«الشناقة» والمضاربون يلهبون الأسعار
يتحكمون في التوزيع والأسواق خارج رقابة السلطات ومجلس المنافسة

رغم الإجراءات الحكومية المعلنة من أجل حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضبط أسعار المواد الاستهلاكية، إلا أن الواقع يقول شيئا آخر، حيث تعرف أسعار مختلف المواد ارتفاعا صاروخيا، رغم وفرة العرض. ويرجع ذلك بالأساس إلى المضاربات في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، التي تؤدي إلى زيادات غير مشروعة في الأسعار، بالإضافة إلى تدخل الوسطاء و«الشناقة»، الذين يتحكمون في الأسعار داخل أسواق سوداء موازية لأسواق الجملة، وكذلك افتعال أزمات انقطاع بعض المواد، رغم توفرها بشكل كاف، حسب تأكيدات الوزارات المعنية. كما فضح مجلس المنافسة جشع بعض الشركات الكبرى الذي ساهم في ارتفاع التضخم، حيث تعمدت هذه الشركات الرفع من الأسعار، للزيادة في هوامش الربح بطريقة غير معقولة. وبدوره كشف تقرير أصدرته لجنة برلمانية استطلاعية، وجود اختلالات في أسواق الجملة للخضر والفواكه. ولحماية المستهلكين من مثل هذه الممارسات المشينة لبعض منعدمي الضمير، يتطلب الأمر اتخاذ إجراءات صارمة لحماية المستهلكين، وتفعيل دور مجلس المنافسة لممارسة صلاحياته الدستورية، ويتمتع المجلس بسلطة تقريرية في ميدان محاربة الممارسات المنافية لقواعد المنافسة.
إعداد: محمد اليوبي – النعمان اليعلاوي
مجلس المنافسة شرطي السوق في حماية المستهلك
يلعب مجلس المنافسة دورًا محوريًا في تنظيم الأسواق وضمان نزاهتها، بما يضمن حماية المستهلك وتعزيز العدالة الاقتصادية. فبينما تسعى السوق الوطنية إلى تحقيق التوازن بين حرية الأسعار وتشجيع المنافسة بين الفاعلين الاقتصاديين، يبرز المجلس كهيئة مستقلة تراقب وتتدخل عند وجود اختلالات قد تهدد مصالح المواطنين أو تعرقل المنافسة العادلة. ويعكس هذا الدور أهمية وجود مؤسسة قادرة على كشف الاحتكارات والممارسات المضرة بالمستهلك، وتقديم التوصيات التي تضمن استقرار الأسعار وجودة المنتجات، بما يعزز ثقة المواطن في الأسواق الوطنية ويحد من الفوارق الاقتصادية والاجتماعية.
ويواجه المستهلك المغربي تحديات متعددة بسبب ما يعرف بالممارسات الاحتكارية والمضاربات التي يمارسها بعض الوسطاء أو الشركات الكبرى، سواء في المواد الغذائية الأساسية مثل اللحوم والزيوت والحبوب، أو في الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والاتصالات. ويُعد مجلس المنافسة الجهة المسؤولة عن رصد هذه التجاوزات وتحليلها وفق المعايير القانونية والاقتصادية المعتمدة، بما يمكن من اتخاذ إجراءات ردعية فعالة. فالمجلس يدرس السوق ويحدد ما إذا كانت الأسعار قد ارتفعت نتيجة عوامل طبيعية مرتبطة بالتكلفة، أم نتيجة تحالفات أو اتفاقات ضمنية بين الفاعلين الاقتصاديين تمنع المنافسة الحرة وتضر بالمستهلك.
الإطار القانوني لعمل المجلس
ينص القانون المغربي على أن مجلس المنافسة يتمتع باستقلالية كاملة عن الحكومة، ويملك صلاحيات واسعة للتحقيق في شكايات المستهلكين، وفحص سياسات الشركات الكبرى، وتقديم التوصيات لتعديل السلوكيات الاحتكارية أو الممارسات الضارة بالسوق. كما يملك المجلس صلاحية إصدار قرارات إلزامية في حال ثبوت مخالفة القوانين، مع القدرة على إحالة الملفات إلى القضاء عند الضرورة. ويشمل عمل المجلس جميع القطاعات الاقتصادية، بما يضمن مراقبة متوازنة لسلاسل الإنتاج والتوزيع، ويحد من اختلالات السوق التي قد تمس القدرة الشرائية للأسر.
