حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

حسابات فاطمة المعقدة

د. خالد فتحي

 

حسابيا، لا تحتاج الحكومة الحالية إلى حزب إضافي، فـ228 نائبا، وهم مجموع نواب مكوناتها الحالية، أكثر من كافين لمنح الثقة للبرنامج الحكومي الذي ستقدمه فاطمة الزهراء المنصوري. لكن السياسة ليست حسابا فقط.

استمرار توصيف الحكومة بأنها «التحالف الثلاثي» سيخلق انطباعا لدى الرأي العام بأن شيئا لم يتغير، وأن الانتخابات جرت من أجل لا شيء. وفي السياسة، للصورة دلالتها مثلما للأرقام وزنها.

إذا تقرر، إذن، استمرار الأغلبية الحالية، فستسعى رئيسة الحكومة دون شك إلى دمج حزب أو حزبين، وربما ثلاثة أو أكثر، حتى تتغير صورة الحكومة سياسيا. قد يصبح التحالف رباعيا إذا ضم إلى «البام» والأحرار والاستقلال الاتحاد الاشتراكي وحده، أو الحركة الشعبية وحدها. وقد يصبح خماسيا إذا اجتمعا معا، أو إذا استبدلت الحركة الشعبية بالتقدم والاشتراكية. ولم لا سداسيا أو سباعيا إذا أضيف إلى هذه المجموعة الاتحاد الدستوري وحزب «النخلة»؟

السيناريوهات كثيرة، والتوليفات أكثر. والمنصوري وكتيبتها المكلفة بالتفاوض أمام مهمة شاقة، لأن كل حزب تتجه إليه رئيسة الحكومة تحكمه حسابات خاصة، وسياق مختلف، وصورة له بين المغاربة، وشروط للانضمام وأثمان للبقاء خارج الحكومة.

حزب الاستقلال في ظل هذا الوضع يبدو، في وضع مريح جدا. نزار بركة عرف كيف يركز على برنامجه وقاد حملة نظيفة باعتراف الجميع، ولم يوغر صدر أحد، ولذلك يبدو حليفا لا غنى عنه للحزب الأول.

جاء الاستقلال ثالثا بفارق نائب واحد عن الأحرار، وكان ثانيا متفوقا عليه من حيث عدد الأصوات. وفوق ذلك، فإن الحرب الضروس التي خاضها الأحرار و«البام» خلال الحملة الانتخابية تمنح الاستقلال موقعا محوريا في المفاوضات، بل تجعله الشريك الطبيعي الأول للأصالة والمعاصرة في الحكم. الأحزاب كالبشر لا ينسون الضغائن، خصوصا وهي طرية.

لذلك من الصعب جدا، في مثل هذه الظروف، أن يتقدم الأحرار على الاستقلال في ترتيب الدخول إلى الحكومة، بعدما شهدت العلاقة بين «البام» والأحرار كل ذلك الصدام والتطاحن الانتخابيين. إذن، كيفما ستأتي التوليفة التي ستهتدي إليها بطانة المنصوري، سيكون من شبه المستحيل تجاهل حزب نزار بركة في المعادلة القادمة.

ذهابه إلى المعارضة، كما لا يزال يروج له نزر قليل من السياسيين، لا يبدو احتمالا مرجحا، لأن ذلك يعني أن يصبح «البام» والأحرار دعامتي التحالف الأساسيتين، وهو ما قد يشكل صدمة كبرى للناخبين الذين تابعوا مسلسل الهجاء والتنابز بين الغريمين خلال الحملة.

وقد تكون الصدمة أكبر إذا وجد العدالة والتنمية والاستقلال نفسيهما جنبا إلى جنب في المعارضة. فمعارضة من هذا النوع ستكون مرهقة جدا لـ»البام»، وقد تضعف الحكومة حتى لو تشكلت من معظم ما تبقى من الأحزاب.

لهذا يبدو حزب بركة كالعصفور النادر الذي يصعب على سفينة الحكومة أن تبحر بدونه.

فهل يعني كل ذلك أن حزب الأحرار فقد كل أوراقه في الدخول إلى الحكومة؟ قد يسارع البعض إلى الاعتقاد بذلك، لكن الأمر ليس بهذه البساطة.

صحيح أن الأحرار صار في مرمى النبال من كل الاتجاهات. رفيقاه القديمان لا يرحمانه، وأحزاب المعارضة لا تكف عن مهاجمته، والكل تقريبا يرشحه ليكون القربان الذي سيقدم لتسهيل ولادة التحالف الجديد.

