
شهدت الانتخابات البرلمانية، التي جرى اقتراعها يوم 23 شتنبر الجاري، انزلاقات انتخابية تتعارض مع الروح الديمقراطية، ولا تمت بصلة إلى مبادئ الشفافية والنزاهة والحد الأدنى من الأخلاق السياسية. فقد سُجلت محاولة فاشلة للتزوير يجري التحقيق بشأنها بطنجة، فضلا عن تعليمات النيابة العامة بالتحقيق في اتهامات خطيرة بالاتجار في المخدرات، ووصف الناخبين بأوصاف قدحية، كما حدث بجماعة تانديت ببولمان، إلى جانب تبادل السب والشتم والعنف، وجرائم التشهير عبر المنصات الاجتماعية، وادعاءات بالتنصت على الاتصالات، وغير ذلك من الاتهامات الثقيلة.
ولا يجب استباق التحقيق القضائي من طرف أي جهة كانت في الملفات المتعلقة بالخروقات والتجاوزات التي وقعت خلال الانتخابات البرلمانية، بما في ذلك ما بات يعرف بـ«حقيبة طنجة»، لأن كل متهم يبقى بريئا إلى أن تثبت إدانته بموجب حكم قضائي نهائي. فالنقاش السياسي مطلوب لتفادي مثل هذه الانزلاقات أو التقليل منها، لما تسببه من إساءة إلى العملية السياسية، وليس لتصفية الحسابات الضيقة، أو تصريف التراكمات النفسية، أو ركوب الأمواج، أو التعميم لخدمة أجندات خاصة.
وطبعا، فنحن هنا لسنا في موقف دفاع عن أي جهة، مهما كانت، وإنما ندافع عن نزاهة وشفافية العملية الانتخابية، وعن ضمان تنافس البرامج، وليس تنافس الشعبوية والوعود الزائفة. كما أن على كافة الأحزاب السياسية تحمل مسؤوليتها في التأطير والتزكيات، والتدقيق في مسار الوجوه السياسية التي يتم تقديمها إلى الناخبين. أما تصريحات وتصرفات القيادات الحزبية، فيجب أن تكون موسومة بالحكمة والمسؤولية، مع تقديم الأدلة المادية عند توجيه الاتهامات، لأنها تشكل نموذجا لمن هم في القواعد، وعلى أساسها يتم التصرف في الميدان، ويجري الاحتكاك والتنافس الحزبي.
إن العملية الانتخابية مناسبة لتخليق الحياة العامة، وليست فرصة للنجاح والتسلق السياسي ولو على حساب القوانين والقيم وثقة المواطن في المؤسسات. لذلك، لا ينبغي القفز على الاتهامات الثقيلة، بل يتعين تقديم الأدلة بشأنها إلى النيابة العامة المختصة، كما لا يمكن القفز على خروقات التزوير والجرائم الأخرى، وإنما يجب تفعيل المحاسبة بشأنها، وفق المساطر القانونية، وهو ما تشرف عليه وزارة الداخلية إداريا، ورئاسة النيابة العامة قضائيا.
ولكي لا ينحصر النقاش السياسي في حوادث بعينها أو ملفات اتهام وتزوير يجري التحقيق فيها بصرامة، فإن العملية الديمقراطية لا تتوقف بسبب ملف هنا أو هناك. فالطعون الانتخابية وُجدت لتصحيح الاختلالات التي قد تشوب العملية الانتخابية، وفق الاختصاصات والأحكام التي يحددها القانون، كما يمكن أن تفضي المساطر القانونية إلى تنظيم انتخابات جزئية عند توفر الشروط القانونية، بما يعيد الأمور إلى نصابها. كما أن كل من يثبت تورطه في الإساءة إلى الناخبين، أو التزوير، أو التبليغ عن جرائم وهمية، تتم مساءلته ومعاقبته وفق القوانين، بعيدا عن المزايدات، أو التوقف عند ملف واحد، وتهميش الحديث عن انتظارات كبرى من الحكومة المقبلة، وتحديات بالغة التعقيد تفرضها الظروف العالمية، وفي مقدمتها الحاجة إلى تشغيل الشباب اليوم قبل غد، وحماية القدرة الشرائية وقفة المغاربة بكل السبل الممكنة.
فالمسار الديمقراطي كما هو معروف يتقوى بتمرين تطبيق القانون، وبالاحتكام إلى القضاء للفصل في التجاوزات والخلافات، وكذلك بقدرة الأحزاب على الرفع من مستوى النقاش السياسي ومراجعة أخطائها عوض الالتفاف عليها، وتأطير قواعدها باستمرارية، وبالتوفر على المرونة المطلوبة للانتقال سريعا من صخب الانتخابات وجدل الطعون، إلى العمل الجاد لمعالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية والجواب عن انشغالات المواطن اليومية.




