
إنجاز سفيان أندجار
بعد انتظار دام ثمانية وعشرين عاما، عاد المنتخب الاسكتلندي إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم، من جديد، عبر نسخة 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية، كندا والمكسيك، حاملا معه آمال شعب يشتهر بحبه الشديد للكرة وروحه القتالية التي لا تُقهر، وهو ما يعكسه لقب «الجيش التارتاني» الذي يرافق الفريق في كل مكان.
كيف كان مسار التأهل؟
جاء هذا التأهل التاريخي بعد مسيرة مثيرة في التصفيات الأوروبية ضمن المجموعة الثالثة التي ضمت إلى جانب منتخب اسكتلندا منتخبات الدنمارك واليونان وبيلاروسيا، خاض ست مباريات حقق خلالها أربعة انتصارات وتعادلاً واحداً وخسارة واحدة أيضا، مسجلاً ثلاثة عشر هدفاً مقابل سبعة في مرماه بفارق أهداف إيجابي قدره ستة أهداف، ليجمع ثلاث عشرة نقطة ويتصدر المجموعة مباشرة ويتأهل دون الحاجة إلى ملحق.
كانت البداية صعبة بتعادل سلبي قوي أمام الدنمارك خارج الأرض في الخامس من شتنبر 2025، ثم جاء الفوز على بيلاروسيا بهدفين دون رد، قبل أن يحقق انتصارين مهمين على أرضه أمام اليونان والدنمارك، لكن الخسارة أمام اليونان بثلاثة أهداف مقابل هدفين أبقت التوتر قائماً حتى المباراة الحاسمة في الثامن عشر من نونبر 2025 أمام الدنمارك في ملعب «هامبدن بارك»، والتي انتهت بفوز رائع قوامه أربعة أهداف مقابل هدفين، إذ سجل سكوت ماكتوميناي هدفاً مذهلاً بضربة خلفية، وأضاف لورانس شانكلاند وكيران تيرني وكيني ماكلين أهدافاً أخرى في أمسية تاريخية أشعلت الاحتفالات في كل أنحاء اسكتلندا.
يعد هذا الإنجاز ثمرة عمل المدرب ستيف كلارك الذي قاد الجيش «التارتاني» إلى ثلاث بطولات كبرى متتالية، وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في مسيرة المنتخب الذي لم يتجاوز مرحلة المجموعات في أي مشاركة سابقة له في كأس العالم، آخرها عام 1998 في فرنسا.
التشكيل المثالي للمونديال
في مونديال 2026، وقع المنتخب الاسكتلندي في المجموعة الثالثة إلى جانب البرازيل، المغرب وهايتي، ما يجعل مهمته صعبة لكن الأمر يمنحه فرصة لكتابة تاريخ جديد، خاصة مع مواجهة المغرب في التاسع عشر من يونيو 2026 التي تحمل طابعاً تاريخياً خاصاً.
أعلن ستيف كلارك التشكيلة النهائية المكونة من ستة وعشرين لاعباً في ماي 2026، وهي تشكيلة تجمع بين خبرة اللاعبين المخضرمين وطاقة الشباب الواعد، مع الاعتماد الأساسي على نجوم الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الاسكتلندي. في حراسة المرمى يبرز كريغ غوردون، البالغ من العمر ثلاثة وأربعين عاماً، والذي يلعب لنادي هارتس، إلى جانب أنغوس غان من نوتنغهام فورست وليام كيلي من رينجرز، حيث يمنح غوردون الفريق استقراراً كبيراً بفضل تجربته الواسعة. أما خط الدفاع فيقوده أندي روبرتسون، قائد الفريق ونجم ليفربول الذي خاض أكثر من تسعين مباراة دولية، مدعوماً بكيران تيرني من سيلتيك ولاعبين، مثل غرانت هانلي وجاك هندري وآرون هيكي ودوم هايام وسكوت ماكينا وناثان باترسون وأنتوني رالستون وجون ساوتار، ما يمنح الخط الخلفي صلابة وخبرة في التعامل مع الضغط العالي.
في وسط الميدان يشكل سكوت ماكتوميناي، نجم نابولي، الركيزة الأساسية بقدرته على التسجيل من خارج منطقة الجزاء وخلق التوازن بين الدفاع والهجوم، إلى جانب جون ماكغين، قائد أستون فيلا، وكيني ماكلين من نورويتش وريان كريستي ولويس فيرغسون وبيلي غيلمور الذي تعرض لإصابة جزئية، بالإضافة إلى فينلاي كورتيس وتايلر فليتشر وبن غانون-دواك. أما في الهجوم فيتواجد تشي آدامز من تورينو وليندون دايكس من تشارلتون ولورانس شانكلاند من هارتس وجورج هيرست من إيبسويتش وروس ستيوارت من ساوثهامبتون. يعتمد الفريق عادة على تشكيلة 3-4-2-1 أو 4-3-3 التي تسمح بالاستفادة من الجناحين النشيطين ووسط الميدان الديناميكي، مع التركيز على الروح الجماعية والانضباط التكتيكي العالي الذي يميز عمل ستيف كلارك.