ويحرص مجلس المنافسة على متابعة الأسواق باستمرار، وليس فقط استجابة للشكايات، بل من خلال الدراسات الميدانية والتحليلات الاقتصادية الدقيقة. ويقوم المجلس بتحليل سلوكيات الشركات والفاعلين الاقتصاديين، وتقييم مدى تأثير تحركاتهم على الأسعار وجودة المنتجات، مع التركيز على القطاعات التي تمس حياة المستهلك اليومية بشكل مباشر. ومن خلال هذه الدراسات، يستطيع المجلس تقديم توصيات للحكومة أو للهيئات الرقابية حول أفضل السبل لضمان توازن السوق، بما يشمل الإجراءات الوقائية ضد المضاربات واحتكار السلع الأساسية.
دور المجلس في حماية القدرة الشرائية
أحد الأهداف الأساسية لمجلس المنافسة هو حماية القدرة الشرائية للمستهلكين، إذ أن ارتفاع الأسعار أو الممارسات الاحتكارية له أثر مباشر على حياة الأسر، خاصة ذوي الدخل المحدود والمتوسط. وقد أظهرت الدراسات الاقتصادية للمجلس أن المضاربات غير المنظمة في سلاسل الإنتاج والتوزيع تسبب ارتفاعًا غير مبرر في الأسعار، يؤدي إلى تقليص استهلاك بعض المواد الغذائية الأساسية ويؤثر على التوازن الغذائي للمواطنين. ولهذا، يركز المجلس على اقتراح آليات تدخلية توازن بين حرية الأسعار وحقوق المستهلك، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويقلل من حدة الفوارق الاقتصادية.
ويعتبر التعاون بين مجلس المنافسة وباقي الهيئات الرقابية والجمعيات المهنية خطوة مهمة لضمان فعالية التدخل. فمجلس المنافسة يعمل جنبًا إلى جنب مع وزارة التجارة وحماية المستهلك، ووزارة المالية، وهيئات مراقبة الجودة والسلامة الصحية، وكذلك جمعيات حماية المستهلك، لتبادل المعلومات والبيانات حول الممارسات السوقية، ومتابعة تنفيذ التوصيات التي تصدر عنها. كما يساهم هذا التعاون في نشر الوعي لدى المستهلك حول حقوقه، وطرق تقديم الشكايات، وكيفية رصد المخالفات التي قد تمس مصالحه.
الأمثلة العملية لتدخلات المجلس
شهدت السنوات الأخيرة تدخلات عدة لمجلس المنافسة أسهمت في إعادة التوازن إلى السوق الوطنية، من بينها التحقيق في ارتفاع أسعار اللحوم والخضر والزيوت، حيث تمكن المجلس من تحديد السلوكيات الاحتكارية لبعض الوسطاء، واقتراح آليات لضبط الأسعار. كما تدخل المجلس في قطاع الاتصالات لتنظيم المنافسة بين شركات الهاتف، وضمان تقديم خدمات بأسعار عادلة وجودة مناسبة، مع حماية حقوق المستهلكين من الممارسات الضارة. هذه التدخلات عززت ثقة المواطنين في الأسواق وقلصت فرص المضاربات غير القانونية.
التحديات المستقبلية
على الرغم من الجهود المبذولة، يظل المجلس أمام تحديات كبيرة تتمثل في غياب تنسيق شامل مع بعض الجهات الحكومية، وتنامي التجارة الإلكترونية التي تتطلب مراقبة رقمية دقيقة، بالإضافة إلى صعوبة التحكم في سلاسل التوزيع الطويلة والمعقدة. كما أن بعض الشركات الكبرى تحاول أحيانًا الالتفاف على القوانين بطرق غير مباشرة، ما يفرض على المجلس تطوير أدواته القانونية والرقابية، والاستعانة بالتحليلات الاقتصادية الحديثة والبيانات الرقمية لتعزيز فعالية مراقبته.
