
مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود النقاش حول العدالة المجالية إلى الواجهة، باعتباره أحد أكبر التحديات التنموية المطروحة على صناع القرار.
فنجاح أي نموذج تنموي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات المحققة، بل أيضا بمدى قدرتها على الوصول إلى مختلف جهات المملكة وتحويل التنمية إلى حق مشترك لجميع المواطنين، لا امتيازا جغرافيا تستفيد منه مناطق دون أخرى.
وطبقا للتعليمات الملكية السامية، الواردة في خطاب عيد العرش المجيد بتاريخ 29 يوليوز 2025 والخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية بتاريخ 10 أكتوبر 2025، حيث أكد الملك أنه «لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين»، تم إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، المرتكزة على العدالة المجالية والاجتماعية والرامية إلى ضمان ولوج كل مواطنة ومواطن، على قدم المساواة، إلى ثمار التنمية.
وخصصت الحكومة، في قانون المالية لسنة 2026، غلافا ماليا أوليا بمبلغ 20 مليار درهم، لإطلاق هذه البرامج. وتعمل الحكومة على تفعيل مقاربة تنموية ترابية مندمجة تهدف إلى ضمان ولوج عادل لنتائج النمو وإلى الخدمات الأساسية لفائدة جميع المواطنين. وترتكز هذه الدينامية على استراتيجية متعددة القطاعات تنبني على عدة روافع أساسية، وتولي، كذلك، أهمية قصوى لإنعاش التشغيل باعتباره رافعة رئيسية للإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بالموازاة مع إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الصحة ومنظومة التعليم والتكوين المهني والبحث العلمي، بهدف تنمية مستدامة للرأسمال البشري.
ورغم المجهودات، التي تبذلها الدولة من أجل تحقيق التنمية المتوازنة وتقليص الفوارق المجالية، ما زالت خريطة الاستثمارات الكبرى بالمغرب تعكس واقعا مغايرا، حيث يواصل المحور الممتد بين طنجة والقنيطرة والدار البيضاء استقطاب النصيب الأكبر من المشاريع الصناعية واللوجستية والبنيات التحتية، فيما تجد جهات أخرى نفسها على هامش الدينامية الاقتصادية، تنتظر نصيبها من التنمية وفرص الشغل والاستثمار.
لقد نجح المغرب، خلال السنوات الأخيرة، في استقطاب استثمارات استراتيجية مهمة في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والخدمات اللوجستية، غير أن تمركز جزء كبير منها في الشريط الأطلسي الشمالي يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى احترام مبدأ العدالة المجالية، الذي نص عليه دستور سنة 2011، وحول قدرة السياسات العمومية على تحقيق تنمية منصفة تشمل مختلف جهات المملكة.
وبينما تحتضن مدن محظوظة مناطق صناعية جديدة وموانئ ومشاريع كبرى وشبكات نقل متطورة، تعاني عدة أقاليم من ضعف الاستثمار وندرة فرص الشغل واستمرار نزيف الهجرة الداخلية، ما يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية بدل تقليصها.
إن العدالة المجالية لا تعني توزيع المشاريع بالتساوي بين جميع المناطق، وإنما تعني تمكين كل جهة من استثمار مؤهلاتها الطبيعية والبشرية والاقتصادية، وتوفير الحد الأدنى من البنيات والخدمات العمومية وفرص الاستثمار التي تسمح لها بالمساهمة في التنمية الوطنية.
تحقيق هذا الهدف يتطلب، أيضا، مراجعة السياسات الترابية المعتمدة، وتوجيه جزء أكبر من الاستثمارات العمومية نحو المناطق الأقل استفادة، مع تقديم تحفيزات حقيقية للقطاع الخاص من أجل الاستثمار خارج الأقطاب الاقتصادية التقليدية.