لكن هل يرضخ للضغط؟ وهل يرفع الحرج عن «البام» الذي تدفع بعض قواعده في هذا الاتجاه؟ لا أظن.

فالأحرار يرى أنه، وإن تقلص حجمه، لا يزال التحالف الثلاثي الذي شكله مع «البام» والاستقلال أغلبية. ويرى أيضا أن له دينا سياسيا على «البام»: ألم يختره حليفا سنة 2021، حين كان «البام» في المرتبة الثانية بعده؟ ثم إنه يعتبر نفسه الأقرب إليه إيديولوجيا وسياسيا.

لذلك سيعاند وسيصانع وسيغض الطرف عن التحرشات، وسيدفع بأن ملاسنات الحملة الانتخابية تمحوها براغماتية المفاوضات، وأن ما قيل فوق المنصات لا ينبغي أن يكون أقوى من حسابات الحكم.

إنه يعي بأن نخبته لا تعيش أبدا خارج أروقة السلطة، وأنه كحزب لم يعتد لعب دور المعارضة، فهي بالنسبة إليه قد تعني أن يتذوق «الموت الزؤام».

ولربما يخمن حزب الأحرار أن ما يكابده الآن ليس سوى خطة من «البام» نفسه وما عليه إلا الصبر حتى تنقشع الغيوم: فـ«البام» يريد إخراجه فقط من توازن الندية، لأنه في الوقت ذاته لا يستطيع الاستغناء عنه. وقد يكون الهدف من هذه المماطلة الحد من شهيته المفتوحة إلى المناصب الوزارية الوازنة التي يسيل لها اللعاب.

إذا صح هذا التخمين، فإن ما يجري ليس سوى آخر شوط من كسر العظام بين الحزبين، قبل أن تدب الرحمة في قلب المنصوري لرفيق درب عاشرته خمس سنوات كاملة.

لكن هناك من يرى أن دفع الأحرار إلى المعارضة لن يسوء أبدا رفاق المنصوري، لأنه قد يمنح «الحمامة» رئاسة لجنة العدل ويحرم منها العدالة والتنمية، خصمه اللدود.

لكن هذا الحساب مردود عليه؛ فنواب العدالة والتنمية وقد ازدادوا 41 نائبا سيكونون شرسين برئاسة لجنة أو بدونها. ألم يتوعدوا الحكومة مباشرة بعد إعلان النتائج بكل الحروب والمعارك، بل وبكل الشرور الممكنة؟

لذلك يظل الأحرار معلقا بين أحد احتمالين: خروج لن يشكل مفاجأة، ودخول ليس أيضا بمفاجأة .

أما الاتحاد الاشتراكي، فيمكن القول، إذا شئتم، إنه يستحق أن يكون في الحكومة. ألم يكن حليفا للتحالف الثلاثي في المعارضة؟ صحيح أن كفيله السياسي الأساسي غاب أو أضعف ولم يعد يتحكم في مقاليد الأمور، لكن مكونات الأغلبية السابقة استفادت، بدرجات مختلفة، من اصطفافه إلى جانبها طيلة الولاية. لقد كان حزبها في الضفة الأخرى.

ومن هذه الزاوية، يعتبر الاتحاد أن الأحزاب الثلاثة متضامنة في تقديم المكافأة. هكذا تزين له بنات أفكاره، فإن كان الأحرار لم يتصدر الانتخابات، فلا ضير أن ينوب عنه «البام» في جبر الخاطر. كما أن الاستقلال ولا شك لا ينسى له أنه كان ذات يوم رفيقه في الكتلة الوطنية، وإن كانت هذه الكتلة قد ضمرت وصارت أثرا بعد عين..

يعرف الجميع أن الاتحاد يحتاج إلى الحكومة بشدة، وأن عدم دخوله إليها هو بمثابة عدم تقديم مساعدة لحزب في خطر، فبدونها سيغرق في دوامة سياسية وتنظيمية لا تبقي ولا تذر، ولربما يفقد مستقبله وما فضل من قواعده نهائيا. لكن شهيته المفتوحة تجعل مع ذلك بعض الأحزاب تنظر إليه شزرا، وتتعامل مع مطالبه بحذر. فهي تتوقع منه أن يراهن على قيمته الرمزية، وأن يطالب بحقائب أكبر من وزنه الانتخابي.

إنه يعرف في قرارة نفسه أن «البام» يكمل به حلقة الكتلة، وأنه يهدف بضمه إلى تحقيق ما لم يحققه بنكيران ذات 2011، حين سعى لأن يسخن أكتافه بالكتلة في حكومته ولم يوفق في ذلك. لذلك سيناور هذا الاتحاد، وسيفاوض بكل قوته، حتى يربح من المفاوضات ما لم يربحه في الانتخابات. وهذه أيضا مغامرة قد تجعل الفرقاء يقسون عليه ويزورون عنه مرة أخرى.