ويبقى التحدي الرئيسي لمجلس المنافسة هو إيجاد التوازن بين حرية السوق والمنافسة العادلة من جهة، وحماية المستهلك وحقوقه من جهة أخرى. فالسوق الحرة تحتاج إلى حرية الأسعار والتحفيز على الابتكار وتحسين جودة المنتجات، بينما حماية المستهلك تتطلب التدخل للحد من الممارسات الاحتكارية، وضمان وصول السلع الأساسية إلى جميع الفئات بأسعار عادلة. ويبدو أن الحل يكمن في سياسات تكاملية تجمع الرقابة القانونية، التحليل الاقتصادي، التوعية المستمرة للمستهلك، ودعم الفاعلين الصغار في السوق.
يمكن القول إن مجلس المنافسة المغربي يشكل ركيزة أساسية لضمان نزاهة الأسواق وحماية المستهلك، من خلال مراقبة الممارسات الاحتكارية، التدخل في حال التجاوزات، وإصدار التوصيات التي تعزز المنافسة العادلة. كما يسهم المجلس في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وضمان جودة المنتجات والخدمات، وتقديم إطار قانوني واضح ينظم العلاقة بين الفاعلين الاقتصاديين والمستهلكين. وفي ظل تحديات متزايدة مثل التجارة الرقمية والمضاربات المتكررة، يظل دور المجلس أكثر أهمية من أي وقت مضى لضمان استقرار السوق، وحقوق المواطنين، وتطوير اقتصاد وطني متوازن وعادل.
حرية الأسعار وحماية المستهلك في السوق الوطنية
تظل قضية حرية الأسعار وحماية المستهلك من أكثر الملفات إثارة للجدل، إذ تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية مع حاجيات المواطن اليومية. فبينما تشكل حرية تحديد الأسعار مبدأً أساسياً للسوق الحر، يسمح للمنتجين والموزعين بضبط أسعار سلعهم وخدماتهم وفق تكاليف الإنتاج والعرض والطلب والمنافسة، تبرز الحاجة الماسة لضمان حقوق المستهلكين في الحصول على منتجات ذات جودة معقولة وبأسعار منصفة.
ويظهر من خلال التجربة الميدانية أن تحقيق هذا التوازن هش للغاية ويحتاج إلى مراقبة دقيقة وجهود مستمرة لضمان عدم اختلال العدالة الاجتماعية في السوق. فالأسعار المرتفعة، إذا لم ترافقها آليات حماية فعالة تضغط على القدرة الشرائية للأسر وتؤثر على جودة العيش، بينما السماح بحرية الأسعار بلا قيود قد يؤدي إلى مضاربات واحتكارات جزئية تمس حياة المواطن.
ارتفاع الأسعار وأثره على القدرة الشرائية
تشير الملاحظة الميدانية إلى أن السوق الوطنية تواجه اختلالات واضحة تعرقل تحقيق التوازن بين حرية الأسعار وحماية المستهلك. ففي المواد الغذائية الأساسية، مثل اللحوم والزيوت والخضر، شهدت الأسعار، خلال الأشهر الأخيرة، ارتفاعات غير مسبوقة تجاوزت أحيانًا 15 إلى 20 بالمئة، ما جعل الوصول إلى هذه المواد أكثر صعوبة على الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
ويعزو مهنيون هذه الارتفاعات إلى عوامل متعددة، أبرزها ارتفاع كلفة الأعلاف ونقص العرض بسبب التغيرات المناخية والجفاف المستمر، إضافة إلى المضاربات التي يمارسها بعض الوسطاء. وبدورها ساهمت تكاليف النقل والذبح والتوزيع في رفع السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك، وهو ما أدى إلى تغييرات ملموسة في عادات الاستهلاك، حيث اضطرت الأسر إلى تقليص استهلاك اللحوم أو استبدالها بمنتجات أقل تكلفة، ما أثر على التوازن الغذائي وجودة العيش.