نقاط قوة وضعف «الجيش التارتاني»
يتمتع المنتخب الاسكتلندي بعدة نقاط قوة تجعله خصماً صعباً في أي مباراة، أبرزها الروح الجماعية العالية والانضباط التكتيكي الذي يفرضه المدرب، إذ يعتمد الفريق على الضغط العالي والانتقالات السريعة التي تسمح له باستغلال المساحات، علما أن لاعبي الوسط، مثل ماكتوميناي وماكغين وماكلين، يقدمون توازناً مثالياً بين الدفاع والهجوم مع قدرة كبيرة على التسجيل من مسافات بعيدة، ويضيف قادة، مثل روبرتسون وتيرني وغوردون، خبرة دولية كبيرة تساعد في اللحظات الحاسمة، بالإضافة إلى الدعم الجماهيري الهائل الذي يسافر بأعداد كبيرة ويمنح اللاعبين دفعة معنوية استثنائية، ما يجعل المنتخب قادراً على تحقيق مفاجآت أمام فرق أقوى منه فنياً على غرار ما حدث في التصفيات.
أما نقاط الضعف فتتمثل أساساً في الدفاع المركزي الذي يبدو متوسط المستوى ويعاني أحياناً أمام المهاجمين السريعين والأقوياء جسدياً، إلى جانب الاعتماد الكبير على لاعبي الوسط في التهديف بسبب عدم وجود مهاجمين صريحين بفعالية عالية، مثل دايكس وآدامز، علما أن الغياب الطويل عن كأس العالم قد يؤثر سلباً على خبرة بعض اللاعبين في مواجهة الضغط الكبير للبطولة، بالإضافة إلى بعض المشاكل المتعلقة باللياقة البدنية للاعبين الأكبر سناً، مثل غوردون الذي قد يظهر عليه الإرهاق في بطولة طويلة ومكثفة. ورغم ذلك يُتوقع أن ينافس المنتخب الاسكتلندي بقوة على المركز الثاني في مجموعته الصعبة.
تأثر يمتد لـ28 عاما
عدد المواجهات السابقة بين المنتخبين الاسكتلندي والمغربي محدود جدا على المستوى الرسمي، حيث التقيا مرة واحدة فقط في نهائيات كأس العالم عام 1998 ضمن منافسات المجموعة الأولى في مدينة سانت إتيان الفرنسية يوم الثالث والعشرين من يونيو، وانتهت المباراة بفوز المغرب بثلاثية نظيفة سجلها صلاح الدين بصير (هدفان في الدقيقتين الثالثة والعشرين والخامسة والثمانين وعبد الجليل حدة في الدقيقة السابعة والأربعين)، وهو فوز كان له تأثير كبير حيث أنهى آمال اسكتلندا في التأهل إلى الدور الثاني.
لم يلتق المنتخبان منذ ذلك الحين في مباريات رسمية، ما يجعل مواجهة مونديال 2026 في بوسطن حدثاً تاريخياً مثيراً ينتظره عشاق الكرة في البلدين، إذ يسعى المغرب إلى تكرار الفوز وتعزيز سجله الإيجابي، بينما تطمح اسكتلندا إلى الثأر وتحقيق نتيجة تعيد إليها بعض الكرامة التاريخية.
وينتظر أن تكون مباراة اسكتلندا والمغرب أحد أبرز لقاءات دور المجموعات في مونديال 2026، إذ يجمع اللقاء بين روح قتالية اسكتلندية معروفة وخبرة اكتسبها «الأسود» من مشاركة ناجحة في 2022، وسط أجواء جماهيرية ساخنة من الجانبين.
كلارك: المغرب منتخب رائع ولديه تنظيم تكتيكي عال
أعرب المدرب ستيف كلارك عن فخره الكبير بالتأهل إلى المونديال، مؤكداً أن هدفه الأساسي هو التقدم إلى أبعد من مرحلة المجموعات لأول مرة في تاريخ اسكتلندا، وهو ما دفع اتحاد الكرة المحلي إلى تمديد عقده حتى عام 2030 لضمان الاستقرار وبناء جيل قادر على جعل التأهل إلى البطولات الكبرى أمراً روتينياً وليس استثنائياً.
وحول القرعة التي وضعته في مجموعة تضم البرازيل والمغرب، قال كلارك إن المجموعة صعبة لكنها مثيرة وتمثل جوهر كأس العالم، معترفا بقوة المنتخب المغربي الذي وصفه بالفريق الرائع ومحتل المركز الرابع خلال النسخة الماضية، مشيدا بروحه القتالية وتنظيمه التكتيكي العالي، لكنه أكد، في الوقت نفسه، ثقته الكاملة في قدرة لاعبيه على المنافسة وتحقيق نتيجة إيجابية، خاصة أن لديهم فرصة لتصحيح التاريخ الذي لم يكن جيداً في آخر مواجهة بين المنتخبين.
وشدد كلارك، في أكثر من تصريح، على أن اللاعبين هم من صنعوا هذا الإنجاز بجهدهم وتفانيهم، ودعا الجماهير إلى الاستمتاع بالرحلة والوقوف خلف الفريق، معتبراً أن الوصول إلى دور الستة عشر سيكون إنجازاً تاريخياً يستحقه الشعب الاسكتلندي بعد سنوات طويلة من الانتظار.





