
«مساء الجمعة بدأت بعض المكالمات تدب في أوساط الصحافيين والمثقفين بحثا عن تأكيد لخبر وفاة الصحافي حميد برادة، قبل أن يتأكد الخبر، وتليه صور تشييع الراحل إلى مثواه الأخير في الدار البيضاء..
كان برادة يمازح زواره، بشأن سنّه، بأنه ممن عاشوا ويلات «عام البون» في طنجة سنة 1945. لم يكن عمره وقتها يتجاوز ست سنوات.
لكن المحن الأخرى، التي فاقت جوع «عام البون»، كانت على موعد مع برادة في شبابه. حُكم غيابيا بالإعدام سنة 1963، ووجهت إليه تهمة الخيانة العظمى، ولجأ إلى الجزائر ليلتحق بالمهدي بن بركة.. وفي العام 1978، سوف تنتهي محنته مع المنفى، لكنه اختار باريس مقاما له.
في العام 1985، أصبح أول صحافي مغربي، يجري حوارا مع الملك الراحل الحسن الثاني، ولم يقاسمه أي مغربي آخر هذا «اللقب».. تحولات في حياة برادة تستحق فعلا أن يُسلط عليها الضوء، رغم أنه حاول جاهدا، بطبعة الطنجاوي المحافظ، أن يُبقيها بعيدة تماما عن الضوء..».
يونس جنوحي
لا للدستور!
وحدهم من كانوا مقربين «جدا»، وما أقلهم، من الصحافي الاتحادي حميد برادة، يعرفون واقعة تتعلق بقصة علاقة أول دستور للبلاد، مع «العطر الباريسي».
تعود الواقعة إلى أجواء سنة 1962. كان حميد برادة منهمكا داخل غرفة سرية، في الإشراف على إعداد لافتات كبيرة تحمل عبارات «لا للدستور»، وأخرى «لا للدستور الممنوح».
كان الحماس قد تملك حميد برادة، إلى درجة أنه انهمك بنفسه في صبغ العبارات باللون بالأسود، فوق ثوب شديد البياض. فزع من مكانه عندما سمع طرقا عنيفا على الباب. كان الطارق أحد أصدقائه المقربين في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. طلب منه أن يفر على وجه السرعة، لأن عناصر من «البوليس السري» بصدد اقتحام البناية.
كان برادة يلجأ إلى مخرج سري معد خصيصا للهرب في المواقف المشابهة، لكنه انتبه إلى أن رائحة الطلاء القوية، سوف تفضحه، فلجأ إلى حيلة استعمال قنينة عطر كان قد حصل عليها هدية، قبل أيام، لكي تغطي على «رائحة النضال». وفعلا استطاع التمويه وخداع «زوار الليل»، الذين كانوا يبحثون عنه، وبدا وكأنه شاب يتجه إلى بيته ليلا بعد سهرة صاخبة.
هذه «قفشة» لم يكن يعلمها سوى حميد برادة، وقلة ممن عاشوا معه تموجات الحياة.
صحفي يعرف أكثر مما يجب!
في سنة 2019، أعاد الصحافي حميد برادة تذكيرنا جميعا بأنه عاش مرحلة 1963 الحرجة، عندما كان مقربا من المهدي بن بركة.
قال حميد برادة إن اتصالا كان بين الجنرال أوفقير والمهدي بن بركة. ولم يتقبل «حراس المعبد» وقتها هذه الشهادة الجريئة من رجل عاش قريبا من المهدي بن بركة، بل وكان ممثلا له في لجنة التحضير لمؤتمر هافانا الذي اختفى بن بركة حتى لا يحضره. لم يقبلوا أن يقترن اسم الجنرال أوفقير، الذي اتُهم بتصفية المقاومين وملاحقة المناضلين وتعذيبهم، والمهدي بن بركة الذي كان رمزا ثوريا مثالا لمعارضة النظام. فكيف إذن يحدث اتصال بين الضدين؟
قال حميد برادة كلمته، وعاد إلى معبده، ليستمر في عزلته خلال السنوات الأخيرة من حياته، رافضا منح الحوارات.
