
لم تنتظر ماريا ديل كارمن أباسكال، المعروفة في إسبانيا باسم «ماري كارمن»، أن تفتح باب منزلها من جديد. رحلت في 7 أكتوبر، عن عمر ناهز 87 عاما، من مستشفى غريغوريو مارانيون في مدريد، بعدما أمضت أيامها الأخيرة بعيدة عن الشقة التي عاشت فيها أكثر من سبعة عقود، والتي تحولت من منزل آمن إلى محور لإحدى أكثر الأزمات الاجتماعية إثارة للجدل في إسبانيا.
إعداد: سهيلة التاور
كانت ماري كارمن أُخرجت من منزلها في حي ريتيرو في 23 شتنبر، على نقالة، بعدما عجز معاشها التقاعدي عن مواكبة الزيادة الكبيرة التي فرضها مالك العقار على إيجار شقتها. وبعدها بأيام، وتحت ضغط احتجاجات شعبية واسعة، توصلت ماري إلى اتفاق مع الشركة المالكة يسمح لها بالعودة إلى المنزل بعقد جديد وبإيجار يتناسب مع دخلها.. لكن الاتفاق جاء متأخرا. بقيت ماري كارمن في المستشفى، ولم تتمكن من توقيع العقد أو العودة إلى المكان الذي أمضت فيه معظم حياتها.
وبينما كانت قضيتها تتحول إلى رمز وطني لأزمة السكن، كانت الحكومة الإسبانية تخوض بدورها مواجهة سياسية داخل البرلمان بشأن إجراءاتها لمعالجة الأزمة. وفي 2 أكتوبر أسقط البرلمان مرسومين حكوميين مرتبطين بملف السكن، قبل أن يعلن رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في 5 أكتوبر الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر. وبعدها بيومين فقط، توفيت ماري كارمن، لتصبح وفاتها محطة جديدة في قضية كانت تجاوزت، منذ أسابيع، حدود نزاعها الفردي.
71 عاما في منزل واحد.. ثم جاء الإخلاء
بدأت قصة ماري كارمن مع ذلك المنزل عام 1956، عندما استأجر والدها الشقة في مدريد. وبعد وفاته واصلت ابنته العيش فيها ودفع الإيجار، مستفيدة من نظام قديم حد من الزيادات وحافظ على استقرار الإيجار لعقود طويلة.
كانت حياتها بسيطة ومستقرة. معاشها التقاعدي كان يغطي احتياجاتها الأساسية من الطعام والدواء والسكن، وكانت تعرف أن المنزل الذي عاشت فيه منذ شبابها سيظل مكانها الآمن.
لكن هذا الاستقرار انتهى بعد انتقال ملكية العقار عام 2018 إلى شركة استثمارية. ومع تغير المالك، تغيرت أيضا قواعد العلاقة الإيجارية. بدأت الشركة في محاولة إنهاء العقد القديم ورفع قيمة الإيجار بشكل كبير، مستفيدة من ثغرة قانونية أتاحت رفع الإيجار من نحو 500 يورو إلى 2650 يورو شهريا، قبل أن يتراجع المبلغ المطلوب لاحقا إلى نحو 1650 يورو.
حتى الرقم الأخير كان أعلى من معاش ماري كارمن، الذي تراوحت التقديرات بشأنه بين 1350 و1400 يورو شهريا.
لم تكن المسألة مجرد خلاف حول قيمة الإيجار. بالنسبة إلى امرأة في السابعة والثمانين، تعاني من إعاقة وتستخدم كرسيا متحركا، كان ارتفاع الإيجار يعني عمليا فقدان القدرة على البقاء في منزلها.
ومنذ عام 2020 واجهت ماري كارمن محاولات متكررة لإخلائها، وخاضت معارك قانونية دفاعا عن حقها في البقاء، قبل أن تصل القضية في شتنبر إلى لحظتها الأكثر قسوة.
23 شتنبر.. مشهد أشعل إسبانيا
في 23 شتنبر تجمع متضامنون أمام المبنى في محاولة لمنع تنفيذ الإخلاء. كان بينهم نشطاء وجيران وشباب، وارتفعت الهتافات المطالبة ببقاء ماري كارمن في منزلها.
حضرت الشرطة لتنفيذ قرار الإخلاء وأُخرج المتظاهرون من مدخل المبنى وفرضت قوات الأمن طوقا حول المكان، فيما حاول نشطاء عرقلة العملية. وفي النهاية غادرت ماري كارمن منزلها على نقالة، قبل أن تنقل إلى المستشفى إثر تدهور حالتها الصحية نتيجة الإجهاد والضغط الذي رافق عملية الإخلاء.
كان المشهد صادما بالنسبة إلى الإسبان: امرأة في السابعة والثمانين، أمضت 71 عاما في منزل واحد، تغادره محمولة على نقالة بعدما أصبحت عاجزة عن دفع الإيجار الجديد.
في تلك اللحظة لم تعد ماري كارمن مجرد مستأجرة تخوض نزاعا مع مالك عقار. تحولت صورتها إلى صورة لأزمة أكبر، يشعر فيها ملايين الإسبان بأن أسعار السكن تتحرك بسرعة أكبر من قدرتهم على تحملها.
من امرأة مسنة إلى رمز وطني
لم تتوقف ماري كارمن عن المقاومة بعد دخولها المستشفى، ومن هناك وجهت رسائل إلى المتضامنين معها، مطالبة إياهم بمواصلة الاحتجاج.
قالت لهم: «أرجوكم، واصلوا النضال»، ودعتهم إلى الشجاعة والاستمرار في الاعتصام والدفاع عن حقهم في السكن.
كانت كلماتها كافية لتحويل قضيتها إلى شعار. خرج المحتجون في مدريد ومدن إسبانية أخرى ورفعوا صورها ولافتات كتب عليها «كلنا ماري كارمن»، فيما تحول منزلها إلى نقطة تجمع للمتضامنين.
وفي ساحة بويرتا ديل سول الشهيرة في مدريد، نصب المحتجون خياما وأقاموا اعتصاما مفتوحا، مطالبين الحكومة بتعزيز حماية المستأجرين، والحد من ارتفاع الإيجارات ووقف الإخلاءات التي تطول الفئات الأكثر هشاشة.
اتسعت رقعة الاحتجاجات خارج العاصمة، فيما انضم مشاهير وشخصيات عامة إلى حملة التضامن. وبحسب اتحاد المستأجرين، شارك نحو 950 ألف شخص في احتجاجات شهدتها مناطق مختلفة من البلاد خلال إحدى موجات التعبئة، في رقم يعكس حجم الغضب الذي تجاوز قضية ماري كارمن نفسها. فيما حظيت قضيتها باهتمام دولي، وكانت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دعت، قبل تنفيذ الإخلاء، إلى حمايتها وتوفير سكن بديل مناسب لها.
وأبدى البابا لاوون الرابع عشر انتقاده لنظام يسمح بإخراج امرأة مسنة وذات إعاقة من منزلها، محذرا من تفاقم أزمة السكن ومؤكدا على ضرورة معالجة أسبابها.
اتفاق لثماني سنوات.. عودة لم تتم
مع اتساع الاحتجاجات، بدأت ملامح انفراجة تظهر في 29 شتنبر.
توصلت ماري كارمن، عبر محاميتها، إلى اتفاق مع الشركة المالكة يسمح لها بالعودة إلى منزلها بعقد جديد لمدة ثماني سنوات، وبإيجار يتناسب مع دخلها، بحيث لا يتجاوز نحو 30 بالمئة من دخلها الصافي.
وصفت المحامية بياتريث دورو الاتفاق بأنه ثمرة مباشرة للتعبئة الاجتماعية، مشيرة إلى أن الطرفين أظهرا حسن نية في الوصول إلى حل.
للحظة بدا أن النهاية ستكون سعيدة: ماري كارمن ستخرج من المستشفى، وتوقع العقد، ثم تعود إلى الشقة التي عاشت فيها أكثر من سبعة عقود.. لكن الاتفاق بقي حبرا على ورق.
في 7 أكتوبر، توفيت ماري كارمن في المستشفى، قبل أن تتمكن من توقيع العقد والعودة إلى منزلها.
هكذا جاء الحل القانوني بعد الإخلاء بأيام، لكنه لم يصل في الوقت الذي يسمح لها فعليا باستعادة حياتها داخل بيتها.