لكن تلويح الاتحاد الاشتراكي بالكتلة يحتاج طرفا ثالثا. إنه التقدم والاشتراكية، الذي يقدم رجلا ويؤخر أخرى. وهذا الحزب يفصله عن تكوين فريق نيابي نائب واحد، وتفصله عن الحكومة ترتيبات سياسية وتنظيمية عديدة.

أولا، يريد أن يقنع قواعده بشرعية الانتقال من المعارضة إلى الأغلبية. ولذلك فهو يشترط خروج الأحرار لتبرير تغيير موقعه. ولو كان الأحرار هو الذي حل أولا لربما كان اشترط خروج «البام» حتى يدخل لمؤازرة الأحرار.

ثانيا، هو في مسيس الحاجة إلى حل مشكلة أمينه العام كي يستطيع أن يتسنم كرسي الوزارة ويقود بنفسه الفريق الوزاري الذي قد لا يتعدى في أفضل الأحوال منصبين، فحتما لن يكون عطاء «البام» له كعطاء بنكيران الجزل. ولذلك فقد يرضى هذا الحزب في نهاية المفاوضات من الغنيمة بالإياب، كما قال امرؤ القيس، ويعود إلى صفوف المعارضة، حيث سبقه إليها حليفه القديم العدالة والتنمية الذي على عكسه اختار المعارضة حتى لا يظهر أنه اضطر إليها .

فمعه قد يجد سندا له للتحالف في أغلبيات المدن خلال الانتخابات المقبلة. التقدم والاشتراكية يحتاج من العدالة شعبيتها وجماهيريتها، والعدالة تحتاج إلى هذا الحزب لاستكمال نصاب بعض الأغلبيات المحلية.

اما الحركة الشعبية التي «فجرت» في خصومتها مع مكونات الأغلبية السابقة، فلكي تداري حرجها من الانضمام إليها لا بد وأنها ستطالب بشيء كبير، ولربما برأس الأحرار. لكن الواضح أنها تريد مغادرة المعارضة.

ولعل توليتها ريم شباط رئاسة فريقها تحمل إشارة ذات بعدين: الأول أنها بدأت بالفعل تنخرط في تجربة تنصيب سيدة على رأس الحكومة؛ والثاني أنها تخير رئيسة الحكومة بين أن تكون ريم في صفها، أو في صف المعارضة.

وفي السياسة، ليست الإشارات أقل أهمية من التصريحات. لكن يبقى الواضح أن الحركة ليست إلى حدود الآن سوى عجلة احتياطية لتضخيم الأغلبية لا غير، وهي إن لم تستوعب هذا الدور غير الضروري ستجد نفسها دون شك خارج الأغلبية في صحراء المعارضة من جديد.

يبقى الاتحاد الدستوري الحزب الذي لا يثير نقعا ولا يسبب مشكلة، رئيسه يوجد أصلا تحت مظلة «البام» في جامعة الكرة، ولذلك لا يأبه كثيرا أن يكون عضوا في التحالف، أو مساندا نقديا كعادته.

لكن الفرق هذه المرة أن السيد جودار لا يأتي وحيدا عند لقجع؛ بل يأتي مستظلا بـ«النخلة». هو مع «البام»، سواء «أكل» من الكعكة أو جلس متحلقا حول القصعة لا يمد يده إليها إلا لماما لقضاء بعض المصالح والمنافع .

في الحالتين معا، سيظل جزءا من الحساب السياسي الذي يجري حول تشكيل الحكومة.

هكذا تبدو خريطة المفاوضات أكثر تعقيدا من مجرد جمع المقاعد.

حسابيا، تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري أن تحكم من دون أي إضافة، لكنها سياسيا تحتاج إلى أكثر من أغلبية عددية: تحتاج إلى حكومة تعكس نتيجة الانتخابات، وتجيب عن الرسالة التي بعثها الناخبون، وتخفف من أثر الصدامات التي طبعت الحملة، وتمنح التحالف الجديد صورة مختلفة عن التحالف الذي سبقه.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم نائبا تحتاج المنصوري؟

السؤال هو: من تحتاج المنصوري إلى جانبها حتى تصبح حكومتها قابلة للحياة سياسيا، وليس فقط قابلة للحياة حسابيا؟

هذا بالضبط ما سيحسم في رأيي لعبة المفاوضات.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى