حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

التشغيل وخلق الثروة

عبد الرزاق الحجوي

كان أداء الكثير من المبادرات جد متواضع، منذ حكومة إدريس جطو، مثل حانوتي وإفلوسي… والتي ركزت على الشواهد وعلى تيسير التمويل، إذ كانت غير مجدية في حلحلة أزمة الشباب، لأن الشخص القادر على ريادة مقاولة ناجحة قبل هذا الشاب الغر عديم التجربة، مثل المهاجر الذي اكتسب تجربة في حقل ما، أو مهندس في الصناعة، أو أي إطار تشرب أسرار صنعة ما بأي مصنع، جل هذه الأصناف حتى لو توفرت لديه حصة مالية فإنه سيدفنها في سكن رئيسي أو ثانوي بنفس كلفة تشغيل ورشة صغيرة أو متوسطة في بلد آخر، أو قد يوظفها في إنشاء مقهى لاستقبال نفس من كان يمكنه تشغيلهم بنفس كلفة تجهيز ذلك المقهى لو نجحنا في التصحيح الجذري لأرضية الاستثمار وفي تعقيم مناخه كليا، أو سيجمد ماله في بقع أرضية، لأنه لن يستطيع أن يفكر في توظيف خبرته في إطلاق ورشة صناعية متوسطة أو صغيرة، بسبب استحالة منافسة كلفة نفس المنتوج مع كلفة نظيره المصنع في إسبانيا وفي تركيا أو الصين، بالرغم من الفرق الكبير في أجرة اليد العاملة، لكن الذي يقلب الآية هو سعر العقار كراءً وشراءً، ثم سعر الكيلو واط، زيادة على علو حواجز البيروقراطية التي هي الرديف الصريح للرشوة وللاحتكار وللانتهازية التي تعيش جنبا لجنب مع جميع وصفات القضاء على الفساد، والتي لا تمتلك قوتها وجبروتها إلا من ارتفاع نسب الإفلات من العقاب السهلة والمشجعة، مما يضمن سهولة تبخر الحقوق وضياعها بنسب هي أكثر من مقلقة.

وحتى أصحاب المصانع الصغرى والمتوسطة، المشتغلة حاليا، لا يجدون أريحية في التوسع وفي مضاعفة النشاط، فيكتفون بما لديهم أو يتوسعون بصعوبة حتى لو كانت لبعضهم القدرة على مضاعفة الإنتاج، فكيف للبعض أن يصور لنا أن حل معضلة الشباب تتلخص في التمويل والتكوين، لتتبخر عدة مبادرات مكلفة ماديا وزمنيا بعد محاولة استنبات مقاولات فتية على أرضية بهذه القسوة والخشونة، فهل يكفي جلب شخص من خارج السرب وتطعيمه ببعض الدروس والمال لتنتظر منه النجاح في بيئة قاسية وصعبة حتى على من ترعرع وسط سرب المقاولة والإنتاج؟ فهل يكفي صبغ عصفور وتطعيمه حتى يتحول إلى صقر في زمن قصير؟

إن جميع مقتنياتنا اليوم هي من هذه الدول بداية من الملابس الداخلية إلى الأدوات البسيطة إلى الأجهزة المنزلية والإلكترونية، التي تثقل كاهل الميزان التجاري الصامد بفضل تحويلات المهاجرين من العملة الصعبة وفيئ الصادرات، لأن رقم الواردات المتصاعد لا يُدفع إلا بالعملة الصعبة.

لقد فشلت هذه المبادرات المتسلسلة بسبب فشل المراهنة على قدرة قطاع الخدمات على استيعاب وتربية الفسائل الفتية، لأن الأصل في زيادة الطاقة الاستيعابية لقطاع الخدمات لا يتأتى إلا عبر مضاعفة القدرة الشرائية التي يعتبر قلبها النابض هو الأجور المستخلصة من قطاع الصناعة والإنتاج قبل أن تصرف من طرف هؤلاء الأجراء في الطلب على الخدمات المقدمة بجميع أنواعها، ولا يمكن لهذا القطاع أن يتوسع باستحداث فروع جديدة فقط وقبل أن تتضاعف كتلة الأجور كمغذ رئيسي للقدرة الشرائية. هذه القدرة الشرائية يجب قياس حجمها الخالص بعد خصم حجم القروض الاستهلاكية التي تضخ يوميا في السوق الداخلي، والتي قد تضر أكثر مما تنفع عندما تكون جل المقتنيات وأثمنها مستوردا من الخارج، لترسخ هذه القروض في النهاية خلل الميزان التجاري، ولتدعم القدرة الشرائية لمواطني البلد المصدر.

يجب، كذلك، ألا نتناسى، عند الحديث عن البطالة، أن نسبة مهمة ممن لا يحصون ضمن فئة المعطلين هم في الواقع شبه عاطلين عن الحياة، لأن أجرتهم لا تكفي لتحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم، كما تشتغل نسبة منهم دون احترام لقوانين الشغل نظرا لواقع سوق الشغل المختل من ضغط كفة الطلب المزمن، خصوصا في بعض الحواضر الرئيسية مثل وجدة فاس تازة مكناس…

لقد كان للاقتصاد الوطني اليوم بأن يلبي بضعفي المعدلات الحالية حاجيات الدخل الفردي والقومي معا، منذ نهاية الشوط الأول من الأوراش الكبرى فقط لو كانت عتبة الولوج إلى تشغيل المعامل الصغرى والمتوسطة هي نفسها عند الدول المنافسة، فالمقاولات الصغرى والمتوسطة هي عصب نجاح أي تجربة وليست الشركات العملاقة لوحدها فقط.

لن نضطر إلى اختراع العجلة من جديد، فقد كان كافيا لمليون هكتار تجهزها الدولة وتخصصها للمدن الصناعية بسعر التكلفة، مع تحضير خدمات قضائية وإدارية خاصة بهذه المدن، كان ممكنا اليوم، منذ اقتراح الفكرة قبل عقد ونيف، بلوغ الحد الأدنى للأجور ضعفي رقمه الحالي أو أكثر وكذلك الناتج القومي، لأن اتفاقيات التبادل الحر لولا خشونة وعلو هذه العتبة كانت ستضمن انتقال جل المصانع من تلك الدول إلينا بكل أريحية، لأن أرباب الإنتاج والصناعة ممن يمتلكون قدم سبق في تسويق وتوزيع منتجاتهم داخل تلك الأسواق العملاقة، كان حريا بهم خفض تكلفة الإنتاج ومضاعفة أرباحهم بالاستفادة من الفرق في الأجور بين الضفتين بعدما رفعت الحواجز الجمركية، لكن النتائج انقلبت ضد ميزاننا التجاري رغم أننا الأقرب جغرافيا لأكبر الأسواق من تركيا والصين وحتى من مصر التي تفتتح اليوم متاجرها الصغرى بعد تركيا لتسويق منتجاتها بنفسها داخل السوق الوطنية.

فحتى لو دخلت الأسواق الاستهلاكية التقليدية في نوع من الردة عن تحرير التجارة، فإن سوق الاستهلاك القارية تضمن بديلا يستطيع امتصاص أضعاف إنتاجنا الحالي من جميع أنواع المنتجات والسلع، فالمستقبل رهين بكيفية مضاعفة المنتوج الوطني الخالص إلى أقصى ما يمكن للاستفادة المثلى من المكتسبات المحققة ومن جميع العناصر والمميزات المكونة لهذا الفضاء.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى