
كتاب “جنوبا شرقا رحلات ورؤى” للكاتب المصري محمد المخزنجي عبارة عن رحلات استطلاعية ضمّت بلدانا من أفريقيا وشرق آسيا وأوروبا الشرقية تميّز هذا الكتاب بغزارة التفاصيل التي لاحظها الكاتب وسجّلها بأسلوب أدبي يوازي أهميتها من حيث الوصف والتعبير الفني. في رحلته إلى المغرب وقف عند مدينة طنجة ورافق الكاتب المغربي محمد شكري محاورا له، ومتأملا المكان وانطباعاته الشخصية:
“… كنّا جالسين في شرفة بمقهى “الجنينة” الصغير البديع النظيف بشارع ماركو بولو، وأشار محمد شكري إلى الشاطئ والبحر أمامنا. خليج محوّط بالتلال الخضر التي تهجع على مدارجها البيوت البيضاء ذات السقوف من القرميد الأحمر: “إنّنا الآن نطلّ على مكان يسمّى مالاباطا أو المنار، واحد من أجمل الشواطئ المغربية”. طنجة هي مدينة ساحرة، السحر الذي أغوى “يوليسيس”، والسحر لا يمكن تفسيره فإذا فسرناه لم يعد سحرا. هذه المدينة إمّا أن تقبلك أو ترفضك، مدينة لاترحم. لابد أن تعرف كيف تعيش فيها. أناس جاؤوا ليكتبوا وعادوا. أناس جاؤوا ليرسموا وعادوا. لو لم أعش في طنجة لما كتبتُ بالطريقة التي كتبتُ بها. تعدد الأشخاص وتعدد جنسياتهم. هذه مدينة تصبّ فيها معظم التيارات بصفتها جسرا. بالإضافة لكونها ميناء وهي مدينة أسطورية. المغاربة الطنجاويون يقولون إنّ فلك نوح رست على هضبة الشرْف فأرسل الطائر وجاء بالتراب في أقدامه مما يعني ظهور البرّ وانحسار الطوفان أي بلوغ النجاة فقالوا: “طين جا”، ومنها: طنجة !”.
عن طنجة ومحمد شكري
نعم، طنجة أسطورية، بقدرتها على الإيحاء بالخيال الذي يحلّق عاليا بارتفاع أسطورة. وكاتب طنجة هو الآخر أسطورة. فالصحافة الأدبية عرفتنا به كما لو كان قفزة مستحيلة من الأمية إلى الإبداع. محمد شكري ليس أسطورة من هذا النوع. إنّه كطنجة أسطورة صنعت نفسها بمقومات نادرة كامنة في تكوينها، فمحمد شكري كان لا يكتب حتّى سن متأخرة. نعم، لكنّه ما إن عرف كيف تُرسم الكلمات حتّى انطلق في بناء معمار كاتب عربي مهم، بل إنّه أحد الكتاب العرب القلائل القادرين على المحاورة العميقة مع الإبداع الغربي. فهو قارئ ممتاز للثقافة الغربية، الإبداعية منها خاصة، ويأخذها من مصادرها فهو يجيد الإسبانية والفرنسية ويعرف الإنجليزية أيضا. متعدد اللغات كطابع طنجة المعتق. ثم إنّ الغرب أتاه إلى حيث هو فعايش هذا الغرب على أرضه أي طنجة بندية إنسانية. لهذا يتحدث محمد شكري عن المثاقفة لا بمنطق صراع الثقافات بل بمنطق لقاء الثقافات. فيقول لي بينما نتناول غداءنا في أحد مطاعم طنجة الصغيرة الأنيقة وتحتنا مدارج التلال والبيوت وزرقة البحر: “هناك من الغربيين من أتى مغتصبا وهناك من أتى من أجل المصاهرة والعيش. وحتّى من يأتي مغتصبا فهو يترك أثره. لكنّه يترك من السيء أكثر من الجيد. ولو أنّ الزمن أعطي للاختيار لأخذت الجانب الإيجابي دون السلبي”.
مواجهة الثقافات لدى كاتب طنجة مشروع للعناق أكثر منها مشروع للصدام. وهذا منطق طبيعي في مدينة تقف عند مفترق الطرق، فهي أقرب بوابات أفريقيا إلى أوروبا، وهي زاوية الإطلال على لقاء البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي. وهي نموذج لحوار البر والبحر. وهو حوار لم يكن دائما هادئا، بل كثيرا ما كان داميا، وقليلا ما كان عادلا. لكنها لطبيعة قوية فيها، استطاعت طنجة أن تذيب في نسيجها كلّ من هبط على برّها وإلّا لفظته”.
مدينة بديعة الطبيعة والروح
يختم الكاتب رحلته إلى طنجة بهذه الانطباعات: “ما يبقى من المدن بعد الطواف بها إلّا انطباع يلصق بالذاكرة، حفنة من الصور تقل أو تكثر، وطنجة تركت في روحي شريطا من الصور الفاتنة أسترجعها كحلم لعلي أعود للتوقف أمامها بالتأمل: أتذكر تلك التلال الخضراء المكسوة بغابات الصنوبر ونحن نصعد إلى منار رأس سبارطل أقصى نقاط الشمال الغربي للقارة الإفريقية. أتذكر الجبل بصخوره البنية الحمراء التي تنبثق من جنباتها الخضرة. أتذكر “الشرْف” المطل على الخليج. وقوس البيوت على التلال يحدق بدائرة الماء. أتذكر شارع إسبانيا بنخيله الباسق وزحام الفتيان والصبايا المتنزهين في نسائم الغروب. أتذكر المقاهي الأليفة الجميلة. السوق الهابطة تحت شرفة المدافع المطلة على الماء. أتذكر الهبوط والصعود والالتفاف في الدروب النحيلة بين بيوت حي القصبة. أتذكر بوابة البحر الهائلة القديمة، والرحبة المطلة على الميناء. أتذكر عبّارتين بيضاوين في زرقة المياه واحدة عائدة بالمغاربة من أوروبا القريبة وأخرى ذاهبة إليها. أتذكر بهجة الإطلال على تلال مالاباطا وبيوتها البيضاء. أتذكر الطريق المظلل الطويل إلى منار مالاباطا. أتذكر مقهى الحافة المغمورة مدارجه بالنباتات والزهور وهو يطل من بين الغصون المغربية على أوروبا التي تلوح طيفا على مدّ البصر. أتذكر رشفات الشاي بالنعناع والنسائم الطرية والإحساس بألق الحياة وتشابكها… ثم أتذكر الريف الخضراء جباله برغم الجفاف، والسهل الذي تنساب فيه أنهار لا أعرف لماذا تركت لديّ انطباعا بأن مياهها الهادئة فيروزية اللون. أتذكر البيوت في حضن الجبال الخضر. وأتذكر السوق بفلاحيها ذوي الجلاليب الصوف وأغطية الرؤوس من ذات النسيج. قبعات القش واسعة الحواف المحلات بكريات الصوف الملون للنساء. أتذكر أكوام التوابل صارخة الألوان… وأتذكر تلك المغارة المطلة على البحر بنافذة ترسم وجه رجل يصرخ… طنجة مدينة بديعة الطبيعة والروح”.