ويحمي المستهلك القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، إلى جانب نصوص فرعية تتعلق بالسلامة الصحية للمواد الغذائية، والإعلانات التجارية وحقوق المستهلك في المجال الرقمي. وينص القانون على ضمان الحق في الحصول على منتجات مطابقة للمواصفات، مع معلومات دقيقة حول الخصائص والأسعار وتواريخ الصلاحية. ويلزم المنتج والموزع بتحمل المسؤولية في حال وقوع أي ضرر للمستهلك نتيجة استهلاك المنتجات. غير أن هذه النصوص، على الرغم من وضوحها، تواجه تحديات كبيرة على أرض الواقع بسبب غياب التنسيق الفعال بين مختلف الهيئات الرقابية، حيث تعمل وزارة التجارة وحماية المستهلك والجهات الصحية والفلاحية بشكل منفصل، ما يقلل من فعالية المراقبة ويتيح بعض التجاوزات من قبل المنتجين والموزعين.
وتتعقد الأمور بفعل التفاوت الكبير في القدرة الشرائية للمواطنين، حيث يواجه الفقراء ومتوسطو الدخل ضغوطًا مضاعفة نتيجة ارتفاع الأسعار، فيما تستفيد الفئات الأعلى دخلًا من القدرة على التكيف مع هذه التحولات السوقية. ويزيد من تعقيد الجهود الرقابية، أيضا، توسع التجارة الإلكترونية التي لا تخضع دائمًا للرقابة التقليدية، ما يستدعي تحديث التشريعات لتعزيز حماية المستهلك الرقمي. وأظهرت التجربة الميدانية أن غياب آلية موحدة لمتابعة الأسعار وفعالية التدخل الحكومي يؤدي إلى احتقان اجتماعي ويضعف الثقة بين المواطن والسلطات.
دور الجمعيات المهنية في حماية المستهلك
تلعب الجمعيات المهنية، مثل الجامعة المغربية لحماية وتوجيه المستهلك، دورًا محوريًا في مراقبة الأسواق، حيث تتابع المخالفات، وتقدم تقارير دورية وتقوم بحملات توعية للمستهلكين حول حقوقهم، إضافة إلى الضغط على الجهات الرسمية لضمان تطبيق القوانين. وتساهم هذه الجمعيات في اقتراح تحديثات تشريعية، خاصة في ما يتعلق بالتجارة الرقمية والمنتجات المستوردة، لتصبح مراقبة السوق أكثر شمولًا واستباقية.
إلى جانب الجمعيات، يتطلب الأمر تدخلًا حكوميًا فعّالًا من خلال استراتيجيات واضحة لدعم المنتجين الصغار وتوفير سلاسل توريد مستقرة تقلل الاعتماد على الوسطاء والمضاربين. ويجب تعزيز الشفافية في الأسعار عن طريق إلزام الباعة بعرض الأسعار بوضوح ونشر تقارير دورية عن تغيراتها، فضلاً عن تطوير آليات للتدخل الاستباقي عند ارتفاع أسعار المواد الأساسية بشكل مفرط. وتعد التوعية المستمرة للمستهلك من العناصر الضرورية، من خلال إعلامه بحقوقه وطرق تقديم الشكايات بشكل فعال، خصوصًا مع تزايد الاعتماد على التجارة الإلكترونية.
حرية الأسعار والمسؤولية الاجتماعية
في المقابل تظل حرية الأسعار شرطًا مهمًا لضمان المنافسة والكفاءة الاقتصادية. فالسوق الحر يشجع على الابتكار وتحسين جودة المنتجات، ويمنح المنتجين فرصة لتوسيع أنشطتهم وتحقيق أرباح مشروعة. لكن هذه الحرية يجب أن تكون مضبوطة ضمن إطار قانوني صارم يضمن عدم استغلال المستهلك، ويحقق العدالة الاجتماعية ويحول دون تفاقم الفوارق بين الفئات المختلفة.
ويظهر، من خلال الملاحظات الميدانية، أن المغرب بحاجة إلى آليات تكاملية تجمع الرقابة، الدعم الاقتصادي للمنتجين الصغار، حماية المستهلك والتدخل الحكومي الفعّال لضمان استقرار السوق. إذ بدون هذه الآليات، ستظل الأسواق عرضة للمضاربات والاحتكارات الجزئية، ما يضغط على القدرة الشرائية ويؤثر على جودة حياة المواطنين، في وقت تواجه الأسر ضغوطًا متزايدة لتلبية حاجياتها الأساسية.
ويبقى التحدي الأساسي هو إيجاد توازن دقيق بين حرية الأسعار وحماية المستهلك، بحيث تحقق السوق كفاءتها الاقتصادية دون الإضرار بالقدرة الشرائية للأسر، وتضمن العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين. ويتطلب هذا التوازن متابعة دقيقة، تعاونًا مستمرًا بين الدولة والجمعيات المهنية، واعتماد سياسات استباقية تضمن استقرار الأسعار وجودة المنتجات. فالسوق الوطنية لن تكون عادلة وفعالة إلا عبر مزيج من الحرية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية والرقابة الحقيقية، وهو ما يجعل حماية المستهلك جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية التنمية المستدامة في المغرب.
بوعزة خراطي*
«النصوص وحدها لا تكفي لحماية المستهلك ما لم تكن هناك متابعة فعالة»
ما هو التأطير القانوني لحماية المستهلك بالمغرب؟
في البداية، يجب أن نعرف أن حماية المستهلك ليست مجرد شعار أو شعار انتخابي يمكن رفعه في الحملات، بل هي أساس لأي منظومة اقتصادية واجتماعية سليمة. المغرب، بحمد الله، وضع مجموعة من القوانين التي ترمي إلى حماية المستهلك، وأبرزها القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك، والذي يعتبر حجر الأساس في هذا المجال. هذا القانون جاء ليضع إطارا واضحا للحقوق والواجبات، سواء بالنسبة إلى المستهلك أو بالنسبة إلى الموزع أو المنتج. ينص القانون، ببساطة، على أن المستهلك له الحق في الحصول على منتجات وخدمات سليمة، مطابقة للمواصفات، وذات جودة جيدة، مع تقديم معلومات دقيقة وواضحة عن هذه المنتجات، سواء تعلق الأمر بالغذاء، الأدوات المنزلية، المواد الطبية، أو حتى الخدمات المالية والتكنولوجية.
لكن ما يهمنا اليوم هو التطبيق الفعلي لهذا القانون. فالنصوص وحدها لا تكفي، فإذا لم تكن هناك متابعة فعالة، يصبح القانون مجرد حبر على ورق. لذلك نجد أن التنفيذ يتطلب عدة آليات، منها التفتيش الميداني المنتظم، الرقابة القضائية، قنوات لتلقي الشكايات ومعالجتها بسرعة، وآليات زجر قوية ضد المخالفين. هناك أيضا تشريعات فرعية مهمة يجب ألا نغفل عنها، مثل قوانين السلامة الصحية للمواد الغذائية، حماية البيانات الشخصية للمستهلك، وتنظيم الإعلانات التجارية لضمان الشفافية وعدم التضليل.
وبالمناسبة، أود أن أؤكد أن هذه القوانين جاءت لتضع المستهلك في قلب المنظومة، بحيث تكون له القدرة على الدفاع عن حقوقه، وأن يكون شريكا فعليا في عملية المراقبة. للأسف، بعض المستهلكين لا يعرفون حقوقهم، ويقعون ضحية لممارسات احتكارية أو مضاربات غير قانونية. لذلك، حماية المستهلك ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الدولة، القطاع الخاص، والجمعيات المهنية، مثل جامعتنا، التي تحرص على رفع مستوى الوعي لدى المواطنين وتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم بطريقة علمية وواقعية.
هناك انتقادات حول غياب آلية مشتركة للتدقيق في الأسواق، كيف تقيم هذا الوضع؟
الحقيقة، هذا أحد أكبر التحديات التي نواجهها اليوم. نحن لدينا النصوص القانونية، ولدينا هيئات مراقبة مختلفة، لكن المشكلة الكبرى هي غياب تنسيق حقيقي وفعال بين هذه الجهات. فمثلا، لدينا وزارة التجارة، وزارة الصحة، وزارة الفلاحة، ومصالح حماية المستهلك، وكل جهة تشتغل بطريقة مستقلة، مما يؤدي إلى ثغرات كبيرة في الرقابة. هذا التشتت يجعل المراقبة غالبا رد فعل، وليست استباقية. أي خلل في السوق، سواء في اللحوم، الزيوت، الحليب، أو حتى الأدوية، يظهر قبل أن يتم التدخل بشكل سريع وفعال، وهذا يضر مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطن.
