حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

الإدريسي يعود إلى الحياة

يونس جنوحي

 

صوت العقل لا بد أن ينتصر في النهاية. والعقلاء من علماء الجغرافيا قضوا عقودا وهم يدعون إلى مراجعة أبعاد الخرائط المعتمدة دوليا.

خرائط عنصرية، وضعها أناس مصابون بلوثة «جنون العظمة» في مراحل متقدمة، جعلت حجم أوروبا وأمريكا الشمالية يبدو أكبر من حجم القارة الإفريقية.

بينما الحقيقة أن القارة الإفريقية أكبر حجما. ولا يتعلق الأمر بالقارة الإفريقية وحدها، بل بدول آسيا مجتمعة، وروسيا التي تبدو في الخرائط المتعارف عليها أكبر من العالم نفسه.

زعماء حول العالم، حاولوا تعديل شكل الخريطة لكي تبدو «دولهم»، وكأنها مركز العالم. القذافي في ليبيا، جعل من بلاد طرابلس تبدو وكأنها قطب الرحى في القارة الإفريقية، وجعل أجيال من أبناء بلاده يعتقدون أن إنارة إفريقيا الليلية من الفضاء، مصدرها بنغازي وحدها.

وقبله في عز الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا، عمدت شركات طباعة الخرائط ومجسمات الكرة الأرضية إلى تعديل أشكال الحدود والحجم الحقيقي للدول، لكي تكون في خدمة السياسة.

الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت، نهاية الأسبوع الماضي، في نيويورك، قرارا يرمي إلى تحسين رسم الخرائط العالمية، التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، حتى تكون أكثر «تماشيا» -هكذا جاء في القرار- مع الحجم الحقيقي للقارات.

أي أن الأمم المتحدة تدعو «المتواطئين» في جريمة تشويه الحجم الحقيقي للدول إلى تعديلها قليلا، لكي تصبح أقرب فقط إلى الواقع، وليس اعتماد خرائط حقيقية.

القرار يعني أن حجم القارة الإفريقية سوف يصبح أكبر، بينما حجم الولايات المتحدة الأمريكية سوف يصبح أصغر.

عارضت الولايات المتحدة القرار بطبيعة الحال، بينما صوتت 164 دولة لصالحه، وامتنعت ست دول عن التصويت. وكانت جمهورية الطوغو في طليعة الدول التي طالبت بتعديل حجم القارة الإفريقية في الخريطة.

وهكذا سوف يكون بمقدور عالمنا الجليل، الشريف الإدريسي، أن ينام مرتاحا في قبره. فالرجل قبل ألف عام، كان أول من وضع خريطة في التاريخ، وهو بالمناسبة من مواليد مدينة سبتة سنة 1100 ميلادية.

وهذا الرجل لم يكتف فقط بتأليف الكتب في تخصص الجغرافيا وعلم الخرائط، الذي يعتبره الغرب أحد كبار مؤسسيه، بل مر إلى مرحلة التطبيق، وكان أول من وضع خريطة حقيقية للكرة الأرضية، ويظهر فيها حجم القارة الإفريقية أكبر من بقية القارات.. ورغم أن خريطة الإدريسي لم تكن تشبه خريطة العالم التي جرى اعتمادها بعد الحرب العالمية الأولى، إلا أن علماء الجغرافيا وصفوها بأنها أكثر دقة.

مات الإدريسي قبل أن تتأسس الولايات المتحدة الأمريكية بحوالي سبعة قرون كاملة، لكنه كان يعلم أن هناك بلادا أخرى خلف المحيط الأطلسي.

وعندما أصبح سكان العالم يعرفون شكل الكرة الأرضية من الفضاء بفضل الأقمار الاصطناعية، لم يتسن لهم مقارنة مساحات القارات مع حجم القارات المرسومة في الخرائط والمجسمات الكروية المعتمدة حول العالم.

لقد أجرى «جغرافيو المؤامرة» عمليات تجميل للكرة الأرضية. جعلوا الولايات المتحدة الأمريكية أكثر أناقة، وأوروبا كما لو أنها منقوشة في ميدالية. بينما شوهوا شكل اليابان، وبقية الدول. وعمل الروس على جعل بلادهم تبدو كما لو أنها أهم بلد في الخريطة. في حين أن جميع الدول التي استنزفت خيرات إفريقيا لقرون، جعلوها تبدو أصغر بكثير من حجمها الحقيقي، كما لو أنهم يعمدون إلى التقليل من حجم «المسروقات».

ابتداء من العام المقبل، سوف تُعتمد خرائط جديدة تظهر فيها القارة الإفريقية أكبر حجما، لكن هل سوف يجعل هذا القرار سماءنا أرحب؟

تعديل الخرائط لا بد أن يكون مكلفا. يتعين على المؤسسات الدولية الكبرى أن تغير الخرائط في إداراتها وفي المواقع الإلكترونية للمؤسسات الدولية، والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية.

وسوف تكون خيبة الإدريسي رحمه الله مضاعفة، إذا لم تستفد من هذه المبادرة سوى شركات الطباعة!

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى