
تحول ملف حماية القدرة الشرائية للمواطنين، في ظل استمرار غلاء الأسعار، إلى جمرة حارقة في يد حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، في بداية ولايتها، خاصة أن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود الحكومة، بنى حملته الانتخابية على هذا الموضوع لاستقطاب أصوات الناخبين.
ولم يعد أمام الحكومة متسع من الوقت للاختباء وراء لغة الوعود والبرامج الانتخابية، لأن معركة حماية القدرة الشرائية للمواطنين تفرض نفسها باعتبارها أول امتحان سياسي واجتماعي حقيقي تواجهه في بداية ولايتها، واختبارا مبكرا لمدى قدرتها على تحويل الشعارات التي رفعتها خلال الحملة الانتخابية إلى إجراءات ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للأسر المغربية.
ولهذا، فإن الحكومة وضعت نفسها في وضع صعب، لأن المواطن، الذي استمع إلى الوعود خلال الانتخابات، لا ينتظر اليوم مزيدا من التصريحات والتبريرات، بقدر ما ينتظر أن يشعر بأن هناك إرادة حكومية حقيقية لوقف نزيف الأسعار واستعادة التوازن المفقود بين الأجور وتكاليف المعيشة، وإلا سيعاقب الأحزاب المشكلة لهذه الحكومة، خاصة أن المغرب مقبل على تنظيم الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية والمهنية، وأي تراجع لأحزاب الأغلبية في هذه الاستحقاقات تمكن قراءته على أنه فقدان للثقة الشعبية.
ولذلك يكتسي موضوع حماية القدرة الشرائية للمواطنين أهمية سياسية مضاعفة بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة الذي يقود الحكومة، بالنظر إلى أن موضوع القدرة الشرائية ومحاربة الغلاء كانا من أبرز العناوين التي حضرت في خطابه خلال الحملة الانتخابية، وبالتالي، فإن الحزب، الذي جعل من تحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطنين أحد مرتكزات برنامجه الانتخابي، يجد نفسه اليوم أمام ضرورة إثبات أن ما قدمه للناخبين لم يكن مجرد خطاب لاستمالة الأصوات، وإنما التزام سياسي قابل للتنفيذ والمحاسبة.
ولا يمكن للحكومة أن تتعامل مع هذا الملف باعتباره مجرد انعكاس لتقلبات الأسواق الدولية أو لتداعيات الأزمات الاقتصادية الخارجية، لأن استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية والخدمات الأساسية جعل القدرة الشرائية للأسر المغربية تعيش تحت ضغط متواصل. والأخطر من ذلك أن الهوة بين المداخيل وتكاليف المعيشة أصبحت أكثر اتساعا، في ظل محدودية الأجور واتساع دائرة الأسر التي تجد صعوبة في تدبير نفقاتها الشهرية، حتى بالنسبة إلى الفئات التي تتوفر على دخل قار.
ورغم أهمية الاجتماع الذي ترأسته رئيسة الحكومة حول حماية القدرة الشرائية للمواطنين، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الإعلان عن إجراءات ظرفية لدعم بعض المواد أو تخصيص اعتمادات مالية ضمن قانون المالية، وإنما في بلورة سياسة حكومية متكاملة تعالج الأسباب البنيوية للغلاء، وتتصدى للمضاربات والاحتكار وتعدد الوسطاء، وتكثف مراقبة الأسواق، وتضمن شفافية سلاسل الإنتاج والتوزيع. فليس من المعقول أن تظل الحكومة في موقع المتفرج على اختلالات السوق، بينما يؤدي المواطن وحده كلفة هذه الاختلالات من دخله المحدود.
وبالتالي لا يمكن اختزال حماية القدرة الشرائية في مراقبة الأسعار وحدها، بل تستدعي مراجعة العلاقة بين الأجور وتكاليف المعيشة، والبحث عن آليات تضمن تحسن المداخيل بالتوازي مع ارتفاع الأسعار. فالأرقام التي كشف عنها وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، بشأن مستويات أجور الموظفين، والتي تفيد بأن 87 بالمائة منهم يتقاضون أجورا لا تتجاوز 10 آلاف درهم، إلى جانب وجود حوالي مليوني أجير يتقاضون الحد الأدنى للأجور، تضع الحكومة أمام حقيقة اجتماعية لا يمكن تجاهلها، وهي وجود شريحة واسعة من المغاربة لا تملك هوامش مالية تسمح لها بمواجهة موجات الغلاء المتتالية.





