
لم يكن خفر الأسلحة الموجهة إلى الجزائر المهمة الوحيدة التي تم تكليفي بها، في سياق العلاقات المغربية- الجزائرية، إذ أشرفت على ترحيل جثمان القايد أحمد عضو هيئة الأركان العامة للجيش الجزائري وأحد المشاركين في مفاوضات «إيفيان»، وكان عضوا بارزا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية. عاش لاجئا في المغرب بسبب محاولات تصفيته في بلده، وقضى أيامه الأخيرة في «فيلا» بمدينة تمارة إلى أن وافته المنية يوم 05 مارس 1978 بسبب مرض في القلب. تم تكليفي بمرافقة جثمانه إلى المعبر الحدودي زوج بغال، بعد أن ألح الجزائريون على دفن جثمانه في مسقط رأسه، استجاب المغرب للملتمس وتمت عملية تسليم الجثمان في ظروف طبعها الاحترام التام.
سأعود مرة أخرى إلى هذه النقطة الحدودية، لأشرف على عملية تبادل الأسرى، بين المغرب والجزائر، عام 1978، بعد اندلاع معارك الصحراء المغربية. كنت من المشرفين على تسليم واستلام أسرى معركتي أمغالا 1 و2، التابعة لإقليم سمارة، والتي اندلعت عام 1976، حيث تورط فيلق عسكري جزائري توغل في الصحراء المغربية فتصدت له القوات المسلحة الملكية المغربية. أكيد أن شنقريحة يتذكر ذلك جيدا.
عن الجانب المغربي، كنا بصدد تسلم مدنيين وعسكريين مغاربة، اعتقلهم مرتزقة البوليساريو في الصحراء، وقضوا في سجون تندوف والجزائر أياما كلها عذاب، تركت في أجسادهم آثار القهر والتعذيب.
لابد من الإشارة إلى أن عمليتي التسليم والاستلام في المعبر الحدودي عرفتا اختلافا ملحوظا بين أسرانا وأسراهم، إذ كان الجزائريون المعتقلون في سجوننا يشيدون بحسن المعاملة، مقابل تعامل منحط من الجزائريين تجاه أسرانا الذين تسلمناهم وهم في أسوأ الأحوال الجسدية والذهنية، ما تطلب إحالتهم على المصالح الطبية.
من الأسماء التي لازالت حاضرة في ذهني محمد أحمد باهي الركيبي، الصحافي الذي قضى عشر سنوات في سجون مرتزقة البوليساريو بدعم من الجزائر، لقد عاد إلى المغرب بجسد منهك من شدة التعذيب.
لم يغب التوتر عن إجراءات التسليم والاستلام، لم تخل هذه العمليات من قلق، خاصة حين يصر الطرف الجزائري على التأخر عن المواعد المحددة لغاية في نفس يعقوب. فقد كنا نضطر أحيانا لانتظار وصول الطرف الآخر إلى نقطة الالتقاء لأزيد من ثلاث ساعات.
المهمة الثالثة التي قادتني إلى المعبر الحدودي زوج بغال، ترجع لشهر ماي 1987، حين تقرر عقد لقاء بين الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، بوساطة من الملك السعودي فهد بن عبد العزيز.
كنت ضمن اللجنة المنظمة، وهي لجنة مختلطة تضم مغاربة وجزائريين، عهد إليها بالإشراف على هذا اللقاء التاريخي، الذي يسعى من ورائه الملك فهد إلى تذويب جليد الخلاف بين البلدين. طرحت قضية مكان انعقاد الاجتماع، فاقترح الطرف المغربي إقامته في مدينة وجدة وتحديدا بمقر العمالة، لتوفر كل مستلزمات الاجتماع، إلا أن الطرف الجزائري رفض واعتبر مقترح وجدة بمثابة امتياز للمغرب.
بعد نقاش مستفيض، تقرر اللجوء لخيار «جيومتري»، يقضي بعقد اللقاء على الأرض المغربية والأرض الجزائرية دفعة واحدة، دافع الجزائريون على هذا الخيار بحس شوفيني كبير.
لكن ستطرح مجموعة من الأسئلة، بعد الاتفاق على عقد الاجتماع في خيمة:
خيمة مغربية أم جزائرية؟
كيف سيتم تحضيرها؟
من سيقوم بتأثيثها؟
من سيختار ديكوراتها؟
من سيسهر على حمايتها ومراقبتها؟
بعد اجتماعات مطولة توصلت اللجنة التنظيمية المختلطة إلى ما يلي:
يتكلف الطرف الجزائري بإعداد الخيمة وبنائها وفق الترتيبات المجالية المتفق عليها.
يتكلف الطرف المغربي بتأثيث الخيمة ووضع الديكور الملائم وربطها بخط هاتفي وبالتيار الكهربائي وكل ما يتعلق بالصيانة.
تم بناء خيمة نصفها فوق التراب الجزائري والنصف الآخر على التراب المغربي، على أن يجلس الشاذلي بن جديد فوق كرسي على تربة بلاده، ويجلس ملكنا على كرسي فوق التراب المغربي، بينما تقرر أن يجلس الملك فهد بينهما في الوسط على كرسي نصفه في الجزائر ونصفه في المغرب.
جرى تدوين هذه القرارات في محضر رسمي مع تعهد كل طرف بالحماية الأمنية للجهة التي توجد في ترابه الوطني.
قبالة الخيمة قررنا إنشاء خيمة على نمط «فراك» تقليدي، خصص للعاهلين المغربي والسعودي، وخيمة أخرى لمرافقي الملك السعودي من عسكريين ومدنيين. كان لي شرف الإشراف على هذه المنصة وتأمين أمنها وسلامة مرتاديها.
شهد الاجتماع الثلاثي جولتين من المفاوضات، بينما كانت الجولة الثالثة مغلقة، توجت باتفاق يقضي بإعادة تطبيع العلاقات الدبلوماسية.
عاد العاهلان المغربي والسعودي إلى مدينة وجدة، حيث تقرر أن يقضيا الليلة هناك، بينما اختار الرئيس الجزائري العودة إلى وهران.