قال حميد برادة إن ترتيبات جرت بين المهدي بن بركة والجنرال أوفقير لعقد لقاء في باريس قبل اختفائه، في أكتوبر 1965. واستند حميد برادة لتأكيد روايته، إلى شخصية جزائرية، هو السياسي والدبلوماسي الأخضر الإبراهيمي، الذي كان يعرف بدوره الكثير من الأسرار.
كان حميد برادة في الحقيقة مؤهلا لمعرفة تفاصيل أكثر، إن وُجدت حول الموضوع، لكنه لم يقدم المزيد من الشروحات.
في سنة 1965، كان حميد برادة مناضلا يساريا شرسا، محكوما غيابيا بالإعدام في المغرب على خلفية ملف مؤامرة يوليوز 1963. وكان مقربا من المهدي بن بركة، بل ومُكلفا بملف تدبير المحادثات بين بن بركة وبعض الشخصيات اليسارية في فرنسا، أثناء التحضير لمؤتمر «القارات الثلاث»، والذي كان يرمي إلى تضامن شعوب إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
كانت المخابرات الأمريكية والفرنسية تتابعان هذا الموضوع باهتمام، وتتخوف من ميلاد جبهة دولية معارضة لأمريكا، يترأسها المهدي بن بركة.
لقد كان هذا التقارب، بين حميد برادة والمهدي بن بركة، مبنيا أساسا على ما راكمه برادة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب من علاقات جعلته يوفر لابن بركة قاعدة جماهرية واسعة من الشباب المتحمس.
وهذا التقارب بدأ فعليا بعد انتخابات 1962، عندما غادر بن بركة المغرب احتجاجا على ما أسماه تزويرا للنتائج. ولجأ في البداية إلى الجزائر، وأعلن من هناك معارضته لحرب الرمال في أكتوبر 1963.
في هذه المحطة بالذات، كان حميدة برادة على موعد مع التاريخ. فقد أعلن بصفته رئيسا لاتحاد طلبة المغرب تأييده لتصريحات المهدي بن بركة، وأصبح لديه موقف معاد للنظام، ولم يكن سنه وقتها تتجاوز 24 سنة فقط.
في تلك السن المبكرة، سوف يصبح حميد برادة محكوما غيابيا بالإعدام. هل انتهت الحياة بالنسبة إليه؟ بل بدأت حياة أخرى في المنفى..
المنفي
منذ 1963، أصبح حميد برادة منفيا، ومُطاردا.
توصل حميد برادة بمعلومة تفيد بأنه مبحوث عنه، وأن الأوامر قد أعطيت لاعتقاله. فقرر الفرار إلى الجزائر، عبر مدينة وجدة، قبل أن تصل إليه أيادي «زوار الليل». وفعلا نجح في العبور إلى الجزائر، والتحق بفريق المعارضين اللاجئين إلى الجزائر، حيث أقام مؤقتا، قبل أن ينتقل إلى باريس.
كلما تجول ليلا في شوارع باريس، كان يرافقه من أصدقائه الطلبة من يحرسه. وكلما التقى المهدي بن بركة، أو تلقى مكالمة أو رسالة منه، إلا وازداد انتباهه حتى لو كان بصدد عبور الشارع.
كان حميد برادة يحظى بشهرة كبيرة جدا في فرنسا، في أوساط المعارضين الفارين بعد أحكام يوليوز 1963. ورغم أن بعض قدماء المقاومة الفارين، على خلفية الملف نفسه، قد اختاروا الجزائر ملجأ اختياريا لهم، إلا أن الشبان المتعلمين قد اختاروا باريس، واستطاع حميد برادة أن يجعل منهم نواة جديدة لمرحلة النضال من الخارج.
انتقل حميد برادة بين الجزائر وفرنسا، معلنا عن أنشطة تعارض النظام، ومنح تصريحات للإذاعة الجزائرية ما بين 1963 و1965، كانت تنتقد رموز النظام في المغرب، وتؤيد قيام الثورة.
سرعان ما فهم برادة أن مستقبله لن يكون في العاصمة الجزائر، وأن باريس أرحب بكثير، فقرر أن يلج عالم الصحافة في فرنسا، ليصبح مكلفا بالذراع الإعلامية للمهدي بن بركة.
المشهد الشهير لحميد برادة، كما عرفه أصدقاؤه في المنفى، يتلخص في مراقبته وهو يتأبط الجرائد، ويقطع الشارع مفضلا دائما ارتداء قميص أزرق فاتح، وسروال فاتح اللون يميل إلى البياض.
كان يبدو باريسيا، لولا لكنته الطنجاوية التي يمازح بها أصدقاءه بين الفينة والأخرى، قبل أن يعود إلى الفرنسية الأنيقة ردا على أسئلة الاشتراكيين الفرنسيين الذين شاركهم نقاشات ساخنة حول السياسة في المغرب.
مع بداية السبعينيات، كان حميد برادة قد فرض نفسه اسما صحافيا، وقع مئات المقالات التحليلية والتغطيات..
اختفاء المهدي بن بركة، في آخر أيام أكتوبر 1965، كان الحدث الذي هز حميد برادة، وجعله يحس أنه قد يلقى نفس مصير زعيمه.
رئيس التحرير
في ربيع سنة 1974، أصبح حميد برادة رسميا رئيسا لتحرير مجلة «جون أفريك»، بعدما راكم تجربة في تحرير المقالات التحليلية، استنادا إلى تخصصه الأكاديمي في الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي.
كان حميد برادة يكتب بلغة حماسية يغلب عليها وضعه في فرنسا: لاجئ محكوم غيابيا في بلده بالإعدام. لكنه في الوقت نفسه كان يكتب بنفَس الصحافي المعارض كلما تعلق الأمر بالوضع السياسي في المغرب، وشمال إفريقيا عموما. وهو ما جعله «البروفايل» الأنسب لرئاسة تحرير المجلة.
بعد أربع سنوات، أي في سنة 1978، عرف ملف حميد برادة، «ومن معه»، انفراجا.
أصدر الملك الراحل الحسن الثاني عفوا ملكيا شمل عددا من المعارضين، وأسقطت أحكام الإعدام في حق بعض الاتحاديين الذين اقترنت أسماؤهم بأحداث يوليوز 1963.
هذا الانفراج جعل حميد برادة يعود إلى المغرب، بعد سنوات من الغياب، لكنه استمر أيضا في العمل الصحافي من فرنسا.
احتفى الطلبة الجدد في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بعودة حميد برادة، وأقاموا حفلا متواضعا في مقر الاتحاد، حتى أن أحد الطلبة تحمس وحاول إلقاء قصيدة شعرية تمدح برادة، وتعدد مناقبه، لكن الأخير احمر وجهه، وطلب من الطالب ألا يتلو القصيدة، وأن يشاركه في أجواء الاحتفال مع زملائه.
كان الطلبة اليساريون وقتها يعرفون اسم حميد برادة بصفته مرافقا للمهدي بن بركة، وبصفته رئيسا سابقا للاتحاد الوطني لطلبة المغرب. ولم يكونوا يتوقعون منه أن يفشي الأسرار أو يذكر لهم الكواليس.. لقد كان برادة شخصا كتوما. تلك كانت عادته دائما.
من الإعدام.. إلى محاورة الملك!
في سنة 1985، كانت السيارة التي تقل الصحافي حميد برادة في طريقها إلى إقامة الملك الراحل الحسن الثاني.
