الكواليس المنسية لتأسيس أقدم حكومات المغرب
سيطرت عليها الصراعات والحسابات السياسية

يونس جنوحي
«منذ تعيين حكومة البكاي الأولى في دجنبر 1955، صارت القاعدة أن تشهد كواليس تعيين الحكومات وتوزيع الحقائب الوزارية أزمات سياسية، عادة ما يكون لها ما بعدها..
عصف الصراع بحكومة البكاي في نسختيها، في ماي سنة 1958، وتأسست حكومة بلا فريج التي كان متوقعا بما يشبه الإجماع، أن تستمر لسنوات.. لكن المفاجأة أن الملك أعفى الوزير الأول في دجنبر! والسبب صراعات سياسية، بسبب توزيع الحقائب الوزارية.
بعد ذلك جاءت حكومة عبد الله إبراهيم، واشتد الصراع ليصل إلى درجة المواجهات، ليكون القرار الأخير إقالة الحكومة، وإنهاء واحدة من أكثر التجارب الحكومية إثارة للجدل في تاريخ المغرب.
ومرت البلاد سنة 1960 بمرحلة رئاسة الملك مجلس الوزراء، دون تسمية وزير أول للحكومة، وتبنى الملك الراحل الحسن الثاني السياسة نفسها، واستمرت لسنتين إضافيتين.
بعد حالة الاستثناء التي فرضها ضعف الأداء الحكومي، لأول حكومة في تاريخ مغرب الملك الحسن الثاني، تعينت حكومات كثيرة، نجح بعضها في تجنب الاحتقان، بينما كانت الأزمة، عنوان تعيين حكومات أخرى..».
صراعات على مكتب الوزير الأول
بسبب الصراع المحتد حول توزيع الوزارات وصلاحيات الوزراء، لم يُكتب لتجربة الوزير الأول بلا فريج، سنة 1958، أن تعمر طويلا، لتصبح واحدة من أقصر التجارب الحكومية في تاريخ المغرب.
منذ دجنبر 1955، كان توزيع الحقائب الوزارية في المغرب موضوعا شديد الحساسية بين الفرقاء السياسيين.
في مغرب الاستقلال، تدخل الملك الراحل محمد الخامس شخصيا سنة 1960 ليهدئ من التوتر الشديد الذي سيطر على الحياة السياسية، بسبب الصراعات حول التعيينات الوزارية. وقرر أن يصبح رئيسا لمجلس الحكومة، دون تسمية وزير أول. حدث هذا مباشرة بعد إعفاء حكومة الوزير عبد الله إبراهيم في السنة نفسها.
لم تنته المواجهات السياسية بعد هذه المحطة، بل ازدادت حدتها، في مطلع الستينيات. فقد قرر الملك الراحل الحسن الثاني بعد جلوسه على العرش في مارس 1961، أن يستمر في قيادة الحكومة ورئاسة مجلس الوزراء، لعامين إضافيين، في انتظار اعتماد أول دستور للمملكة، وإجراء أولى الانتخابات سنة 1962، تمهيدا لتشكيل البرلمان والمجالس الجماعية.
وهكذا فإن احتفاظ الملك الراحل الحسن الثاني بمنصب رئاسة مجلس الوزراء، عقب تنصيبه ملكا للمغرب، كان سببه رغبة الملك في تعيين حكومة قوية بعد الانتخابات.
لكن الواقع السياسي المغربي تأزم، بسبب انفجار العلاقة بين السلطة والمعارضة، ودعوات مقاطعة الاستفتاء على الدستور سنة 1962، واتهام أحمد رضا اكديرة، الذي كان وزيرا في الحكومة، بتزوير نتائج الانتخابات لصالح جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية «الفديك».
لكن في شهر نونبر 1963، قرر الملك الراحل الحسن الثاني أن يعين الوزير باحنيني (باحنيني الأكبر الذي توفي في انقلاب الصخيرات 1971)، على رأس الحكومة، ليصبح أول من يشغل المنصب في مغرب الملك الحسن الثاني.
حكومة باحنيني كانت محط هجوم شديد من طرف المعارضة، سواء في البرلمان أو في الصحافة. وبلغ الأمر حد تخوين وزراء هذه الحكومة، والطعن في وطنية بعضهم. وكانت هذه الاتهامات توجه من طرف المعارضة، ممثلة في برلمانيي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى الوزراء في جلسات البرلمان التي كانت تُبث على أمواج الإذاعة.
بلغ الاحتقان أشده في شهر يونيو 1965، سيما وأن المغرب كان يعيش على وقع أحداث 23 مارس من السنة ذاتها، والتي سقط فيها الضحايا بالرصاص في غمرة احتجاجهم على قرار وزير التعليم، بلعباس التعارجي، وهو ما جعل الحكومة تنفجر.
قرر الملك الراحل الحسن الثاني إنهاء التجربة الحكومية، رغم مكانة الوزيرين الأخوين باحنيني لدى الملك، بحكم اشتغال باحنيني الأكبر في المدرسة المولوية، عندما كان الملك الحسن الثاني تلميذا بها.
ولم يقف الأمر عند إقالة الحكومة، بل وصل حد حل البرلمان، بعد أن تحول إلى حلبة للمواجهات وتصفية الحسابات. واستمر وضع «الجمود» وحالة الاستثناء إلى حدود سنة 1967، عندما قرر الملك الراحل الحسن الثاني تعيين بنهيمة في الوزارة الأولى، لأقل من سنتين، قبل أن يُعين وزير خارجيته في الحكومة نفسها أحمد العراقي وزيرا أول ما بين 1969 و1971.
كانت صراعات الوزارة أقل وطأة هذه المرة، وباستثناء أزمة محاكمة الوزراء الشهيرة سنة 1970، فإن عمل الحكومة لم يعرف أي عرقلة سياسية.
بعد ذلك عرف تعيين الحكومات نوعا من الاستقرار السياسي، خصوصا في حكومة كريم العمراني الأولى بداية السبعينيات، ثم في الحكومات الأخرى، بحكم أنه كان وزيرا أول لثلاث حكومات. دون إغفال حكومة أحمد عصمان، ما بين 1972 و1979.
مع الاتجاه نحو مرحلة التسعينيات، بدأت الأزمة تلوح من جديد في الأفق. فإذا كانت الصعوبات الاقتصادية وراء تغيير تشكيلات الحكومات بعد حالة الاستثناء، فإن «الحراك» الحكومي لبداية التسعينيات كان يحكمه رفض الكتلة وجود إدريس البصري في الحياة السياسية، في وقت كان فيه القصر متمسكا بوزير الداخلية، إلى أن خرجت حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمن اليوسفي إلى الوجود سنة 1998، وكان إدريس البصري وزيرا ضمن لائحة الوزراء.
حكومة عبد الله إبراهيم.. أشهر حكومة أجهضها الصراع
رغم أن ظرفية تعيين حكومة عبد الله إبراهيم كانت تختلف تماما عن ظروف تعيين حكومة البكاي الأولى في دجنبر 1955، إلا أن أجواء دجنبر 1958 كانت تختلف تماما، وبدا واضحا أن الفرصة أمام عبد الله إبراهيم كانت سانحة أكثر للاشتغال على تأسيس قواعد المؤسسات والوزارات المغربية، بعد رحيل الأطر الفرنسية.
يسجل أرشيف الإذاعة الوطنية، أن عبد الله إبراهيم بصفته وزيرا أول، توجه بخطاب إلى المغاربة في ربيع سنة 1959. خطاب يلخص مرحلة عبد الله إبراهيم ويكشف، بشكل جلي، معاناته مع الصراعات التي استهدفت حكومته. فقد كان الإعداد للانشقاق عن حزب الاستقلال، وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، يخيم على الجو العام.
نص الخطاب، جمعه عبد الله إبراهيم في أرشيفه الشخصي، واعتنى بنشره لاحقا الباحث والصحافي محمد لومة، في كتاب «سنوات الصمود والإعصار»، الذي يعتبر سيرة ذاتية للراحل عبد الله إبراهيم.
وهذا أقوى ما جاء في خطاب الوزير الأول:
«أيها المواطنون أيتها المواطنات
تسعون يوما مرت منذ تفضل صاحب الجلالة فأسند إليّ رئاسة الحكومة، في الظروف الصعبة التي تعلمون.
تأسست الحكومة، وكان عليها أن تواجه تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد الخامس وبإرشاداته النيرة، أخطر حالة انزلقت إليها بلادنا منذ الاستقلال. فقد كان فريق من الشعب المغربي في حالة تمرد ضد حكومة صاحب الجلالة. وكان السلاح الأجنبي سلاح الخيانة، يشهره مواطنون ضد إخوانهم المواطنين بدون رحمة ولا حياء.
لذلك كان تثبيت الأمن هو النقطة الأولى في البرنامج الذي حدده صاحب الجلالة للحكومة الجديدة، وتلك حقيقة مؤلمة بالنسبة إلى أمة لم يمض على تحريرها سوى ثلاث سنين. وقد انكبت الحكومة منذ الأسبوع الأول لتأسيسها على مواجهة الحالة بما تستحقه من جد. ووجدت في العاهل الكريم في كل لحظة الرجل الذي يعرف كيف يجابه مسؤولياته بذكاء وحزم. كما وجدت في سمو ولي العهد رجل الواجب، كيفما كانت الأخطار ومهما كانت المصاعب.
ومن واجبي هنا أن أنوه بالجيش الملكي وشهامة وحداته، ومن واجبي أيضا أن أنوه بالقوات الاحتياطية التي أبلت البلاء الحسن في ظروف صعبة بالنسبة إليها. فقد قام هؤلاء وأولئك بواجبهم الوطني أحسن قيام وبأقل ما يمكن من الخسارات.
(..) أيتها المواطنات، أيها المواطنون
من واجبي أن أقول لكم والألم يحز في نفسي إن الحكومة عندما تأسست وجدت جهاز الدولة تتلاعب به الأهواء والنزاعات. فقد كانت حوادث التمرد المفجعة ناتجة في جوهرها عن سوء تفاهم بين الإدارة والسكان، الذين كانوا يتهمونها بأنها إدارة مسخرة بين أيدي أفراد لا علاقة لهم بالإدارة.
وقد كان هم الحكومة الأول ضمانا للمصالح العليا، هو إضفاء صبغة النزاهة والحياد على جهاز الدولة، حتى يصبح جميع المواطنين أمامه سواء. وحتى لا يطمع طامع في تحيز السلطة، ولا يخشى آمن من جورها. والحكومة بالمرصاد لمن يخرج من رجالها عن سواء السبيل. ذلك هو الشرط الأساسي لحرية المواطنين، ولا شيء أعبث هنا من البكاء والتظلم ما دام من الممكن محاكمة أي ظالم والاستنصاف منه، حتى لو كان رجل سلطة..».
عندما تعين عبد الله إبراهيم وزيرا أول، كان يحمل صفة قيادي في حزب الاستقلال، وعندما غادر الحكومة بعد إقالتها، كانت يافطة الاتحاد الوطني قد التصقت به.. وهذه من الوقائع التاريخية التي لم تتكرر في أي حكومة أخرى، ولم يسبق لأي وزير أن غير لونه الحزبي وهو في الوزارة، فما بالك بالوزارة الأولى.
أقصر التجارب الحكومية كان يُتوقع لها أن تكون الأطول
منذ أن تعين أول وزير أول في تاريخ المغرب، وعُهد إليه بترؤس الحكومة، في دجنبر 1955، لم يسلم المكتب الوزاري من ثقل ملفات تلخص الصراع السياسي في المغرب بعد الاستقلال، وأثرت بشكل مباشر على أداء الحكومة.
ففي عهد حكومة البكاي، الأولى والثانية، التي انتهت تجربتها في ماي 1958، كان الصراع حول الوزارات السيادية، يسيطر على المشهد السياسي، وهو ما أغضب الملك الراحل محمد الخامس في أكثر من مناسبة.
بعد ذلك جاءت حكومة أحمد بلا فريج، التي مارس فيها حزب الاستقلال صلاحيات واسعة، وأمسك بزمام وزارات سيادية، ووضع وزراء استقلاليين في منصب «وزير دولة»، ليعزز تموقعه داخل الحكومة. ورغم ذلك، فإن هذه الحكومة لم تعمر طويلا، رغم أن الكثيرين تنبؤوا لها بأن «تعيش» عمرا أطول من عمر حكومة البكاي، التي استمرت من دجنبر 1955 إلى حدود ماي 1958.
حكومة بلا فريج، التي انطلقت في ماي 1958 إلى شهر دجنبر من السنة نفسها، كانت بمثابة انتصار سياسي لحزب الاستقلال. وفي الوقت ذاته الذي كان فيه مقر جريدة الحزب، «العَلم»، يحتفي بوصول بلا فريج إلى منصب الوزير الأول، ويعدد مناقب الرجل وقدراته السياسية وقوته التنظيمية، كانت التجربة الحكومية تتجه حرفيا إلى حتفها، بسبب «حالة التعصب» التي سيطرت على أغلب وزراء هذه الحكومة، باعتبارهم استقلاليين من الصف الأول.
لكن التصدع الداخلي داخل حزب الاستقلال، والذي كان يقوده المهدي بن بركة رفقة الشباب المثقف للحزب، في مواجهة قدماء الحركة الوطنية، كان مؤثرا بقوة على هذه التجربة الحكومية القصيرة.
شكلت حكومةُ بلا فريج فرصة مناسبة ليهيمن أطر حزب الاستقلال على المناصب داخل الوزارات ومؤسسات الدولة، مستغلين شغور هذه الوظائف، بسبب بدء مغادرة الأطر الفرنسية
وهذه الجزئية، تسببت لاحقا في صراع قوي بين قياديي حزب الاستقلال وقياديي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشقين، إلى درجة أن هذا الصراع انتقل من الاجتماعات لتتم ترجمته على الأرض، على شكل مواجهات نقابية.
فترة حكومة بلا فريج، كانت في الحقيقة بداية أزمة سياسية أثرت على مرحلة الستينيات، رغم قصر مدتها. ولم يتجاوز الواقع السياسي المغربي تداعياتها إلا بعد حالة الاستثناء، نهاية 1967.
تجربة حكومة بلا فريج يمكن اعتبارها درسا سياسيا، إذ إن وزراءها كانوا يطالبون بالمزيد من الوزارات لصالح حزب الاستقلال منذ دجنبر 1955. بل إن هذا المطلب كان وراء أول تعديل حكومي في تاريخ المغرب، وكان أيضا سببا في إنهاء تجربة حكومة البكاي. ورغم ذلك، فإن منح حزب الاستقلال الوزارة الأولى، عمق المشكل، بدل أن يُنهي الخلاف، وحكم على تجربة سياسية فريدة، كان الجميع محتفيا بها، بالفشل.
قصة حكومة «ولي العهد»..
في شهر ماي 1960، أعلن الملك الراحل محمد الخامس تنصيب حكومة جديدة خلفا لحكومة عبد الله إبراهيم.
كان الوضع السياسي في المغرب محتقنا وعلى وشك الانفجار، ويشهد رجات، بسبب انشقاق 1959 التاريخي لقيادات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المنسحبة من نواة حزب الاستقلال.
وكان لا بد أن يتدخل القصر ليضمن تماسك عمل المؤسسات، أو هكذا راج وقتها في أوساط الرباط وجلسات رجال الدولة.
ترأس الملك الراحل محمد الخامس مجلس الحكومة، وتولى ولي العهد الأمير مولاي الحسن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزارة الدفاع أيضا.
وهكذا فقد كان أعضاء هذه الحكومة المشكلة من وزراء قدامى وآخرين جدد، يحضرون المجلس الحكومي الذي يرأسه غالبا ولي العهد، نائبا عن الملك. في حين أن محمد الخامس، كان يحضر شخصيا في بعض الاجتماعات، ويسند إلى ولي العهد عددا من المهام الحكومية.
