديد شكليات وشروط إبرام وتنفيذ هذا العقد. وتابعت تقارير المجلس أنه أضحى من الضروري، أيضا، مواكبة الجهات في إنجاز برامج التنمية الجهوية التي تم التأشير عليها لتدارك النقائص المسجلة في السابق، مع مراعاة قدراتها التدبيرية والموارد المالية الملتزم بتعبئتها.
وبخصوص برامج التنمية الجهوية للفترة 2022-2027، وإلى غاية منتصف شهر أكتوبر 2024، لم تصادق مجالس الجهات على عقود البرامج لتنفيذ المشاريع ذات الأولوية المدرجة ضمن البرامج التنموية. ويُعزى هذا الوضع إلى عدم تزامن التخطيط لمرحلة إعداد هذه العقود مع مسطرة إعداد برامج التنمية الجهوية 2027-2022، حيث لم تعمل الجهات على تصنيف المشاريع التي ستُنجز في إطار تعاقدي خلال مرحلة إعداد البرنامج التنموي، وذلك خلافًا لمقتضيات المادة 11 من المرسوم المتعلق بتحديد مسطرة إعداد برنامج التنمية الجهوية وتتبعه وتحيينه وتقييمه (رقم 2.22.475). فيما لم يساعد تأخر تعيين رؤساء التمثيليات الإدارية القطاعية والمشتركة على مستوى الجهات وتفويض الاختصاصات التقريرية إليهم، على تيسير مسطرة التشاور حول مضمون هذه العقود بين الجهات والقطاعات الوزارية المعنية.
تفعيل توصيات المجلس الأعلى للحسابات
تفعيلا لتوصيات المجلس الأعلى للحسابات، التي أصدرها في تقريره الموضوعاتي حول تفعيل الجهوية المتقدمة، عملت وزارة الداخلية على إعداد مشروع مرسوم يتعلق بتحديد شكليات وشروط إبرام وتنفيذ العقد بين الدولة والجهة وباقي المتدخلين، بهدف تعميم آلية التعاقد باعتبارها إحدى أبرز الوسائل لترجمة الالتقائية والتكامل بين مختلف البرامج والمشاريع المدرجة في برامج التنمية الجهوية. وسيتم، بموجبه، تحديد منهجية تحضير وصياغة وتنفيذ العقود وكيفيات التتبع والتقييم وآليات التنسيق بين الفاعلين، وذلك لضبط التزامات ومسؤوليات الأطراف المتعاقدة.
ولا يزال هذا المشروع قيد الدراسة لدى الأمانة العامة للحكومة في أفق عرضه على مجلس الحكومة للمصادقة، وفي انتظار صدوره، وجهت وزارة الداخلية الدورية رقم 731 بتاريخ 31 مايو 2024 إلى ولاة الجهات، لضبط منهجية إعداد عقود البرامج بين الدولة والجهات لتنزيل برامج التنمية الجهوية للفترة 2022-
2027.
نقل الاختصاصات من المركز إلى الجهات
يبقى نجاح التعاقد بين الدولة والجهات وباقي المتدخلين رهينا باعتماد إطار تنظيمي يحدد بشكل واضح التزامات مختلف الأطراف خلال مراحل إعداده وتنفيذه، وكذا ترشيد وضبط آجال الإجراءات المتعلقة بمسطرة إبرام العقد، بهدف تدارك النقائص المسجلة على مستوى تنفيذ الجيل الأول من برامج التنمية الجهوية.
ويتطلب نقل الاختصاصات من الدولة إلى الجهات تحديد الحد الأدنى من الاختصاصات التي يجب الشروع في نقلها، وخاصة تلك المرتبطة بمجالات وخدمات ذات الأهمية المباشرة للمواطنين. فضلا عن أن التوسيع التدريجي لاختصاصات الجهات يستلزم اعتماد التدرج والتمايز والممارسة الفعلية والإلمام بالاختصاصات الذاتية، بالإضافة إلى تقييم قدرتها على الاضطلاع بالاختصاصات التي ستُنقل إليها من قبل الدولة ومدى توفرها على الإمكانيات اللازمة لذلك، لتفادي إثقال كاهلها باختصاصات متعددة. غير أنه لم يتم بعد اعتماد الآليات المؤطرة لتطبيق مبدأ التمايز في نقل الاختصاصات، خاصة المعايير المعتمدة من قبل الدولة لتقييم مدى قدرة الجهة على الاضطلاع بالاختصاصات التي ستُنقل إليها.
البرلمان الجديد أمام اختبار التشريع والرقابة واستعادة ثقة المغاربة
لا تقتصر رهانات الولاية التشريعية الجديدة على انتخاب هياكل مجلس النواب وتوزيع المسؤوليات بين الفرق والمجموعات النيابية، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة التي ستجمع المؤسسة التشريعية بالحكومة المقبلة، وقدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، في سياق سياسي أعادت فيه انتخابات 23 شتنبر 2026 ترتيب موازين القوى داخل المشهد الحزبي المغربي.
وأفرزت الانتخابات خريطة برلمانية تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بحزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، وحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعدا. كما حصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية على19 مقعدا، والاتحاد الدستوري على17 مقعدا، فيما توزعت المقاعد المتبقية على أحزاب أخرى.
وتضع هذه النتائج مجلس النواب أمام مرحلة جديدة تتطلب بناء تحالفات قادرة على ضمان الانسجام بين الأغلبية الحكومية والعمل التشريعي، مع الحفاظ على تعددية سياسية تسمح بمناقشة السياسات العمومية ومساءلة الحكومة بشأن حصيلتها والتزاماتها.
وتتجاوز أهمية هذه المرحلة الحسابات العددية لتشمل سؤالا أساسيا يتعلق بموقع البرلمان في صناعة القرار العمومي، ومدى قدرته على الانتقال من المصادقة على النصوص القانونية إلى المساهمة الفعلية في تحسين التشريعات وتقييم أثرها على حياة المواطنين.
الأغلبية المقبلة.. امتحان الانسجام والالتزام
يبرز تشكيل الأغلبية البرلمانية والحكومية باعتباره أول اختبار سياسي للولاية الجديدة، بالنظر إلى أن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات لا يمنحه بمفرده أغلبية داخل مجلس النواب المكون من 395 عضوا. ويجعل هذا الوضع بناء التحالفات والتوافق حول البرنامج الحكومي منطلقا أساسيا لتحديد طبيعة المرحلة المقبلة وأولوياتها.
ولا يرتبط التحدي بمجرد جمع المقاعد اللازمة لتشكيل الأغلبية، بل بمدى قدرة الأحزاب المشاركة في الحكومة على تجاوز اختلافاتها الانتخابية والتنظيمية، والاتفاق على برنامج واضح يتضمن التزامات قابلة للتنفيذ والتقييم. فالتجارب الحكومية السابقة أظهرت أن التعدد الحزبي داخل الأغلبية قد يتحول إلى مصدر للتوتر، عندما تتباين مواقف مكوناتها بشأن الملفات الاجتماعية أو الاقتصادية أو تدبير القطاعات الوزارية.
ومن المرتقب أن يكون البرلمان فضاء لاختبار هذا الانسجام، من خلال مناقشة البرنامج الحكومي، والتصويت عليه، ثم تتبع مدى احترام الالتزامات التي ستتضمنها وثيقته. كما ستتجه الأنظار إلى كيفية توزيع المسؤوليات بين مكونات الأغلبية، ومدى انعكاس ذلك على التنسيق بين العمل الحكومي والعمل التشريعي.
التشريع.. من المصادقة على القوانين إلى تجويدها
يشكل تحسين جودة التشريعات أحد أبرز التحديات المطروحة أمام النواب الجدد، خصوصا في ظل تعدد النصوص التي تحتاج إلى مراجعة أو استكمال، وارتباط عدد من الإصلاحات الكبرى بإصدار قوانين تنظيمية وتطبيقية.
وتبرز هنا أهمية دور اللجان البرلمانية الدائمة، التي يفترض أن تتحول إلى فضاءات للنقاش التفصيلي والاستماع إلى الخبراء والمهنيين والهيئات المعنية، بدل اختزال عملها في المصادقة على مشاريع القوانين، بعد مناقشات محدودة.
وكانت حصيلة الولاية التشريعية السابقة قد كشفت عن تقديم النواب أكثر من14 ألف تعديل على مشاريع النصوص، لم تعتمد الحكومة منها سوى أكثر من 2700 تعديل، أي ما يعادل نحو 19.29 في المائة. وتعيد هذه الأرقام طرح سؤال التوازن بين المبادرة الحكومية والقدرة التشريعية للبرلمان، ومدى استثمار التعديلات النيابية في تحسين النصوص القانونية.
ولا يتعلق الأمر بضرورة قبول جميع التعديلات التي يتقدم بها النواب، وإنما بوجود نقاش مؤسساتي جدي بشأنها، وتوضيح أسباب رفض المقترحات أو اعتمادها، بما يعزز دور البرلمان في إنتاج تشريعات تستجيب للمشكلات الواقعية التي تواجه المواطنين والمقاولات والإدارات العمومية.
كما ينتظر أن تحظى النصوص المرتبطة بالاستثمار، وتبسيط المساطر الإدارية، وتطوير المنظومة التعليمية والصحية، والحماية الاجتماعية، بحيز مهم من النقاش التشريعي، مع الحرص على الانسجام بين القوانين الجديدة والإطار القانوني القائم.
الرقابة على الحكومة.. الرهان الأكثر حساسية
إذا كان التشريع يمثل أحد أعمدة العمل البرلماني، فإن مراقبة العمل الحكومي تشكل الاختبار اليومي لمدى استقلالية المؤسسة التشريعية وقدرتها على مساءلة المسؤولين التنفيذيين.
