
مثلما يوجد العديد من السماسرة في مجالات العقار وبيع السيارات المستعملة والتجارة بصفة عامة، هناك، أيضاً، سماسرة الانتخابات الذين ينتظرون المحطات الانتخابية، على أحر من الجمر، للتفاوض حول بيع الأصوات الانتخابية، والدخول في مساومات مع من تتم تزكيتهم ومحاولة رفع سعر الصفقات الخفية، حتى ولو كان ذلك عبر بيع الوهم وادعاء امتلاك قاعدة انتخابية كبيرة، والقدرة على قلب الموازين في اللحظات الأخيرة قبيل الاقتراع.
وطبعاً هناك العديد من رؤساء الجماعات الترابية ونوابهم وأعضاء المجالس الذين يحترفون السمسرة في الانتخابات البرلمانية، ويقومون حالياً بعقد اجتماعات سرية مع مرشحين للبرلمان، والتفاهم معهم حول المبالغ المالية الواجب دفعها مقابل منحهم الأصوات التي يزعمون أنهم يتحكمون فيها. وترتفع قيمة السمسرة حسب درجة حرارة كل دائرة انتخابية، وحسب الوجوه المتنافسة، وتفاصيل الصراعات الحزبية وأهمية المنصب البرلماني في خدمة أجندات ضيقة من قبل البعض.
ولا يلتزم سماسرة الانتخابات البرلمانية بتوجيهات القيادات الحزبية، ولا بالانتماء السياسي أو المبادئ أو الوعود والبرامج الانتخابية، بقدر اهتمامهم بمن يدفع المال أكثر لشراء الأصوات الانتخابية. ويعمل بعضهم، أحياناً، ضد اختيارات الأحزاب التي ينتمون إليها، في سرية تامة، ما يربك توقعات السلطات المختصة والمتتبعين للشأن العام المحلي، ويجعل الخريطة الانتخابية رهينة بممارسات لا علاقة لها بالتنافس الديمقراطي النزيه.
ثمة، أيضاً، سماسرة الانتخابات من رؤساء الجمعيات التي تنشط في مجالات متعددة، خاصة تلك المتعلقة بالشقين الاجتماعي والرياضي، الذين يتفقون مع المرشحين للبرلمان على ثمن دعمهم. يتم كذلك، في بعض الحالات، الاتفاق بين هذه الجمعيات ورؤساء الجماعات والبرلمانيين على الاستفادة من دعم المال العام مقابل توجيه الأصوات، وهو الأمر الذي كان محط مذكرات متعددة لوزارة الداخلية، وتأكيدها على ضرورة القطع مع استغلال المال العام لأغراض انتخابية.
الخطير في ظاهرة سماسرة الانتخابات أنها لا تفسد فقط لحظة الاقتراع، بل تضرب في العمق مبدأ التمثيلية الديمقراطية، عندما يتحول الناخب إلى مجرد رقم قابل للبيع والشراء، ويتحول بعض المنتخبين والجمعيات والوسطاء إلى تجار للأصوات. لذلك فإن مواجهة هذه الممارسات لا ينبغي أن تقتصر على يوم الاقتراع، بل تستدعي تشديد المراقبة وتتبع مصادر الأموال وحركة المرشحين والوسطاء، والتعامل بجدية مع كل الشكايات والمعطيات التي تكشف استغلال النفوذ أو المال العام أو شراء الأصوات، لأن حماية نزاهة الانتخابات تبدأ من تجفيف منابع السمسرة السياسية، وليس فقط من مراقبة صناديق الاقتراع.





