حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

مهام تنتظر حكومة المنصوري

د. خالد فتحي

 

تدخل البلاد مرحلة سياسية جديدة بعد تشكيل التحالف الحكومي، ولم يبق سوى الإعلان عن الوزراء الذين يفترض أن تتوفر فيهم الكفاءة والنزاهة. لكن التحدي الأساسي أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري لا يقتصر على تشكيل فريق منسجم، بل يتمثل في وضع رؤية واضحة، وتحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس، تظهر نتائجها منذ المائة يوم الأولى.

رغم أهمية الاقتصاد والاستثمار والتوازنات المالية، ينبغي أن يكون الإنسان محور السياسات العمومية، خصوصا في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين بفعل الوعود الانتخابية. لذلك، تشكل قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية أولويات أساسية، باعتبارها حقوقا وليست مجرد خدمات، إذ لا يمكن للنمو الاقتصادي تحقيق الإنصاف دون ضمان الولوج إليها.

في مجال الحماية الاجتماعية، ينبغي الانتقال من قياس عدد المسجلين والمستفيدين إلى تقييم جودة الحماية وأثرها الفعلي. فنجاح المنظومة لا يقاس بالتسجيل فيها، بل بقدرة المواطن على الحصول على الدعم والتعويض والخدمات عند الحاجة. ويتطلب ذلك اعتماد معايير شفافة، وضمان سرعة الدعم ووضوحه وقابليته للتوقع، مع التفكير في دعم انتقالي للأسر التي قد تفقد أهليتها، بسبب تحسن طفيف في وضعها المادي. والغاية هي جعل الحماية الاجتماعية جسرا نحو الاستقرار والاستقلال المالي، لا إقامة دائمة في الهشاشة، مع ربطها بالإدماج الاقتصادي وسوق الشغل.

أما الصحة، فتحتاج إلى الاستثمار في المستشفيات والبنية التحتية، بالتوازي مع تحسين جودة الخدمات وتقريبها، وضمان الحماية المالية للمواطنين. فالمعيار الحقيقي هو توافر الطبيب والدواء، وتقليص آجال المواعد، وتسهيل الفحوصات والعلاج دون تكاليف تثقل ميزانية الأسرة. ويظل الاستثمار في الأطباء والممرضين والتقنيين والإدارة الصحية أساسا للإصلاح، لأن المؤسسة الصحية ليست بناية فقط، بل موارد بشرية وكفاءة وتنظيم ومسؤولية.

وتشكل القدرة الشرائية أولوية أخرى، تستوجب تحويل الحفاظ عليها إلى سياسة عمومية دائمة، لا تقتصر على دعم الأسر، بل تشمل رفع المداخيل الحقيقية، وخفض كلفة الخدمات الأساسية، وتحسين المنافسة والشفافية، وتعزيز إنتاجية سوق الشغل. كما ينبغي ربط خلق فرص العمل الجيدة بالقدرة الشرائية، من خلال اقتصاد ينتج قيمة مضافة أعلى، ومقاولات قادرة على النمو، وشباب يمتلك المهارات المطلوبة.

ومن الضروري اعتماد الأسرة وحدة أساسية لتقييم السياسات العمومية، بالنظر إلى تحملها تكاليف الصحة والتعليم والسكن والنقل ورعاية الأطفال وكبار السن. لذلك، ينبغي دراسة أثر القرارات العمومية على استقرارها، بما في ذلك ارتفاع كلفة المعيشة والسكن والنقل، وغياب خدمات رعاية الأطفال وتأثيره على عمل المرأة، والهدر المدرسي وانعكاساته على مستقبل الأبناء. فالأسرة التي تتمتع بدخل مستقر، وخدمات أساسية جيدة، وحماية اجتماعية عند الحاجة، تكون أكثر قدرة على الادخار والاستثمار في أبنائها، مما يجعل سياسة الأسرة مقاربة متكاملة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، وليست مجرد إعانات إضافية.

ويظل إصلاح المدرسة رهانا استراتيجيا طويل المدى، يبدأ بالمدرس من خلال تحسين تكوينه ووضعه المهني والاجتماعي ومكانته، وتمكينه من توظيف التكنولوجيا والتفكير النقدي. وينبغي أن تنتقل المدرسة من تلقين المعرفة إلى تكوين مواطن قادر على البحث والتفكير والاختلاف والعمل الجماعي وحل المشكلات.

اقتصاديا، يتعين على الحكومة بناء علاقة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، تضمن الاستثمار المنتج، ونمو المقاولات، وعدالة المنافسة، وإمكانية الولوج إلى التمويل، واستقرار القواعد. ويجب تقييم النجاح بعدد الوظائف المحدثة، ونمو المقاولات، وانتقال الشباب من الهشاشة إلى الاستقلال الاقتصادي، وحجم القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. كما أن حماية الطبقة الوسطى، التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، ضرورة اقتصادية واجتماعية وأمنية.

ولا يمكن فصل التنمية عن الإصلاح السياسي؛ فالحكومة الفعالة تتيح النقد والمساءلة والتعبير المشروع، وتقوي البرلمان، وتنصت إلى المعارضة، وتوسع النقاش العمومي، وتحسن الولوج إلى المعلومات، وتعيد الاعتبار للأحزاب والمجتمع المدني باعتبارهما فضاءين للمشاركة وتكوين النخب.

ويقتضي تعزيز الثقة إصلاح الإدارة ورقمنتها وتوسيع اللامركزية، حتى يحصل المواطن على الوثائق والخدمات بسرعة وشفافية، دون وساطة أو تكرار المساطر. فالرقمنة الحقيقية تعني تبادل المعلومات بين الإدارات، وتسريع القرارات، وتقليص الأخطاء، وتتبع النتائج، لا مجرد إنشاء المنصات.

كما ينبغي التعامل مع الشباب باعتباره محورا لكل السياسات، وليس فئة تحتاج إلى برامج خاصة فقط. ويتطلب ذلك الانتقال من الرعاية إلى التمكين، عبر فرص التعلم والعمل وإنشاء المشاريع والمشاركة العامة، حتى لا يرتبط المستقبل بالهجرة، أو انتظار الوظيفة العمومية.

وأخيرا، لا تحتاج الحكومة إلى مئات المبادرات الجديدة بقدر حاجتها إلى عدد محدود من الأولويات، بأهداف ومؤشرات وآجال زمنية ومسؤوليات واضحة. عليها الحفاظ على المشاريع الناجحة، وتصحيح المتعثرة، وإيقاف غير المجدي، وقياس الأثر الفعلي للسياسات.

إن نجاح حكومة المنصوري سيقاس بمدى تحسن التعليم والعلاج والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية، وخلق وظائف أفضل، ونزاهة الإدارة، وفاعلية المشاركة السياسية. والمطلوب حكومة تفكر في عشر سنوات وهي تدبر خمس سنوات، وتنتقل من رد الفعل إلى التخطيط، ومن المبادرات المتفرقة إلى السياسات المتكاملة، ومن قياس الأنشطة إلى قياس النتائج. فالتقدم لا يتحقق بكثرة الأفكار والخطابات، بل بالقدرة على تحويل الأفكار الجيدة إلى مؤسسات وسياسات وإنجازات ملموسة ومستدامة في حياة المواطنين.

 

نافذة:

يظل إصلاح المدرسة رهانا استراتيجيا طويل المدى يبدأ بالمدرس من خلال تحسين تكوينه ووضعه المهني والاجتماعي ومكانته وتمكينه من توظيف التكنولوجيا والتفكير النقدي

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى