
زار إلياس كانيتي مراكش بمحض الصدفة، إذ كان برفقة أحد أصدقائه الذي أتى إليها من أجل إنجاز فيلم سينمائي. ويبدو أن مراكش قد أيقظت فيه سيلا من التداعيات والانطباعات الخاصة عن المكان وبعض مظاهره التي كانت بالنسبة إليه محط تأمل عميق، يصف تجربته في مراكش متأملا أصواتها وتأثيرها عليه قائلا: “…خلال الأسابيع التي أمضيتها في مراكش لم أبذل محاولة للإلمام بالعربية أو بأي من لغات البربر. فقد رغبت في ألا أفقد شيئاً من قوة هذه الصيحات غريبة الوقع. أردت أن تؤثر في الأصوات بقدر ما يكمن في قدرتها، دون أن تخففها معرفة معيبة ومصطنعة من جانبي. لم أكن قد قرأت شيئا عن هذه البلاد، كانت عاداتها مجهولة لي مثل شعبها، وتهاوى عن القيل، الذي يلتقطه المرء على امتداد حياته عن كل بلد وعن الشعوب جميعا، خلال الساعات القليلة الأولى…
نداءات وتوشيحات عربية صوتية
لكن كلمة “الله” بقيت، لم يكن ثمة سبيل للالتفاف حول هذا… ألفيت نفسي هذا العام فجأة، لدى وصولي إلى مراكش، وسط العميان… معظمهم يتكففون الناس. وقفت بإزائهم، جامدا مثلهم، دون أن أتبين على وجه اليقين ما إذا كانوا قد استشعروا وجودي أم لا. كان كل رجل يمسك وعاء خشبيا للصدقات، وحينما يلقي أحد بشيء لهم، فإن القطعة النقدية تنتقل من كف إلى أخرى، يتحسسها الرجال جميعا… قبل أن يدسها أحد، تلك مهمته، في كيس نقود… يهب العميان للمرء اسم الله، يبدؤون باسم الله، يختتمون به، يكررون اسمه عشرة آلاف مرة كل يوم… وما نداءاتهم إلا توشيحات عربية صوتية تدور حول اسم الله، لكن ما أعظم قدرتها على التأثير… إن تكرار الصيحة ذاتها يميز من تصدر عنه. يلتصق بذاكرتك، تتعرف عليه، فيظل هنالك أبدا، يمكث هناك بوضعية بالغة التحديد…
بعد عودتي من مراكش، اقتعدت الأرض ذات مرة مغمض العينين، متربعا في ركن حجرتي، حاولت أن أردد “الله ! الله ! الله !” مرارا وتكرارا لمدة نصف ساعة، بالسرعة وبالارتفاع المناسبين. حاولت أن أتصور نفسي عاكفا على ترديدها نهارا كاملا وجانبا من الليل، أغفو قليلا، أعاود الترتيل كرة أخرى…”
صوت يحل محل النور
يصف كانيتي أيضا منظر الأسطح في مراكش وعادات أهلها: “بمقدورك أن تصعد إلى السطح، وأن تشاهد الأسطح جميعا عبر المدينة، في لمحة واحدة. يراودك شعور بالاستواء، بأن كل شيء أقيم صرحه في مجموعات من الشرفات العريضة، تحس بأن بمقدورك أن تخطو فوق المدينة بأسرها، لا تمثل الحارات عقبة، فليس بمقدورك أن تلمحها، فتنداح منك إلى أغوار النسيان، تتألق جبال الأطلس جبال الأطلس قاب قوسين أو أدنى، فتوشك أن تظنها جبال الألب، لولا أن الضياء فوقها أكثر نصاعة، ولولا وجود العديد من أشجار النخيل بينها وبين المدينة.
لا تشبه المنارات التي تسمق هنا وهناك أبراج الكنائس، تتسم بالرشاقة، لكنها ليست مستدقة الأطراف، فلها الاتساع ذاته عند قاعدتها وقمتها، والمهم فيها هو تلك المنصة الذاهبة في الهواء التي يؤذن فيها للصلاة، تميل المنارة في الشبه إلى الفنار، لكن الصوت فيها يحل محل النور.
تعشعش السنونات فوق الأسطح، فتبدو مدينة ثانية، اللهم إلا أن الأمور هنا تجري سريعا مثلما تقع وئيدا في الشوارع التي تعج بالناس. فهذه السنونات لا تخلد للراحة أبدا، وتتساءل عما إذا كانت تعرف النوم على الإطلاق. وصفات الكسل والاعتدال والوقار لا وجود لها في عالمها، فهي تقتنص رصيدها محلقة، وربما تبدو الأسطح في خوائها بالنسبة لها أرضا أفلحت في غزوها.
لا ينبغي لك، كما لعلك تعلم، أن تظهر على السطح، لقد ظننت أن بوسعي أن أمتع عيني هناك برؤية نسوة الأساطير، من هناك سأطل على أفنية الجيران، وأصغي إلى ما يجري بينهم. في المرة الأولى التي صعدت فيها إلى سقف دار صديقي كنت كلي انتظارا، وطالما واصلت التحديق في البعيد، نحو الجبال، وعبر المدينة. بدا مغتبطا، كان بمقدوري أن أستشعر تباهيه بقدرته على أن يريني شيئا في مثل هذا الجمال. لكنه بدأ يتململ حينما أطلت التحديق بعيدا وانصب اهتمامي على ما هو قريب منا. ضبطني متلبسا بالنظر إلى فناء الدار المجاورة، حيث أدركت مبتهجا أن ثمة أصوات نساء تنبعث في حديث بالإسبانية.
قال: لا سبيل على هذا هنا، ينبغي ألا تفعل هذا. تلقيتُ كثيرا تحذيرات من إتيانه، إذ ليس مما يليق أن ترقب ما يحدث في دار جارك، ويعد ذلك من قبيل الافتقار إلى الأخلاق الحميدة. بل في الحقيقة لا ينبغي للمرء أن يعتلي السطح بالمرة، وذلك ينصرف على وجه الدقة إلى الرجال، ففي بعض الأحيان تصعد النسوة الوطنيات إلى الأسطح، وهن لا يرغبن في أن يزعجهن أحد.
-لكني لا أرى امرأة واحدة هناك.
-لربما شوهدنا، عندئذ تسوء سمعة المرء، كذلك لا ينبغي للمرء أن يبادر بالحديث إلى امرأة محجبة في الطريق…
قلتُ محتجا: لكن حرية المرء تغدو مكبلة فوق السطح، أكثر مما هي مقيدة في الطريق.
قال: يقينا لا يرغب أحد في أن تسوء سمعته بين جيرانه.
رحتُ أرمق السنونات، أحسدها على النحو الذي تحلق به وفق ما تشاء…”.