ويتيح الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب آليات متعددة للرقابة، تشمل الأسئلة الشفوية والكتابية، ومناقشة التصريحات الحكومية، واللجان النيابية لتقصي الحقائق وفق الضوابط القانونية، فضلا عن آليات تقييم السياسات العمومية وملتمس الرقابة.
ويتمثل التحدي في الانتقال من استعمال هذه الآليات لأغراض التواصل السياسي وتسجيل المواقف إلى توظيفها في تتبع الملفات التي تمس الحياة اليومية للمغاربة. فأسئلة النواب ينبغي أن ترتبط بمآل البرامج الحكومية، ومدى احترام الآجال المحددة لإنجاز المشاريع، وحجم الاعتمادات المرصودة، والنتائج المحققة على أرض الواقع.
كما تبرز أهمية تفعيل الرقابة على الصفقات العمومية وتدبير المرافق والخدمات، ومساءلة القطاعات الحكومية بشأن التأخر في تنفيذ المشاريع أو الاختلالات التي قد تؤثر على جودة الخدمات. ويتطلب ذلك توفير معطيات دقيقة للنواب، وتعزيز قدراتهم في تحليل الميزانيات والتقارير المالية والإدارية، حتى لا تبقى الرقابة رهينة التقديرات السياسية، أو التبادل الخطابي بين الأغلبية والمعارضة.
التعليم والصحة والتشغيل.. الملفات التي ستختبر البرلمان
ستكون الملفات الاجتماعية في صلب الرهانات المطروحة على المؤسسة التشريعية الجديدة، بالنظر إلى استمرار مطالب بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
في قطاع التعليم، ينتظر أن يتابع النواب أثر الإصلاحات المعتمدة على جودة التعلمات، وظروف اشتغال الأطر التربوية، والاكتظاظ، والهدر المدرسي، ومدى تقليص الفوارق بين المؤسسات التعليمية في المدن والمناطق القروية. كما ستظل مسألة تمويل الإصلاحات وتقييم نتائجها من القضايا التي تستدعي رقابة برلمانية منتظمة.
أما في قطاع الصحة، فستكون مواكبة ورش المجموعات الصحية الترابية وتقييم انعكاساته على تنظيم الخدمات وتوزيع الموارد البشرية والتجهيزات من الملفات المهمة. ويطرح هذا الورش أسئلة بشأن ضمان تكافؤ الولوج إلى العلاج، وتحسين ظروف استقبال المرضى، وتطوير المستشفيات العمومية، وتوفير الأدوية والتخصصات الطبية في المناطق التي تعاني نقصا في العرض الصحي.
وفي مجال التشغيل، ينتظر أن يركز النقاش البرلماني على مدى قدرة السياسات الحكومية على خلق فرص عمل مستقرة، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين إدماج الشباب في سوق الشغل. كما تبرز الحاجة إلى تقييم برامج التشغيل والتكوين المهني، وربطها بحاجيات الاقتصاد الوطني، عوض الاكتفاء بإعلان الأهداف دون قياس نتائجها.
وتتصل هذه الملفات جميعها بالقدرة الشرائية للأسر، ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضمان استدامة تمويل البرامج العمومية، وهي قضايا ستفرض على النواب مناقشة الخيارات المالية للحكومة، وتحديد الأولويات، والتدقيق في مدى التوازن بين الموارد المتاحة وحجم الالتزامات المعلنة.
توازنات الأغلبية والمعارضة.. البرلمان على إيقاع صعود «البام» وعودة «البييجيدي»
تدخل المؤسسة التشريعية مرحلة جديدة بعد انتخابات23 شتنبر 2026، في ظل تغير موازين القوى بين الأحزاب وصعود حزب الأصالة والمعاصرة إلى صدارة النتائج، مقابل تراجع التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، وعودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة التنافس البرلماني بعد استعادة جزء مهم من تمثيليته.
وتضع هذه الخريطة السياسية الأغلبية المقبلة أمام تحدي جمع مكونات متباينة داخل تحالف قادر على ضمان الاستقرار الحكومي، فيما تجد المعارضة نفسها أمام فرصة لإعادة بناء حضورها الرقابي والتشريعي.
وأفرزت النتائج النهائية تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً، ثم الاستقلال بـ65 مقعداً والعدالة والتنمية بـ54 مقعداً. وحصلت الحركة الشعبية على29 مقعداً والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية على19 مقعداً والاتحاد الدستوري على17 مقعداً، فيما توزعت المقاعد المتبقية على أحزاب أخرى.