خصوصا وأن برنامج الملك الراحل محمد الخامس للعام 1960، كان حافلا بالمهام الرسمية خارج المغرب. فإلى جانب اهتمامه بقضية استقلال الجزائر عن فرنسا وحشد الدعم العربي اللازم لمناصرة القضية، فقد كان الملك أيضا منشغلا بتعزيز مكانة المغرب لدى جامعة الدول العربية، وقام بجولة في الشرق في هذا السياق.
كان وزراء هذه الحكومة ينسقون في عملهم اليومي مع ولي العهد، وهكذا فقد كانت المعارضة، ممثلة في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تلقب الحكومة بـ«حكومة ولي العهد».
لم تكن المعارضة تخفي معارضتها لإقالة حكومة عبد الله إبراهيم. كما أن قياديي حزب الاستقلال، لم يكونوا أيضا راضين بسبب تقليص عدد الوزارات التي هيمن عليها الحزب ما بين 1956 و1958، ما بين فترتي حكومة بلا فريج وعبد الله إبراهيم.
فقد كانت تجربة قيادة القصر للحكومة مباشرة بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم، رسالة إلى الساحة السياسية، مفادها أن الدولة قادرة على تدبير المرحلة، بسبب حالة الانشقاق التي تعيشها الأحزاب التي تتسيد المشهد السياسي في المغرب.
استمرت الحكومة إلى حدود شهر فبراير 1961. وفاة الملك الراحل محمد الخامس أنهت هذه التجربة الحكومية الوطنية، التي صار يُنظر إليها على أنها تجربة سياسية عاقلة، جنبت المغرب احتقانا سياسيا كاد أن يودي إلى مواجهات دامية بين القيادات المنشقة المؤسسة لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وقيادات حزب الاستقلال «الكلاسيكية».
بوفاة الملك الراحل محمد الخامس، وجلوس الملك الراحل الحسن الثاني على العرش في مارس 1961، شهدت تجربة حكومة «ولي العهد»، امتدادا استمر إلى غاية سنة 1963.. فقد انتقل الملك الحسن الثاني من منصب نائب رئيس الوزراء، إلى الرئاسة الفعلية للحكومة، واستمرت تجربة قيادة الملك للحكومة إلى حدود نونبر سنة 1963، ليعين الوزير باحنيني – سبق له المشاركة في حكومة الملك- وزيرا أول.
في عدد من المذكرات التي ألفها وزراء سابقون عاشوا مرحلة «حكومة ولي العهد»، سُجل اعتراف صريح بأن مرحلة رئاسة الملك الراحل الحسن الثاني لمجلس الوزراء، ساعدت على تسريع وتيرة اشتغال الحكومة، بعد سنوات من العرقلة بسبب إكراهات التوافقات السياسية، ونُظر إليها على أنها مرحلة سياسية فريدة، لم تتكرر بعد ذلك بصورة مباشرة، إلا خلال تجربة حالة الاستثناء، التي استمرت إلى حدود نهاية الستينيات، والتي أشرف فيها الملك الراحل الحسن الثاني بشكل مباشر على الحياة السياسية، بعد إقالة الحكومة وحل البرلمان.
قصة وزير خارجية أبلغه الملك هاتفيا أنه عينه وزيرا أول
يوم 2 نونبر 2020، صدر خبر وفاة الوزير الأول الأسبق، مولاي أحمد العراقي.
بعد سنوات طويلة من الصمت والصوم عن الكلام في السياسة، انطلقت منذ نهاية السبعينيات، شكل خبر وفاة مولاي أحمد العراقي، دعوة إلى العودة إلى مسار الرجل الذي اعتمد عليه الملك الراحل الحسن الثاني لتعزيز مكانة المغرب في المنتظم الدولي، وكلفه بأثقل الملفات الدبلوماسية في سنوات الستينيات.
نشرت «الأخبار»، بالتزامن مع وفاة مولاي أحمد العراقي، الخطوط العريضة من مسار الرجل الذي بدأ حياته طبيبا في الدار البيضاء، قبل أن يغادر عيادته بشكل نهائي سنة 1967، ويُطلّق الوزرة البيضاء، متجها إلى وزارة الخارجية بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني شخصيا.
كان مولاي أحمد العراقي يتوجه صوب الطائرة التي أقلته بأمر من الملك الحسن الثاني إلى إيران، لتبليغ رسالة هامة إلى الشاه سنة 1968، على إثر حادث حرق المسجد الأقصى. كان تفكيره كاملا، وهو وزير للخارجية حينها، منصبا على استثمار صداقته المتينة بوزير الخارجية الإيراني وقتها، لإقناع الشاه بضرورة ضم صوته إلى صوت الملك الحسن الثاني للخروج بقرار يمثل الدول الإسلامية، لنزع فتيل التطورات التي تعرفها الساحة، على إثر حادث محاولة إحراق المسجد الأقصى.
كانت مهمة أحمد العراقي تتلخص في محاولة إقناع الشاه بتجاوز الخلاف بينه وبين الملك السعودي فيصل، لكي يشارك البلدان في قمة إسلامية لبحث القضية.
كان المشكل الإيراني السعودي وقتها لاهبا، لذلك كانت مهمة أحمد العراقي غير سهلة بالمرة.
قال وقتها الشاه الإيراني للوزير أحمد العراقي إن القمة إذا كانت سوف تعقد في السعودية فإنه لن يحضر، أما إذا كان الملك الحسن الثاني مستعدا لعقدها في الرباط، فإنه سيحضرها بكل تأكيد.
مباشرة بعدها طار مولاي أحمد العراقي إلى الطائف بالسعودية للقاء الملك فيصل، فكان رد الأخير إنه يقدر مجهود الملك الحسن الثاني وإنه سوف يحضر القمة، إذا تم عقدها في الرباط. وكان المشكل وقتها يكمن في إشكالية دعوة الهند إلى القمة، حيث إن عدد المسلمين بها وقتها يتجاوز 130 مليون نسمة في نهاية الستينيات.
تزامن كل هذا مع كواليس إعلان المغرب اعترافه بموريتانيا دولة مستقلة، وفي أقل من أسبوع على كل تلك اللقاءات.
وبينما كان أحمد العراقي غارقا في هذا الماراثون، كان الملك الحسن الثاني قد وجهه أياما بعد القمة إلى نيويورك، لكي يشارك باسم المغرب في أشغال جمع الأمم المتحدة.
وبينما كان أحمد العراقي في نيويورك كان الملك الحسن الثاني يفكر في تعيينه وزيرا أول. المشكل أن أحمد العراقي توجه مباشرة من نيويورك إلى جزيرة لقضاء يومين، يلتقط فيهما أنفاسه من كل تلك السفريات والمفاوضات واللقاءات الدبلوماسية والندوات الصحافية.
جزيرة «بيرموديس» كانت هي المكان الذي اختاره أحمد العراقي رفقة زوجته لكي يرتاح، قبل أن يفاجأ وهو يلج غرفته في الفندق بأن أحمد الطيبي بنهيمة طلبه مرتين. وفور اتصاله به أخبره بأن إدريس السلاوي يريد التحدث معه.
وكانت المفاجأة، ففور اتصال أحمد العراقي بإدريس السلاوي، أخبره الأخير بأنه يتعين عليه الدخول فورا إلى المغرب، وأن الملك يريد التحدث معه. يقول أحمد العراقي في حوار صحافي سابق، إن الملك الحسن الثاني سأله عبر الهاتف عن موعد عودته، فأخبره بأنه لم يلق بعد الكلمة الرسمية باسم المغرب في جلسة جمع الأمم المتحدة، يوم الأربعاء، وأنه يتعين عليه لقاء وزراء من هولندا ومن آسيا، ثم يخلد إلى الراحة كما أمره الملك، قبل مغادرة المغرب صوب نيويورك. وهنا كان جواب الملك من الطرف الآخر للسماعة: «عليك أن تعود قبل نهاية الأسبوع، فقد قررت أن أعينك وزيرا أول». ولم يكن عمر أحمد العراقي وقتها يتجاوز 38 سنة بالضبط.
هذه الشذرات من حياة مولاي أحمد العراقي، مصدرها الحوارات النادرة التي أجريت معه، قيد حياته، والتي تكاد تُعد على رؤوس الأصابع. فقد كانت حياته في الوزارة حافلة بالأسرار، وكان شاهدا أيضا على كواليس سياسية عصيبة من موقعه في الوزارة الأولى إلى حدود 1977، مزاوجا بين الوزارة الأولى، ووزارة الخارجية، اللتين حمل حقيبتيهما معا.
الاجتماعات الساخنة لمفاوضات «حكومة بدون البصري» سنة 1993
يبقى السياسي الراحل، والأمين العام الأسبق لحزب الاستقلال خلفا لعلال الفاسي، امحمد بوستة، أحد السياسيين المغاربة القلائل الذين عاشوا كواليس صراعات ومفاوضات تعيين الحكومات منذ 1955 إلى حدود تسعينيات القرن الماضي.
بوستة ينتمي إلى الجيل المؤسس للتجارب الحكومية، مع استمرار وجوده في الساحة السياسية حتى بعد تقاعد القيادات التي اشتغل إلى جانبها، بسنوات طويلة. العشرون سنة الإضافية التي عاشها امحمد بوستة في الحقل السياسي، ما بين سبعينيات القرن الماضي والتسعينيات، أسعفته ليكون شاهدا حقيقيا على العصر.
فبعد صولات وجولات مع أسماء من الحركة الوطنية، وشخصيات مثل باحنيني ورضا اكديرة، عاش امحمد بوستة أيضا تداعيات هيمنة إدريس البصري على الحياة السياسية في المغرب، سيما في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وبالضبط قبل تجربة حكومة التناوب التي قادها عبد الرحمن اليوسفي سنة 1998.
باح امحمد بوستة في مذكراته: «الوطن أولا.. مذكرات في السياسة والحياة»، متحدثا عن كواليس مفاوضات تشكيل الحكومة، بعد انتخابات 1993:
«بعد اللقاء مع الملك، والذي أخبرته فيه أنني اعتذرت عن تحمل مسؤولية الوزارة الأولى وتشكيل الحكومة، اتصل بي أحمد رضا اكديرة، مستشار الملك، بحضور محمد اليازغي ومحمد بن سعيد آيت إيدر، وأخبرني بـ: «أن الملك قرر وقف المشاورات ولهذه الأسباب فإن بلاغا رسميا سيصدر في الساعات المقبلة، سأقرأه عليكم الآن، قبل إذاعته ونشره رسميا».
يقول بوستة إن سبب الرفض كان فرض إدريس البصري نفسه في وزارة الداخلية. وهكذا فقد بدأ رضا اكديرة، مستشار الملك الراحل الحسن الثاني، في قراءة نص البلاغ الذي أصدره الديوان الملكي في الموضوع. ويحكي بوستة: «جاء في البلاغ أن الموقف الذي عبرنا عنه بشأن العرض الملكي يعد مساسا بالمقدسات. وعندما نطق أحمد رضا اكديرة بكلمة «Sacre» -لأن البلاغ كان مكتوبا باللغة الفرنسية- قاطعته قائلا: «ماذا تعني بكلمة «مقدسات»؟! المقدسات التي نعرف هي الله والدين والوطن، واحترامنا للنظام الملكي، وفي نظرنا لم يتم المساس بالنظام الملكي في وقت من الأوقات، أم تريدون أن تجعلوا من إدريس البصري جزءا من مقدسات البلاد؟ فهذا أمر لا يقبله ذو عقل سليم».
هنا تحدث بوستة – من الداخل- عن الأزمة التي أفشلت تعيين حكومة مغربية بعد انتخابات 1993، عندما رفضت القيادات الوطنية أن يكون إدريس البصري وزيرا في تلك التجربة الحكومية الموعودة. وهي التجربة التي لم يُكتب لها أن ترى النور، وبقيت مؤجلة. في حين أن بوستة، لم يُكتب له أن يجلس في كرسي الوزارة الأولى، رغم أنه كان عاش كواليس تعيين أغلب الحكومات المغربية من الداخل، في عهد الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.