كان حميد برادة قد وصل من باريس، ونزل في فندق في انتظار ترتيب الموعد لدخول القصر الملكي. والهدف كان إجراء حوار صحافي لصالح مجلة «جون أفريك» التي كان يترأس تحريرها، مع الملك الراحل الحسن الثاني.
أصبح برادة فعليا أول مغربي يجري مقابلة صحفية مع الملك.
كان الملك الراحل الحسن الثاني يعرف جيدا من يكون حميد برادة، وكان يعرف طبيعة أنشطته اليسارية وانضمامه إلى المعارضة في الخارج سنة 1963، لكنه منح المجلة حوارا صحفيا مرجعيا، عبر فيه الملك عن مواقف صريحة وجريئة بخصوص ملف الصحراء، وعلاقة المغرب مع عدد من الدول الإفريقية، وعلاقة هذه الدول مع فرنسا.
مناسبة الحوار كانت مرور عشر سنوات على المسيرة الخضراء. وهكذا فقد كان هذا الحوار مادة مرجعية توضح رؤية الملك الراحل الحسن الثاني وتقييمه لملف الصحراء، بعد عقد على المسيرة. ولم يمانع الملك أن يحاوره صحافي مغربي شاب، كان محكوما غيابيا بالإعدام، ووجهت إليه تهمة «الخيانة العظمى» إلى جانب المهدي بن بركة وآخرين..
كان الحوار قد خلف أصداء واسعة. لكن حميد برادة ظل متكتما بخصوص كواليس الإعداد لهذا الحوار الصحفي، وما إن كان الملك الراحل الحسن الثاني قد اشترط شروطا معينة على المجلة، قبل أن تبعث حميد برادة.
أبرز ما جاء في الحوار تصريح مثير للملك الراحل الحسن الثاني، اعترف فيه لقراء مجلة «جون أفريك» بأنه كان ينوي، في حالة فشل المسيرة الخضراء، الاستقالة وتسليم السلطة إلى مجلس الوصاية على العرش، إلى أن يصل ولي العهد سن الرشد. وهو التصريح الذي كشف جانبا غير معروف من شخصية الملك الراحل الحسن الثاني.
المقربون من الرجل يؤكدون دائما أنه يصبح متكتما كلما تعلق الأمر بما يدور في الجلسات المغلقة. ورغم أنه صحافي في تكوينه، إلا أنه كان صموتا كلما تعلق الأمر بما «لا يمكن البوح به».
وهذه الخصلة ظل برادة يُشهرها كلما طُلب منه الحديث عن علاقات المهدي بن بركة، أو «زلات» اليسار ومزاعم وجود علاقات بين قياديين يساريين وشخصيات مثل الجنرال أوفقير أو الدليمي.
هل تقاعد برادة؟
هذا السؤال يستحق وقفة تأمل فعلا. ففي سنة 2009، أصدر برادة كتابا مهما، جمع فيه «ترسانة» من الحوارات الصحفية التي أجراها مع زعماء الدول، وكان حواره مع الملك الراحل الحسن الثاني على رأس القائمة.
ورغم أن محيط برادة يذكر دائما أنه كان الصحافي المغربي الوحيد الذي أجرى حوارا مع الملك، إلا أن برادة لم يشر إلى هذه الجزئية نهائيا في كتابه.
كان الكتاب تذكيرا للجيل الجديد من الصحافيين والمثقفين الذين لم يعيشوا مع برادة مرحلة الستينيات والسبعينيات، بمسار استثنائي اختلط فيه النضال بالصحافة.
فضل حميد برادة التراجع عن الكثير من «شغبه». تعرف عليه المغاربة لاحقا في التلفزيون، عندما كان يقدم برنامجا، سنة 2007، باللغة الفرنسية عنوانه: « Mais Encore?».
كان البرنامج مناسبة استعاد فيها برادة بعض علاقاته مع شخصيات تقاطعت معها السُبل قبل زمن مضى.. أو حال بينه وبينها واقع المنفى والاختيارات السياسية المكلفة.