هذه النتائج تكشف عن تحول في ترتيب القوى التي قادت الأغلبية السابقة، إذ انتقل حزب الأصالة والمعاصرة إلى الرتبة الأولى، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار من موقع الحزب المتصدر لانتخابات 2021 إلى الرتبة الثانية، وجاء الاستقلال ثالثاً بفارق مقعد واحد عن الأحرار.. لكن تصدر الانتخابات لا يعني امتلاك أغلبية مريحة، ما يجعل المفاوضات بين الأحزاب عاملاً حاسماً في رسم ملامح الحكومة الجديدة وطبيعة التوازنات داخل مجلس النواب.
أغلبية المنصوري.. حسابات المقاعد وحدود التوافق
تواجه فاطمة الزهراء المنصوري، التي كُلفت بتشكيل الحكومة، معادلة سياسية تتجاوز جمع المقاعد إلى بناء تحالف منسجم بشأن البرنامج الحكومي وتوزيع المسؤوليات. فالأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب، المكون من 395 عضواً، تتطلب198 مقعداً على الأقل، بينما لا يتوفر حزب الأصالة والمعاصرة منفرداً إلا على97 مقعداً.
ويبدو التحالف الثلاثي، الذي جمع في الحكومة السابقة الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، أحد الاحتمالات الحسابية المطروحة، إذ يصل مجموع مقاعد هذه الأحزاب إلى228 مقعداً. غير أن الحسابات السياسية لا تتطابق بالضرورة مع الحسابات العددية، بالنظر إلى التوترات التي طبعت العلاقة بين «البام» و«الأحرار» خلال الحملة الانتخابية، والانتقادات المتبادلة بشأن حصيلة التدبير الحكومي السابق.
وتجد قيادة الأصالة والمعاصرة نفسها أمام اختبار تدبير العلاقة مع حليف الأمس، خصوصاً أن الانتقال إلى موقع قيادة الحكومة يفرض إعادة ترتيب المسؤوليات داخل الأغلبية، وتحديد شكل المشاركة الحكومية لكل حزب، فضلاً عن الاتفاق على أولويات المرحلة المقبلة.
في المقابل يحتفظ حزب الاستقلال بموقع تفاوضي مهم، رغم تراجعه إلى الرتبة الثالثة. فامتلاكه65 مقعداً يجعله رقماً أساسياً في أي تحالف حكومي واسع، ومشاركته في الحكومة المقبلة من شأنها أن تمنحه فرصة للحفاظ على حضوره في تدبير القطاعات الحكومية، مقابل مطالبته بضمان وزن سياسي يتناسب مع تمثيليته البرلمانية.
وتبقى مشاركة «الأحرار» من أبرز نقاط الترقب، بالنظر إلى حصيلته الانتخابية وتوتر علاقته بـ«البام». وفي حال اتجهت المفاوضات إلى أغلبية من دون الأحرار، فإن مشاركة الاستقلال إلى جانب الحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يمكن أن توفر، حسابياً، 236 مقعداً مع «البام»، إذا اتفقت هذه الأحزاب على المشاركة.. إلا أن هذا السيناريو يظل مرتبطاً بالمفاوضات الفعلية ولا يمكن اعتباره صيغة نهائية محسومة.
الاستقلال والأحرار.. مفاوضات تتجاوز توزيع الحقائب
لا ينحصر التحدي أمام نزار بركة ومحمد شوكي في تحديد موقع حزبيهما داخل الحكومة المقبلة، بل يشمل، أيضاً، تدبير تداعيات النتائج الانتخابية داخل التنظيمين، وإعادة تقييم المشاركة في الأغلبية السابقة.
فبالنسبة إلى الاستقلال، تضعه الرتبة الثالثة أمام ضرورة التوفيق بين طموحه إلى الحفاظ على موقعه داخل الحكومة ورغبته في تأكيد استقلالية قراره السياسي. ويمنحه تقارب عدد مقاعده مع الأحرار قدرة تفاوضية مهمة، لكنه يفرض عليه، في الوقت نفسه، تحديد الأولويات التي يريد الدفاع عنها داخل البرنامج الحكومي.
أما التجمع الوطني للأحرار فيواجه مرحلة إعادة ترتيب داخلية بعد فقدانه صدارة المشهد الانتخابي، وهو ما يطرح سؤالاً حول اختياره بين مواصلة المشاركة في الحكومة أو الانتقال إلى المعارضة، بما قد يتيح له إعادة بناء خطابه السياسي ومراجعة حصيلته التنظيمية. وتظل إمكانية مشاركته في الأغلبية مرتبطة بمآل المشاورات وطبيعة التفاهمات مع قيادة «البام».
في هذا السياق لا تبدو المفاوضات مجرد عملية حسابية لتوزيع الحقائب الوزارية، بل اختباراً لقدرة الأحزاب على تجاوز الخلافات التي رافقت الحملة الانتخابية، والاتفاق على مسؤوليات واضحة بشأن الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجه الحكومة المقبلة.
العدالة والتنمية.. معارضة بوزن انتخابي جديد
في الضفة المقابلة يبرز حزب العدالة والتنمية بوصفه أحد أهم مكونات المعارضة المرتقبة، بعدما رفع تمثيليته إلى54 مقعداً مقارنة بـ13 مقعداً في انتخابات 2021. ويمنحه هذا التحول موقعاً مختلفاً داخل مجلس النواب، وقدرة أكبر على الحضور في النقاشات التشريعية والرقابية.
وحسم الحزب، بقيادة عبد الإله بنكيران، اختياره الاصطفاف في المعارضة وعدم المشاركة في الحكومة التي يقودها الأصالة والمعاصرة. وجاء هذا الموقف عقب قرار مجلسه الوطني رفض المشاركة في الأغلبية المقبلة، في خطوة تعكس رغبة الحزب في استثمار عودته الانتخابية من موقع رقابي مستقل.
ويتمثل أحد أهم رهانات العدالة والتنمية في تحويل ارتفاع عدد مقاعده إلى حضور مؤسساتي فعال، عبر مساءلة الحكومة بشأن القدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة، ومراقبة تنفيذ الالتزامات التي ستتضمنها الوثيقة الحكومية.
وسيكون الحزب مطالباً، كذلك، بإثبات أن عودته لا تقتصر على استعادة جزء من قاعدته الانتخابية، بل تمتد إلى تطوير أدواته في العمل البرلماني، وإنتاج مقترحات تشريعية قابلة للنقاش، وبناء خطاب معارض يستند إلى المعطيات والحصيلة بدل الاكتفاء بالمواقف السياسية العامة.
اليسار والحركة الشعبية.. موقع يتجاوز عدد المقاعد
لا تقتصر خريطة المعارضة المحتملة على العدالة والتنمية، إذ تطرح نتائج الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وتحالف اليسار أسئلة بشأن مدى قدرة هذه المكونات على تنسيق مواقفها داخل البرلمان.
فالاتحاد الاشتراكي، الذي حصل على 26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية الذي نال19 مقعداً، يمتلكان إمكانية الإسهام في النقاش التشريعي والرقابي، سواء من موقع المعارضة أو من خلال التفاهم مع الأغلبية بشأن بعض الملفات. غير أن من شأن اختلاف الحسابات التنظيمية والسياسية أن يحد من فرص بناء جبهة موحدة، سيما في ظل التباين بين مواقف الأحزاب بشأن المشاركة في الحكومة.
أما الحركة الشعبية، التي حصلت على29 مقعداً، فتحتفظ بدورها بموقع تفاوضي مهم، سواء ضمن الأغلبية أو خارجها، بالنظر إلى وزنها البرلماني وقدرتها على التأثير في بعض التوازنات. ويظل موقعها النهائي مرتبطاً بمآل المشاورات وتحديد الأحزاب التي ستشارك في الحكومة.
وتبرز، كذلك، أهمية الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، اللذين يملكان مجتمعين 25 مقعداً، بعدما أعلنا تشكيل مجموعة برلمانية مشتركة. ويمكن لهذا التكتل أن يمنحهما حضوراً أكبر في توزيع المسؤوليات داخل المجلس وفي النقاشات المرتبطة بالعمل التشريعي.
الملك محمد السادس يدعو إلى التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري
أكد الملك محمد السادس أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.
وأوضح الملك، في الخطاب السامي الذي وجهه إلى أعضاء البرلمان، يوم الجمعة الماضي، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، أن «النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة، وتفعيل اللاتمركز الإداري».
عراقيل تواجه تنزيل اللامركزية
سجل الملك أن «التأخير والاختلالات، التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين»، مشددا على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل للصلاحيات، والموارد البشرية والمالية الضرورية، من المركز إلى الأقاليم والجهات».
واعتبر الميثاق الوطني للاتمركز الإداري إحداث التمثيليات الإدارية المشتركة أولوية لتفعيل اللاتمركز الإداري. ويهدف إحداث هذه التمثيليات إلى تحقيق وحدة عمل مصالح الدولة على المستويين الجهوي والإقليمي، وتنميط مناهج عملها وحسن التنسيق بينها، وتحسين فعالية أدائها والارتقاء بجودة الخدمات العمومية التي تقدمها، فضلا عن ترشيد النفقات العمومية.
إلا أنه، لم يتم إحداث التمثيليات الإدارية المشتركة بين القطاعات الوزارية، سواء على مستوى الجهة أو على مستوى العمالات والأقاليم. ففي سنة 2020، تدارست اللجنة الوزارية للاتمركز الإداري، مجموعة من المقترحات المتعلقة بتجميع القطاعات الحكومية في إطار تمثيليات إدارية مشتركة على المستوى الجهوي، غير أن اللجنة لم تحسم في المقترح النهائي الواجب تطبيقه، نظرا لتوقف انعقاد اجتماعاتها، علما أن المادة 41 من الميثاق الوطني للاتمركز الإداري تنص على أن تجتمع اللجنة بدعوة من رئيسها، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وعلى الأقل مرة كل ثلاثة أشهر.
