
يونس جنوحي
لم يحقق المهدي المنبهي أي أهداف سياسية بعد عودته من رحلة الحج، فمع نهاية سنة 1904 كان متقاعدا رسميا. لم يسأل عنه أحد في فاس، وهو بدوره لم يرسل أي تبرير لعدم عودته إلى داره، هناك، المجاورة للقصر الملكي.
بحسب أرشيف المفوضية البريطانية بطنجة، في مراسلة تعود إلى يناير 1905، كان المنبهي دائم الاجتماع بالوزير المفوض البريطاني، وكان يقدم تعليقا على كل الأخبار الواردة من فاس، مبررا أسباب فشل المخزن، وقتها، في إخماد ثورة بوحمارة التي كانت على أشدها.
إشاعات تُلاحق الوزير
بمجرد أن شاع في فاس خبر مغادرة المنبهي لها، تنفس أعداؤه -الوزراء خصوصا- الصعداء، وبدأت تسري إشاعات بخصوص طرده من «جنة» المخزن، وكيف أن السلطان لم يقبل عذره بشأن عدم اعتقال بوحمارة رغم نجاحه في طرده من تازة، التي كان يتخذها حصنا لمهاجمة المخزن.
ترك المنبهي خلفه «جيشا» صغيرا من الأيتام، بينهم موظفون في المخزن وخدم داخل القصر الملكي. الكثيرون كانوا مدينين له لأنه أدخلهم إلى دار المخزن.
من بين الإشاعات التي سرت في فاس، بعد مغادرة المنبهي لها أن بوحمارة، الجيلالي الزرهوني، كان يعرف المنبهي مسبقا، وأن علاقتهما تعود إلى أيام المولى الحسن الأول (1873-1894) حيث قادتهما الأقدار ليصبحا معا سجينين في مراكش.
نمت بين الرجلين صداقة متينة داخل السجن، وكان كل واحد منهما معتدّا بنفسه. وفي إحدى خلواتهما في السجن، قال المنبهي إنه سوف يصبح وزيرا في يوم من الأيام، فما كان من الجيلالي الزرهوني إلا أن رد عليه: «إذا أصبحت أنت وزيرا، أقسم أنني سأصير أنا سلطانا».
مرت السنوات وغادر الاثنان السجن، وصار المنبهي قائدا للفراش في القصر الملكي في مراكش، وقاده قدره فعلا ليصبح وزيرا، فسمع الزرهوني الخبر وأقسم أنه سيصير سلطانا للمغرب «برّا» بقسمه الذي قطعه على نفسه في السجن.
من بين الإشاعات الأخرى، التي لاحقت سيرة المنبهي بعد رحيله عن فاس، أنه سرق خزينة الدولة.. لكن هذه الإشاعة لم يكن وراءها أي دليل، سيما وأنه انتقل إلى العيش بطنجة، واستقر فيها مباشرة بعد عودته من الحج، ولم يكن استقراره فيها سرّا. كان المنبهي صديقا لخليفة السلطان في طنجة، ولو أنه فعلا اختلس من خزينة الدولة لما كانت لديه الجرأة على التعامل مع المخزن.
وزير «مُغترب»؟
مع مطلع سنة 1905، كان المنبهي انتهى من اتخاذ جميع الاحتياطات التي تضمن له عيشا كريما في طنجة الدولية.
كان هاجسه الوحيد ألا تطوله سلطة الوزراء الذين كانوا يناصبونه العداء. فقد بلغ إلى علمه مرة -كما تؤكد وثائق مراسلات المفوضية البريطانية في طنجة الدولية- أن بعض وزراء المولى عبد العزيز أشاروا عليه باستدراج المنبهي ليعود إلى فاس، حتى يُلقى عليه القبض ويودَع السجن.. لكن المولى عبد العزيز لم يُلق بالا لذلك المقترح.
وبحسب ما يؤكده أرشيف المفوضية البريطانية في طنجة، فإن الوزير المنبهي كان استخرج وثائق رسمية من المفوضية، تؤكد أنه صار محميا بريطانيا ومنح الحماية لأسرته كاملة. وطلب من الوزير المفوض البريطاني أن يُبقي الأمر سرا، وألا يشيع خارج بناية المفوضية.
وفعلا عاش المنبهي على تلك الحال، مُخفيا سلاح «المحمي» ولم يشهره في وجه المخزن إلا في مرحلة لاحقة.
كان أعداء المنبهي في جهاز المخزن يضيعون وقتهم إذن، ففي الوقت الذي كانوا يبحثون فيه عن موافقة من السلطان لاستدراج المنبهي إلى فاس لاعتقاله والزج به في السجن، كان هذا الأخير يحتفظ بالجواز الإنجليزي سرا، ليشهره في وجه الجميع، في الوقت المناسب.
والحقيقة أن المنبهي لم يكن يبحث عن الصدام مع أي طرف عند استقراره في طنجة الدولية. اقتنى قصرا وعمل على تجهيزه بنفسه، واستغل علاقته بالإنجليز ليسهلوا له اقتناء أغراض كثيرة يؤثث بها قصره، وكان هدفه أن يحصد إعجاب ضيوفه ويعمل على إبهار المحيطين به.. كان هم المنبهي، في الفترة ما بين 1905 و1908، أن يرسخ لدى الجميع فكرة أنه لازال يعيش المجد، وأنه لازال شخصية سامية وأن مغادرته فاس لم تؤثر على مكانته.
أهم تجار طنجة الدولية صاروا أصدقاء للمنبهي، أما الوزير المفوض البريطاني «السير نيكولاس» فلم يكن يغادر إقامة المنبهي إلا ليتوجه إلى مكتبه في مقر المفوضية البريطانية.
حافظ المنبهي على حراسه القدامى، وجلبهم معه من قصر فاس، وأبقى على الخدم الذين كانوا في داره في فاس، وكأنه يبعث رسالة إلى من كان يهمهم أمره، مفادها أن المنبهي لازال يعيش أزهى أيامه.