كما أن الأسواق اليوم أصبحت أكثر تعقيدا، خاصة مع ظهور التجارة الإلكترونية، والتوسع الكبير في المنصات الرقمية التي تتيح لأي شخص بيع منتجاته مباشرة. هنا نحتاج إلى آلية مركزية تجمع كل البيانات وتسمح بتحليلها بشكل منتظم، وتحديد المخالفات قبل أن تتفاقم، وتقديم تقارير دقيقة للجهات الحكومية لتحديد الإجراءات. هذا النوع من الرقابة الاستباقية لم يكن موجودا بالشكل المطلوب في المغرب، لذلك نجد أحيانا أن المواطن يعاني من مضاربات أو احتكارات تجعل أسعار بعض المواد الأساسية تتجاوز قدراته المالية، كما رأينا في حالات اللحوم والزيوت والخضر.
نحن في الجامعة نعمل على تقديم مقترحات عملية لإنشاء منصة وطنية للتدقيق والمراقبة، تجمع كل الجهات المعنية، وتوفر قاعدة بيانات دورية عن المنتجات، الأسعار، المخالفات، وأي تجاوزات، مع إلزامية نشر التقارير لتعزيز الشفافية. هذه الخطوة، إذا تم تطبيقها، ستعيد الثقة للمواطن والأسواق، وستجعل الرقابة فعالة وليس شكلية، وتحد من الفساد والمضاربات غير القانونية، وتمنح المنتجين الصغار فرصا عادلة للمنافسة.
ما هي أولويات الجامعة المغربية لحماية المستهلك لتعزيز الحماية في المرحلة المقبلة؟
أولويتنا القصوى هي حماية المواطن من الغش والمضاربات في المواد الأساسية. نحن نركز بشكل خاص على المواد التي يستهلكها المواطن يوميا: الحليب، الخبز، اللحوم، الزيوت، والأدوية الأساسية. نعمل على زيارات ميدانية دورية إلى هذه الأسواق، وعمليات تفتيش دقيقة، للتأكد من جودة المنتجات ومطابقتها للمعايير القانونية والصحية.
ثانيا، التوعية المستمرة للمستهلك تعتبر من أهم أولوياتنا. فالمستهلك الواعي هو أفضل حارس على حقوقه. نحن نقوم بحملات إعلامية، ندوات، وورشات، لتعليم المواطنين كيفية قراءة الملصقات، معرفة المنتجات المزيفة، وتقديم الشكايات بطريقة صحيحة. هذا يجعلهم قادرين على الدفاع عن أنفسهم ويزيد من الضغط على المخالفين.
وتطوير قنوات رقمية ذكية لتلقي الشكايات، تتبعها، والحصول على الرد المناسب، سيكون من الأولويات. المواطن يجب أن يستطيع تقديم شكواه بسرعة دون التعرض للتعقيدات الإدارية، وأن يشعر بأن حقوقه محمية بشكل كامل.
ودور القطاع الخاص لا يمكن إغفاله. يجب أن يكون ملتزما بمعايير الجودة، المنافسة العادلة، وشفافية الأسعار. عندما يتعاون القطاع الخاص مع الجهات الرقابية والمستهلكين، يمكن بناء سوق متوازن يحمي القدرة الشرائية ويعزز الثقة، وتعزيز ثقافة الشفافية في التسعير، خصوصا في المواد الأساسية، من خلال مراقبة الأسعار ومحاسبة المضاربين، ودعم المنتجين الصغار، وضمان استقرار الأسواق.
بالإضافة إلى متابعة التشريعات الدولية والإقليمية لتحديث قانون حماية المستهلك بما يتوافق مع العولمة والتجارة الرقمية، وتكوين مكثف للموظفين المكلفين بالمراقبة، وتزويدهم بالأدوات التقنية والمخبرية اللازمة لضمان دقة وفاعلية التفتيش.
والجامعة تعمل على تطوير برامج تعليمية في المدارس والجامعات لتعزيز ثقافة حقوق المستهلك منذ الصغر، حتى يصبح المواطن واعيا ويشارك في حماية حقوقه.
* رئيس الجامعة المغربية لحماية وتوجيه المستهلك






