
بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات البرلمانية، التي جرى اقتراعها يوم 23 شتنبر الجاري، تأتي مباشرة مرحلة تعيين رئيس الحكومة من قبل الملك محمد السادس، وتكليفه بتشكيل التحالفات المناسبة لتدبير الشأن الحكومي، وهو ما يطرح سيناريوهات متعددة للتحالفات الممكنة، ومدى تقاطع الأحزاب المشكلة لها في مجموعة من الأهداف والبرامج الانتخابية، بما يضمن تحقيق التفاهم وجودة التنسيق لمواجهة التحديات المستقبلية.
ولتشكيل تحالف حكومي قوي، يجب مراعاة مؤشرات التقارب في الأهداف وزوايا معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، مع اختيار بروفايلات وزارية تتوفر على الكفاءة والتجربة، وتمتلك القدرة على تحقيق التغيير وتقديم قيمة مضافة في القطاعات التي ستشرف عليها، إلى جانب التحلي بالمرونة السياسية المطلوبة لتنفيذ السياسات العمومية عبر الحوار، وتجنب جمود المرفق العمومي والإضرابات والاحتجاجات.
ومن أخطر ما يواجه التحالفات الحكومية التهافت على المناصب الوزارية، وكأنها غنيمة انتخابية، وانزلاق المفاوضات التي تتم بعيدا عن عدسات الكاميرات إلى مستوى الابتزاز والضغط على الحزب المكلف بتشكيل الحكومة، لأن كل تأخير أو تعثر في تشكيلها قد يكلف الصالح العام ثمنا باهظا، ويؤثر في دينامية العمل المؤسساتي وتنفيذ الالتزامات والبرامج الحكومية.
ولبناء تحالف حكومي قوي، يجب أن تكون الخلفية بعيدة عن العاطفة والتصريحات الطائشة، وعن حضور هاجس الخلافات الشخصية والصراعات الانتخابية، التي يفترض أن تنتهي بمجرد ظهور النتائج، باعتبار ذلك جزءا من العملية الديمقراطية. فالهدف الأسمى ينبغي أن يكون الوصول إلى تشكيلة حكومية منسجمة وقادرة على خدمة قضايا الوطن والمواطنين، والإجابة عن انشغالات الشباب وتطلعاتهم إلى مستقبل أفضل.
كما أن نجاح أي تحالف حكومي لن يقاس فقط بعدد الأحزاب المشاركة فيه، أو بحجم الحقائب الوزارية التي حصل عليها كل طرف، وإنما بقدرته على إنتاج سياسات عمومية واضحة، وتحقيق الانسجام داخل الأغلبية، وتسريع الإصلاحات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والاستماع إلى نبض المجتمع، خصوصا في القضايا المرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية. فالمغاربة لا ينتظرون مجرد حكومة مشكلة من تحالفات انتخابية يتم عرض صور قياداتها للرأي العام، وإنما ينتظرون حكومة قادرة على تحويل الوعود إلى نتائج ملموسة، وعلى تدبير المرحلة المقبلة بكفاءة ومسؤولية واستباقية.





