
يبني المهاجر دارا كبيرة، ينفق عليها بسخاء كبير، ويستغل من يوكل لهم أمر ورش البناء بُعْدَهُ للنفخ في الفواتير وزيادة الكلفة، لكنه لا يكترث لذلك، وما يهمه، رغم تعرضه لاحتيال بشع، هو أنه صارت له دار بمدينة من مدن الريف، دار كبيرة يتباهى بها، دار تُرى من بعيد، ويقول عنها الناس بأنها دار فلان ابن فلان، الذي كان يسكن في الدوار الفلاني. هذا هو أول انتصار للمهاجر: بناء دار أو عمارة وفتح مشروع تجاري. الانتصار الثاني هو جمع العائلة في تلك الدار.
حين يكون المهاجر بصدد وضع التصميم للبناية التي سيفاخر بها الآخرين، يفكر في كل شيء: حجرات الأولاد، وحجرات الأحفاد، والصالون الكبير الذي سيذهل كل من يدخله بنقوشه وثرياته وأثاثه، والذي سيقيم فيه ولائم حفلات زواج أولاده، وعقيقات أبنائهم، وحفلات ختان الذكور، وصدقات قراءة القرآن وإبعاد الأرواح الشريرة. سيوفر كل الأجهزة المنزلية، وسيضع مكيف هواء في كل حجرة، وسيحلم بعائلته الممتدة وهي مجتمعة في مكان واحد تستمتع بمباهج الحياة ولذاتها.
لكن الأمور لا تسير هكذا، في الغالب الأعم، تبقى معظم الدور مغلقة، ويَتعذّر أو يَستحيل تجمع العائلة كلها. تصير للأبناء اهتمامات بعيدة عن أحلام الآباء، وتصير لهم حياة خاصة، ويؤسسون أُسرا لا تعرف الريف إلا بشكل سطحي وعابر. يولد أحفاد يعبدون الهواتف، ويفضلون الألعاب الإلكترونية على حكايات الجدات، أحفاد لا يريدون من الريف سوى روحه الفلكلورية، وسرعان ما يسأمون من كل ما يُعرض عليهم، ويتبرمون من كل شيء ويطالبون بالعودة من حيث أتوا.
هناك متخيل ريفي لكل جيل من أجيال الهجرة، فريف الجهد والعرق والتضامن والفاقة والحنين والنشيج والمآسي، بالنسبة لجيل المهاجرين الأوائل، ليس هو جيل المأكولات الشهية والمنتوجات المحلية والشواطئ البكر وحرارة العلاقات الاجتماعية بالنسبة للجيل الثاني جيل الأبناء. أما جيل الأحفاد فجاء حين تحول كل شيء إلى فرجة، وصار كل واحد يريد جمهوراً يتابعه وهو يعيش، إنه جيل الاستعراض في السياقة وفي المظهر وفي أشكال التواصل، جيل العيش في العالم الافتراضي الذي يقتل كل حس بالحياة الملموسة والواقعية.
وبقدر ما كان الجيل الأول متديناً -ولكن ذلك التدين المغربي المعتدل والوسطي، الذي ينشغل فيه الواحد بتقواه- فإن الجيل الثاني سيفرز، في تصريف لأزمة الهوية، بعض أشكال التدين الأصولي الذي يحلم بالخلافة ويندد بجاهلية القرنين العشرين والواحد والعشرين. بدأ يتجلى ذلك في التسعينيات، حين ظهر الحجاب واللباس الأفغاني، وبدأت اللحى تطول، وصار البعض ينكر كل ما يراه بدعوى مخالفته للشرع. ستمر هذه الموجة مخلفة الكثير من الآثار على روح المنطقة، التي عملت الهجرة وتجارة التهريب وتجارة المخدرات، في كثير من الأحيان، على ضبط شؤونها ومآلاتها.