موتها يضاعف الغضب
بعد الإعلان عن وفاة ماري كارمن، تجمع مئات المتضامنين أمام منزلها، ووضعوا الزهور وأشعلوا الشموع وتركوا رسائل التأبين، بينما تواصلت الاحتجاجات في مدريد ومدن أخرى.
ردد المحتجون «ماري كارمن حية والنضال مستمر» و«كلنا ماري كارمن»، فيما رفع آخرون شعار «لكي لا تكون هناك ماري كارمن أخرى».
قدم رئيس الوزراء بيدرو سانشيز تعازيه، معبرا عن تضامنه مع كل من شعر بأن خسارتها تمسه شخصيا. وكان سانشيز خاطب ماري كارمن قبل تنفيذ الإخلاء، متعهدا بأن تعمل حكومته على الدفع نحو إجراءات جديدة في مجال السكن.
في المقابل دعا زعيم الحزب الشعبي المعارض، ألبرتو نونييث فيخو، إلى عدم تحويل وفاة ماري كارمن إلى مادة انتخابية، مؤكدا أن وفاة شخص تستوجب الاحترام. أما حزب فوكس اليميني المتطرف فوجه انتقادات مباشرة إلى حكومة سانشيز وحملها مسؤولية ما حدث، متهما إياها باستغلال القضية سياسيا.
وبذلك دخلت وفاة ماري كارمن، التي جاءت بعد الدعوة إلى الانتخابات المبكرة، قلب السجال السياسي من دون أن تكون السبب المباشر في قرار الانتخابات.
من أزمة السكن إلى أزمة البرلمان
كانت أزمة ماري كارمن جاءت في لحظة كانت فيها إسبانيا تعاني أصلا من أزمة سكن متفاقمة. فأسعار المنازل والإيجارات ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فيما اتسعت الفجوة بين الدخول وتكاليف السكن. ويقدر بنك إسبانيا أن البلاد تعاني نقصا يقارب 750 ألف وحدة سكنية، وقد يرتفع العجز إلى نحو مليون منزل بحلول 2028.
في المدن السياحية الكبرى، زادت المشكلة تعقيدا بسبب انتشار الشقق السياحية والإيجارات قصيرة الأجل. وفي برشلونة ارتفعت الإيجارات بقوة خلال العقد الماضي، فيما أعلنت السلطات خططا لإنهاء تراخيص الشقق السياحية بحلول 2029، بما يمكن أن يعيد آلاف الوحدات إلى سوق السكن.
وكانت الاحتجاجات سبقت قضية ماري كارمن بسنوات. ففي أكتوبر 2024، خرج نحو 12 ألف شخص في مدريد للمطالبة بسكن بأسعار معقولة، تحت شعار «السكن حق وليس تجارة». فيما شهدت جزر الكناري وبالما دي مايوركا ومناطق سياحية أخرى احتجاجات مماثلة.
لكن قصة ماري كارمن منحت الأزمة وجها إنسانيا يصعب تجاهله.
فبدلا من أرقام أسعار العقارات ونسب ارتفاع الإيجارات، أصبح الإسبان أمام صورة امرأة مسنة تفقد منزلها بعد 71 عاما من الإقامة فيه.
إسقاط مرسومين.. أزمة سياسية
أمام تصاعد الغضب، تحركت حكومة بيدرو سانشيز لطرح إجراءات تهدف إلى تخفيف أزمة السكن وتعزيز حماية المستأجرين، وشملت حزمة التدابير مقترحات للحد من الإخلاءات، وتنظيم الإيجارات، وزيادة السكن الميسر، وتشديد القيود على بعض عمليات شراء الشركات للعقارات السكنية.
غير أن الحكومة الاشتراكية لم تكن تملك أغلبية برلمانية مستقرة تسمح لها بتمرير جميع إجراءاتها بسهولة.
وفي 2 أكتوبر رفض البرلمان مرسومين حكوميين مرتبطين بملف السكن. وكان سقوطهما ضربة سياسية للحكومة، لأنه كشف، مرة أخرى، صعوبة تمرير مشاريعها في برلمان منقسم، في وقت كانت أزمة السكن تتحول إلى واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية في البلاد.
وبعد ثلاثة أيام، في 5 أكتوبر، أعلن سانشيز الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر.
وبالتالي فإن التسلسل السياسي كان واضحا: تصاعد أزمة السكن والضغط الاجتماعي، ثم تعثر الحكومة في تمرير تدابيرها داخل البرلمان، وبعد ذلك جاء قرار الدعوة إلى انتخابات مبكرة. أما وفاة ماري كارمن فجاءت لاحقا، في 7 أكتوبر، أي بعد الإعلان عن الانتخابات بيومين.. لكن وفاتها زادت من ثقل القضية في النقاش الانتخابي، بعدما أصبحت أزمة السكن أحد الملفات الأكثر حساسية بالنسبة إلى الناخبين.
إضراب قبل الانتخابات.. القضية تتجاوز كارمن
لم تتوقف التعبئة عند الاحتجاجات، إذ أعلنت نقابات عمالية ونقابات للمستأجرين عن إضراب عام مقرر في 11 نونبر، أي قبل الانتخابات التشريعية المبكرة المقررة في 29 نونبر.
هكذا أصبحت أزمة السكن جزءا من المناخ السياسي الذي ستجري فيه الانتخابات، بعد أن بدأت أصلا كقضية اجتماعية وقانونية تخص آلاف المستأجرين، ثم اكتسبت زخما إضافيا مع قصة ماري كارمن.
لم تكن القضية مرتبطة، فقط، بالسياسات الحكومية، بل، أيضا، بطبيعة سوق العقار الإسباني نفسها، وبالنقص في المساكن، وارتفاع الطلب، والتوسع السياحي، والهجرة والنمو السكاني، وانتشار الإيجارات قصيرة الأجل والمضاربات العقارية.
أزمة أقدم من ماري كارمن
اختزال أزمة السكن الإسبانية في قصة ماري كارمن وحدها سيكون تبسيطا لقضية تراكمت على مدى سنوات.
فإسبانيا انتقلت، خلال العقود الماضية، من أزمة فائض المساكن التي أعقبت انفجار فقاعة العقارات إلى نقص حاد في المعروض، في وقت تزايد الطلب بفعل النمو السكاني والسياحة والهجرة.
ورغم أن نحو 73 بالمئة من الإسبان يمتلكون مساكنهم، فإن أكثر من نصف الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما يعيشون مع آبائهم أو يعتمدون عليهم في تكاليف المعيشة. فيما ارتفعت أسعار المنازل بوتيرة تفوق نمو الأجور، ما دفع مزيدا من الإسبان إلى سوق الإيجار، حيث المنافسة أشد والأسعار أعلى.
لذلك لم تكن ماري كارمن هي التي صنعت أزمة السكن، ولم تبدأ احتجاجات الإسبان بسبب قصتها وحدها، إلا أنها أصبحت رمزا مكثفا لأزمة كانت موجودة قبلها بسنوات، وجسدت في قصة شخصية واحدة ما تعانيه شرائح واسعة من المجتمع.
المرأة التي رحلت قبل أن ترى نهاية معركتها
كانت ماري كارمن تتمنى أن تعود إلى غرفتها، الغرفة التي شهدت حياة عائلتها ووفاة والديها، وأن تستعيد تفاصيل حياتها القديمة. وكانت تقول إنها ستقاتل حتى النهاية. قاتلت فعلا، لكنها رحلت قبل أن تصل إلى النهاية التي أرادتها.
خرجت من منزلها على نقالة، ثم خرجت قصتها من حدود ذلك المنزل إلى الشوارع والساحات والبرلمان. وبعدها تحولت إلى أحد أبرز رموز أزمة السكن في إسبانيا، فيما استمرت المواجهة السياسية حول كيفية معالجة الأزمة.
غير أن الأهم أن قصتها كشفت أن أزمة السكن لا تتعلق فقط بأرقام الأسعار والإيجارات، بل بأشخاص يمكن أن يفقدوا المكان الذي عاشوا فيه عقودا لأن دخلهم لم يعد قادرا على مجاراة سوق العقار.
رحلت ماري كارمن قبل أن تعود إلى بيتها، لكن قضيتها بقيت في الشوارع والساحات والبرلمان. ومن هنا أصبحت قصتها أكبر من امرأة فقدت شقتها، أصبحت عنوانا لمعركة إسبانيا مع سؤال السكن، ومع الخوف من أن تتحول حكايتها من استثناء مؤلم إلى مصير يتكرر مع آلاف الأسر.




