
كان الحسن الثاني مهندسا للمشاركة المغربية في أول مونديال سنة 1970، ففي الاجتماع الذي دعا إليه لاعبي المنتخب الوطني، وغبت عنه لظروف صحية قاهرة، رسم الملك خطة المونديال أمام استغراب المدرب اليوغوسلافي، خاصة حين تحدث، بنبرة العارف بالأمور البدنية والتقنية، عن مضاعفات خوض مباريات في مدن فوق مستوى سطح البحر بكثير، وقال إن مدينة ليون المكسيكية ترتفع بأزيد من 1800 متر عن مستوى البحر، ما يتطلب مضاعفة المجهود البدني.
وقال الملك: «كأس العالم عندو مولاه باش نكونوا واقعيين»، وركز في مداخلته على الجانب الأخلاقي، مشيرا إلى دور الكرة في إشعاع البلد وجعل العالم يتعرف على المغرب. وحتى لا أنسى فقد التفت الملك إلى رئيس الجامعة، آنذاك، عمر بوستة، وقال له: «إذا خرج أي لاعب أو مؤطر عن النص وصدر عنه أي سلوك منافٍ للأخلاق، أعيدوه إلى المغرب مع أول طائرة»، هذه الجملة جعلتنا نتبادل النظرات في ما بيننا.
كان الحسن الثاني ملكا عارفا بالكرة، يفهم أدق تفاصيلها متابعا لها، وهذا هو السبب الذي يجعل المنتخب المغربي تحت إشراف الملك وليس الجامعة، ولقد ورث جلالة الملك محمد السادس من والده عشق الكرة وأصبح يغدق على اللاعبين.
لا تخلو أي بعثة رياضية من غياب لاعب أو لاعبين يستحقون التواجد في المنتخب أو في النادي، هذا أمر عادي ومتعارف عليه ليس في المغرب فقط بل حتى خارجه. بالنسبة للمنتخب الذي شارك في نهائيات كأس العالم بالمكسيك سنة 1970، غابت وجوه وحضرت أخرى، خاصة في ظرف زمني استثنائي كان يتميز بتدخل السلطة في كرة القدم وكان لكل فريق تقريبا رجل سلطة يحكمه ويحميه. بالنسبة للمنتخب الوطني سقطت بعض الأسماء من اللائحة وكان المدرب اليوغوسلافي فيدنيك في حيرة من أمره.
تزامن اليوم الافتتاحي لكأس العالم 1970 بالمكسيك مع واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية التي ضربت البيرو، ويتعلق الأمر بزلزال أسفر عن مقتل أزيد من 75 ألف مواطن، تسرب خبر إمكانية مغادرة منتخب البيرو بطولة كأس العالم والعودة إلى بلاده المنكوبة، لكن تبين أن ذلك مجرد إشاعة.. بل إن الجمهور الذي تابع المونديال تعاطف مع البيرو، ويمكن القول إن البيرو «شمتونا» في مونديال 1970، حين هزمونا بثلاثية، فقد كانت كل المؤشرات تسير في اتجاه إلغاء المباراة، بسبب الزلزال، حيث تقاطرت الوفود على مقر إقامة بعثة المنتخب البيروفي تقدم العزاء وتعلن التضامن، نمنا على وسادة إلغاء المباراة أو تأجيلها، لكن كوبياس، نجم المنتخب البيروفي، دعا زملاءه إلى خوض المباراة وإهداء الانتصار لشعب مكلوم، والنتيجة لم تكن منتظرة. العامل الوحيد الذي ساعد الخصم على الانتصار هو عدم قدرتنا على التكيف مع الارتفاع عن سطح البحر عكس خصمنا الذي ينتمي لأمريكا اللاتينية وكان مدعما بجماهيرها.
بعد العودة من المكسيك، استمر المدرب فيدنيك في مهامه، ودخلنا تصفيات أولمبياد ميونيخ وإقصائيات كأس إفريقيا التي تقرر أن تقام في الكاميرون، لتكون أول مشاركة للمنتخب المغربي في «الكان».
كان علينا مواجهة المنتخب الجزائري، في ظرفية تميزت بالتوتر السياسي بين المغرب ومصر وبين المغرب والجزائر، وساهم الحكم في هزيمة المنتخب المغربي وطرد قطب الدفاع المغربي السليماني، خلال مباراة الذهاب في الجزائر العاصمة، إلا أن الفريق الوطني المغربي سيؤجل الثأر إلى مباراة الإياب بالدار البيضاء.
كانت العلاقات بين البلدين متوترة، لذا حرص الرئيس الجزائري هواري بومدين على متابعة مباراة الذهاب في ملعب «العناصر» بالجزائر، ونزل إلى مستودع الفريق الجزائري لتشجيعه على هزمنا، فيما لعب الحكم التونسي دورا كبيرا في رسم الانتصار الجزائري، حين طرد المدافع السليماني مبكرا، انهزمنا بثلاثة أهداف لهدف واحد سجلته مع بداية اللقاء لكننا لعبنا أغلب أطوار المواجهة بنقص عددي، وتم الاعتداء بطريقة همجية على اللاعب الفيلالي الذي جاء من وجدة لمتابعة المباراة من المدرجات.
قبل مباراة الإياب، وحين كان اللاعبون يتوجهون إلى الملعب الشرفي على متن الحافلة، قرأ المدرب اليوغوسلافي فيدنيك التشكيلة على مسامع الجميع، وختمها بالقول: «هذه التشكيلة حددها الملك الحسن الثاني ولا دخل لي فيها»، كان المدرب وعد اللاعبين الزهراوي وغاندي بخوض المباراة إلا أن قرار الملك حولهما إلى كرسي البدلاء، إلا أن الغريب في النزال أن المغرب انتصر بثلاثة أهداف دون رد، سجلها كل من بيتشو وباموس ثم بوجمعة.
فاز منتخب الحسن الثاني على منتخب هواري بومدين وتمكن المغرب من العبور لأول مرة إلى نهائيات كأس إفريقيا للأمم التي نظمت بالكاميرون، وكتبت الصحف عنوانا كبيرا «حرف الباء يهزم الجزائر»، في إشارة إلى الأهداف المسجلة من طرف بينيني (في مباراة الذهاب) وبيتشو وباموس ثم بوجمعة (إيابا).
بعد هذه المباراة اختفى المدرب فيدنيك، قبل أن نعلم بتوقيعه لفائدة منتخب الزائير، حينها قرر الملك الحسن الثاني، الذي كان متيما بحب ريال مدريد، الاستعانة بمهاجم الفريق الملكي في الأربعينات سابينو باريناكا، الذي انتقل على وجه السرعة من إسبانيا إلى المغرب للتفاوض في شأن تدريب فريق الجيش الملكي، قبل أن يجد نفسه مدربا للفريق العسكري والفريق الوطني.
قال الملك لسابينو إن تغييرات جذرية عرفها الفريق العسكري بعد الانقلاب العسكري للصخيرات، وأن الوضع الحالي يحتاج إلى فريق كرة لا مجموعة من العساكر، مؤكدا على الحس الهجومي.
تم التعاقد في جو يسوده الاحتقان، لأن الفترة التي أشرف فيها باريناكا على تدريب الجيش والمنتخب، تميزت بأجواء الانقلاب، ولسوء حظ التشكيلة المغربية، التي كان يقودها الإسباني سابينو، خرجت من الدور الأول من نهائيات كأس إفريقيا 1972 بالكاميرون، بعد الاحتكام إلى القرعة إثر تساويها في النقط مع منتخب الكونغو برازافيل بطل الدورة ثلاث نقط لكل منهما.
انتظر المغاربة إلى غاية عام 1972 ليعيشوا أول تأهل للمنتخب الوطني إلى نهائيات كأس أمم إفريقيا التي أقيمت حينها بالكاميرون واحتضنتها ياوندي ودوالا.
هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا عرفت مشاركة ثمانية منتخبات تم تقسيمها إلى مجموعتين، حيث أوقعت القرعة المنتخب الوطني المغربي في المجموعة الثانية إلى جانب منتخبات زائير والكونغو والسودان.
واستهل المنتخب الوطني المغربي مشواره في تلك الدورة بتعادل أمام الكونغو بهدف لمثله سجلته في النصف ساعة الأول، وتعادلنا في المباراة الثانية مع السودان بهدف لمثله سجلته أيضا في التوقيت نفسه، ثم تعادلنا في المباراة الثالثة ضد زائير بهدف لمثله سجلته في التوقيت ذاته.
ورغم أن المنتخب الوطني جمع ثلاث نقاط إلا أنه أقصي من دور المجموعات، بالقرعة التي منحت التأهل لمنتخب الكونغو، الذي أحرز لقب هذه النسخة.
ويكفي أن نعرف أن الراحل الحسن الثاني كان رئيسا شرفيا لأول جامعة في تاريخ الكرة المغربية لنقف على مدى التدخل «الخارجي» في شؤون الجامعة والمنتخبات، وكيف كان ملك البلاد يستدعي وزيرا أو رئيس جامعة ليزف إليه خبر إقالة هذا المدرب وتعيين آخر، قبل الجمع بين تدريب الفريق الوطني ونادي الجيش الملكي، الذي كان الحسن الثاني وراء تأسيسه حين كان وليا للعهد.





