
النعمان اليعلاوي
في كل موسم انتخابي، تكتشف الأحزاب السياسية فجأة أنها تعشق «الكفاءات». لا لأنها قضت سنوات في تكوينها وتأطيرها وإقناعها بمشروع سياسي، بل لأنها اكتشفت أن الحزب المنافس بدأ يفاوضها. وهكذا يتحول المشهد السياسي إلى ما يشبه سوق انتقالات اللاعبين «الميركاتو»، مع فارق بسيط: في كرة القدم يعرف الجمهور قيمة الصفقة بعدد الأهداف والإضافة التي يقدمها اللاعب للفريق، أما في السياسة فلا أحد يسأل بعد الانتخابات عن عدد الوعود التي سجلها «النجم الجديد»، بل عدد المقاعد التي تحصل عليها كل حزب.
لقد دخلنا فعلا موسم «الخطفة». موسم تختفي فيه الحدود الإيديولوجية، وتتلاشى الخطوط الفاصلة بين اليمين واليسار والوسط، ويصبح السؤال الوحيد المطروح داخل مقرات الأحزاب: «من بقي خارج السوق ولم يلتحق؟»، وقد قالها زعيم حزبي بصراحة في أحد البرامج التلفزية، قبل أيام، حين سئل «من سترشح إذا جاء شاب، وشخصية نافذة؟»، فأجاب: «سأرشح من يجلب لي الأصوات»، قبل أن يردف (في خاطره) «الشباب ربح بيه انت».
في هذا الموسم، لا أحد يناقش البرامج الاقتصادية، ولا إصلاح المدرسة العمومية، ولا أزمة الصحة والتعليم، ولا البطالة، ولا السكن، ولا الماء ولا التنمية المحلية، وتخليق السياسة، بل كل ما يشغل القيادات الحزبية هو سؤال واحد: من سيخطف مرشحا قبل الحزب الآخر؟ من بات على استعداد لدخول غمار الانتخابات؟ وكأن الانتخابات أصبحت مسابقة في جمع الأسماء اللامعة أكثر منها منافسة في تقديم الأفكار، والبرامج.
الأغرب أن السياسي الذي كان، إلى حدود مساء الأمس، يمثل نموذجا للفشل عند حزب منافس، يتحول صباح اليوم، بمجرد إعلانه تغيير لونه الحزبي، إلى «قيمة وطنية» و«كفاءة استثنائية» و«إضافة نوعية». أما الحزب الذي غادره، فيكتشف فجأة أن الرجل نفسه لم يكن سوى عبء تنظيمي، وأن رحيله «لا يؤثر في شيء». إنها معجزة سياسية لا تحدث إلا في وطننا الحبيب؛ حيث يكفي تغيير اللون الحزبي حتى تتغير أوصاف الإنسان بالكامل.
ويبدو أن الأحزاب اقتنعت بأن الناخب المغربي لا يصوت للبرامج، ولذلك قررت هي أيضا ألا تتعب نفسها في إعدادها. فلماذا يضيع الحزب شهورا في صياغة تصور اقتصادي أو اجتماعي، بينما يستطيع، في جلسة تفاوض واحدة، استقطاب رئيس جماعة معروف، أو رجل أعمال مؤثر، أو مسؤول سابق، أو شخصية تحظى بحضور انتخابي؟ ومعه جيش من المصوتين، إنها سياسة الاستثمار في «الرأسمال الانتخابي» الجاهز، بدل الاستثمار في بناء مشروع سياسي طويل النفس.
حتى اللغة السياسية تغيرت. لم نعد نسمع عن النقاش الفكري أو المشروع المجتمعي أو المرجعية، أو الإيديولوجية الحزبية، أو حتى «البرنامج التنموي»، بل فقط «الاستقطاب» و«الالتحاق» و«التزكيات» و«الصفقات». وكأن الأحزاب أصبحت شركات تبحث عن أفضل عملية استحواذ، قبل إغلاق السوق الانتخابية.
أما المواطن، فيتابع المشهد بكثير من الدهشة. يرى الأشخاص أنفسهم ينتقلون بين الأحزاب بسهولة لافتة، حتى بات الكائن الانتخابي ثاني أقدر كائن على تغيير جلده بعد الثعبان، فيما تظل الخطابات هي نفسها، والوعود هي نفسها، وحتى الصور الدعائية تكاد تكون نسخة طبق الأصل. يتغير الشعار، ويبقى الخطاب واحدا: «نحن حزب المستقبل».
ولعل أخطر ما في هذا المنطق أنه يفرغ السياسة من مضمونها الحقيقي. فالحزب، في التجارب الديمقراطية، ليس وكالة لتوظيف المنتخبين، بل مؤسسة تنتج الأفكار، وتصنع النخب، وتؤطر المجتمع، وتقدم البدائل. أما عندما يصبح الحزب مجرد وعاء انتخابي يستقبل كل من يمتلك رصيدا من الأصوات، فإن السياسة تتحول إلى عملية حسابية باردة، لا مكان فيها للمبادئ ولا للهوية الفكرية.
ولا أحد ينكر أن استقطاب الكفاءات أمر طبيعي ومطلوب، لكن الكفاءة شيء، وتحويل السياسة إلى سوق مفتوحة للمزايدات شيء آخر. فالكفاءة تنضم إلى مشروع تؤمن به، أما «الخطفة» فتبحث فقط عن أفضل عرض انتخابي.
وربما لو امتلكت البرامج الانتخابية الجاذبية نفسها التي تمتلكها عمليات الاستقطاب، لكان المواطن أول المستفيدين. لكن يبدو أن كتابة برنامج اقتصادي متكامل أصعب بكثير من إجراء مكالمة هاتفية مع منتخب مؤثر، أو مسؤول وازن.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، ستتواصل هذه «الانتقالات الصيفية» بكل تأكيد. ستزداد الصور الجماعية، وستكثر كلمات الترحيب، وستتكرر عبارات «القيمة المضافة» و«الكفاءة الوطنية» و«الانخراط في المشروع». وبعد انتهاء الانتخابات، سيكتشف الجميع أن المواطن كان ينتظر شيئا آخر تماما: برنامجا يقنعه، وحلولا تلامس حياته، وسياسة تقوم على الأفكار لا على حركة الأشخاص.
ويبقى السؤال الذي يؤجل إلى كل موسم انتخابي هو متى تتنافس الأحزاب على خطف ثقة المواطن، بدل الاكتفاء بخطف المرشحين؟ ففي النهاية، الأصوات لا تمنحها الأسماء وحدها، بل تمنحها أيضا القدرة على إقناع الناس بأن السياسة ليست مجرد موسم… للخطفة.