تأخر إحداث التمثيليات المشتركة
يعزى تأخر إحداث التمثيليات المشتركة إلى عدم تملك وترسيخ ثقافة نقل الاختصاصات التقريرية من المركز إلى المستوى اللاممركز لدى المصالح الوزارية. وقد ترتب على ذلك، تعدد المصالح اللاممركزة التي يتعين على الجهات إشراكها في مختلف مراحل إعداد برامج التنمية الجهوية، مما يحد من فعالية اتخاذ القرارات حول هذه المشاريع. علاوة على ذلك، فإن اللجنة الجهوية للتنسيق المحدثة لدى والي الجهة، تعرف مشاركة عدد مهم من رؤساء المصالح اللاممركزة، مما يحد من فعالية تنسيق مختلف المشاريع والبرامج العمومية على المستوى الجهوي.
كما ترتب على عدم استكمال تفعيل الإطار المؤسساتي للاتمركز الإداري، محدودية نقل أو تفويض الاختصاصات، التي أوصت اللجنة الوزارية للاتمركز الإداري (سنة 2020) بنقلها في المرحلة الأولى إلى المصالح اللاممركزة، سيما تلك المتعلقة بمساطر الاستثمار.
وسجل المجلس الأعلى للحسابات في تقريره حول تنزيل الجهوية المتقدمة، عدم استكمال المنظومة القانونية للاتمركز الإداري، رغم مرور أزيد من أربع سنوات على صدور المرسوم بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري (رقم 2.17.618)، علما أن المادة 17 من هذا الميثاق ربطت تحقيق أهداف اللاتمركز الإداري بمراجعة النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
فعلى مستوى تنظيم القطاعات الوزارية، برمجت خارطة طريق اللاتمركز الإداري إعداد ثلاثة نصوص تنظيمية، فضلا عن مراجعة 65 نصا تنظيميا مرتبطا بالمناظيم الهيكلية للقطاعات الوزارية.
وفي هذا الصدد، تم إصدار نص تنظيمي واحد فقط (قرار وزير الداخلية بتحديد تنظيم الكتابة العامة للشؤون الجهوية)، ومراجعة المراسيم التنظيمية لأربع وزارات (الداخلية، والتجهيز والماء، والنقل واللوجستيك، والاستثمار والالتقائية وتقييم السياسات العمومية)، بينما لم يتم مراجعة وإصدار باقي النصوص التنظيمية ذات الصلة بتنظيم القطاعات الوزارية، خاصة المرسوم المحدد لقواعد تنظيم القطاعات الوزارية ومراسيم بشأن تحديد التمثيليات الإدارية المشتركة للدولة على المستوى الجهوي
وعلى صعيد العمالة أو الإقليم، فضلا عن المراسيم التنظيمية لباقي الوزارات.
تدبير الموارد البشرية
بخصوص تدبير الموارد البشرية، تمت برمجة إعداد ومراجعة ستة نصوص تنظيمية وتشريعية، غير أنه لم يتم إصدار سوى نص واحد (سنة 2020)، والذي يخص تتميم وتغيير القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا. بينما لاتزال باقي النصوص قيد الدراسة أو الإعداد، سيما المشروع المتعلق بمراجعة المرسوم بسن النظام العام للمحاسبة العمومية (رقم 330.66)، ومشاريع المراسيم المتعلقة بمسطرة التعيين في المناصب العليا، وبتحديد شروط وكيفيات تنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية، وتحديد كيفيات تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية وكيفيات تعيين رؤساء الأقسام ورؤساء المصالح بإدارات الدولة.
وعلى مستوى التفويض، برمجت خارطة الطريق إعداد مشروع مرسوم واحد متعلق بتفويض السلطة والإمضاء، وقد صدر هذا الأخير بالجريدة الرسمية بتاريخ 17 أبريل 2023.
وترتب على تأخر استكمال المنظومة القانونية للاتمركز الإداري، محدودية تنفيذ خارطة طريق اللاتمركز الإداري، بحيث لم يتجاوز المعدل الإجمالي للإجراءات المكتملة الإنجاز 32 في المائة، بينما بلغ معدل الإجراءات التي لا تزال في طور الإنجاز وتلك غير المنجزة، على التوالي، 36 في المائة و32 في المائة. أما بخصوص نسبة الإنجاز، حسب محاور خارطة الطريق، فقد بلغت 100 في المائة بالنسبة إلى المحور المتعلق بالتفويض، بينما سجل محور التكوين والتواصل نسبة إنجاز منعدمة.
وقد أوضحت وزارة الاقتصاد والمالية أنه تمت المصادقة على مشروع مرسوم بشأن مبادئ وقواعد تنظيم إدارات الدولة وتحديد اختصاصاتها، وإعداد مشروعي مرسومين، يتعلقان بتنظيم مباريات التوظيف في المناصب العمومية وتعيين رؤساء الأقسام ورؤساء المصالح بالإدارات العمومية، فضلا عن الشروع في إعداد المراسيم المتعلقة بالتمثيليات الإدارية المشتركة، بعدما تم الحسم بشأن مقترح تجميع القطاعات الوزارية.

عتيق السعيد⃰
البرلمان بتشكيلته الجديدة أمام مرحلة الحسم في الأولويات والرهانات الوطنية
- ما أهمية التشكيلة البرلمانية الجديدة وانتخاب رئيس مجلس النواب وتشكيل أجهزة وهياكل المجلس الجديد؟
تكتسي الدورة الخريفية أهمية خاصة بالنظر إلى انعقادها في أعقاب الاستحقاقات التشريعية، وفي ظل المشاورات السياسية الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة، بما تحمل هذه المرحلة من تجديد للنخب السياسية المنتخبة، وإعادة تشكيل هياكل المجلس، كما تشكل هذه الدورة محطة مؤسساتية مفصلية، بحيث لا تقتصر على انتخاب رئيس المجلس وتشكيل أجهزته وهياكله، بل تمتد لتشمل إرساء مقومات انطلاقة جديدة للعمل البرلماني في ضوء مخرجات العملية الانتخابية وما تفرضه من رهانات تتصل بتعزيز فعالية المؤسسة التشريعية، والارتقاء بأدوارها الدستورية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية، فضلا عن مواكبة أولويات المرحلة المقبلة، والاستجابة لانتظارات المواطنين وتطلعاتهم.
إن عملية تشكيل أجهزة مجلس النواب وهياكله عقب انتخاب أعضائه لها أهمية دستورية وتنظيمية بالغة، باعتبارها مدخلا أساسيا لإرساء بنيته المؤسساتية وتمكينه من الاضطلاع باختصاصاته الدستورية، وفي هذا الإطار، ينص الفصل 62 من الدستور على انتخاب رئيس مجلس النواب وأعضاء مكتبه ورؤساء اللجان الدائمة ومكاتبها في مستهل الفترة النيابية، فيما يحدد النظام الداخلي للمجلس القواعد المنظمة لتكوين الفرق والمجموعات النيابية، وانتخاب أجهزته، وتوزيع المسؤوليات داخل هياكله.
وبالتالي تتجاوز أهمية هذه العملية إطار استكمال البناء التنظيمي للمؤسسة التشريعية، بحيث تشمل إرساء آليات تدبير العمل البرلماني وتحديد المسؤوليات المرتبطة بممارسته، وأيضا ضمان تمثيل مختلف الفرق والمجموعات النيابية وفقا للقواعد الدستورية والتنظيمية، مع مراعاة مبدأ التمثيل النسبي في تشكيل مكتب المجلس الذي يكفل كذلك الحقوق المقررة للمعارضة البرلمانية، وبالتالي تمثل هذه المرحلة محطة مؤسساتية لاندماج المنتخبين الجدد في هياكل العمل البرلماني، والعمل على تمكينهم من تولي مسؤولياتهم داخلها، بما يوفر الشروط التنظيمية والمؤسساتية اللازمة لانطلاق أشغال المجلس وممارسته لمهامه التشريعية والرقابية، وفقا لمقتضيات الدستور والنظام الداخلي.
وعليه، فإن تشكيل أجهزة مجلس النواب وهياكله لا يقتصر على كونه إجراء تنظيميا يواكب بداية الولاية التشريعية، حيث يشكل محطة تأسيسية لإرساء آليات تدبير العمل البرلماني، وتجديد أساليب اشتغاله خلال المرحلة المقبلة، كما يتيح تحويل مخرجات الاستحقاقات الانتخابية إلى صيغة مؤسساتية ديمقراطية، تعكس التعددية السياسية وتؤطر توزيع المسؤوليات وتوفر الشروط التنظيمية اللازمة لممارسة البرلمان لاختصاصاته الدستورية، كما أنه تزداد أهمية هذه المرحلة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة وما تفرضه من تحديات ورهانات تستدعي اضطلاع المؤسسة التشريعية بأدوارها المتعددة، ليس فقط على مستوى التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية والدبلوماسية البرلمانية، وإنما أيضا من خلال ترجمة هذه الأدوار إلى مخرجات ملموسة تستجيب لانتظارات المواطنين وتطلعاتهم، وتعكس القيمة الفعلية للديمقراطية التمثيلية.
- ماهي التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة أمام البرلمان الجديد؟
تمكنت بلادنا بفضل الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس من تحقيق مكتسبات تنموية كبيرة، وشهدت إطلاق جلالته العديد من الأوراش الوطنية والمشاريع الكبرى والبرامج الإصلاحية، التي تستهدف تعزيز مسارات التنمية المندمجة الشاملة، وبالتالي فإن مواصلة هذا المسار التنموي تقتضي اليوم الارتقاء بأداء المؤسسة البرلمانية وتطوير آليات اشتغالها، في ضوء ما يستلزم التحلي بالجدية في تحمل المسؤولية والاضطلاع بالمهام المنوطة بمختلف الهياكل والفرق خدمة لقضايا المجتمع.
وارتباطا بالسياق ذاته تبرز الحاجة الملحة إلى ممارسة برلمانية تقوم على المسؤولية الوطنية والالتزام الجاد، والصدق والتفاني في أداء المهام، بما يضمن التفاعل الفعلي مع انتظارات المواطنين واحتياجاتهم وتطلعاتهم للمرحلة، تأطيرا ومواكبة لمختلف الأوراش الإصلاحية والمشاريع التنموية الكبرى، وتعزيزا لجودة التشريع وفعالية الرقابة البرلمانية وتقييم السياسات العمومية، كما تقتضي المرحلة تعزيز أدوار الدبلوماسية البرلمانية بما يدعم الحضور الخارجي الوازن للمغرب في الساحة البرلمانية الدولية، دفاعا عن المصالح العليا والقضايا الوطنية، استنادا الى التوجيهات الملكية السامية المتبصرة، والتي ما فتئ جلالته يؤكد من خلالها على أهمية العمل الجاد والدؤوب لمؤسسة البرلمان، من أجل التعريف أكثر بعدالة قضية الصحراء المغربية، وبمبادرة الحكم الذاتي، وتقريب المواقف من خلال الانفتاح على مختلف البرلمانات الإقليمية/المغاربية والدولية، وأن تعمل على تنسيق التعاون المشترك معها، سيما أن البرلمان له كل الضمانات الدستورية والآليات المؤسساتية والقانونية، التي تمكنه من أن يكون أكثر تفاعلا مع مجريات الأحداث الإقليمية بما يخدم المصالح الوطنية.
ومن ثم، فإن الرهان اليوم لا يتعلق بمجرد تطوير آليات العمل البرلماني وإنما يرتبط بمدى القدرة على ترجمة المسؤولية الدستورية والسياسية للمؤسسة التشريعية إلى أداء فعلي ومخرجات تشريعية ملموسة، تستجيب لمتطلبات المرحلة، وتواكب طموحات المغرب التنموية في سياق زمني يتطلب تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقليص الفوارق الاجتماعية، ونقل انتظارات المواطنين إلى فضاء النقاش المؤسساتي، بما يعزز التكامل بين الوظيفة التمثيلية والرهانات التنموية.
- ما هي أهم الأوراش التي تنتظر الدورة التشريعية الحالية؟
في ظل تحولات مجتمعية وسياق دولي بات يتسم بتزايد الأزمات الاقتصادية المتقلبة والتوترات والتحولات الجيوسياسية، البرلمان أمام مرحلة تستلزم ضرورة ترتيب الأولويات، واتخاذ مواقف وقرارات تشريعية تستجيب لمتطلبات المرحلة، بحيث يأتي الدخول البرلماني في سياق وطني يتسم بتعدد التحولات والمتغيرات، بما فيها التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، فضلا عن متطلبات استكمال المسار التشريعي المرتبط بعدد من المشاريع والبرامج التنموية والاجتماعية، التي تندرج ضمن الرؤية الملكية الرامية إلى إرساء نموذج تنموي متجدد وشامل الأبعاد، وتعزيز مقومات الدولة الاجتماعية، والارتقاء بظروف عيش المواطنين.
وعليه تفرض هذه الرهانات في تفاعلها مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية القائمة، تكثيف الجهود التشريعية والرقابية، وترتيب الأولويات وفق مقاربة تستحضر متطلبات المرحلة، بما يضمن تنفيذ واستكمال الأوراش الوطنية والإصلاحات الهيكلية وتعزيز فعاليتها، وبالتالي تبرز مجموعة من الرهانات التي تضع المؤسسة التشريعية أمام مسؤوليات متجددة، تستوجب انخراط ممثلي الأمة في الاضطلاع بمهامهم الدستورية والسياسية، سيما في ما يتعلق باستكمال المنظومة التشريعية المؤطرة للجيل الجديد من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، التي تمس نمط عيش المواطنين، ولا يقتصر هذا الاستحقاق على المبادرات التشريعية فحسب، بل يشمل أيضا تعزيز فعالية الرقابة على العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، والتفاعل مع انتظارات المواطنين، بما يضمن تحقيق الانسجام بين النصوص القانونية ومتطلبات التنمية وأولوياتها. ومن ثم فإن ترسيخ ثقافة الالتزام والجدية وتحمل المسؤولية يشكل مدخلا أساسيا للارتقاء بالأداء البرلماني، وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، وضمان اضطلاعها بدورها في مواكبة الإصلاحات، والاستجابة لمتطلبات المرحلة.
⃰ أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض مراكش، محلل سياسي





