
حاوره: النعمان اليعلاوي
لم تعد القوة في العلاقات الدولية تُقاس فقط بحجم الجيوش أو المؤشرات الاقتصادية أو حتى عدد الدول الداعمة للمواقف السياسية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة الدول على إنتاج السرديات وصناعة التأثير داخل الفضاء الرقمي والإعلامي العالمي. وفي زمن الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، باتت صورة الدول تُصنع في مراكز البيانات كما تُصنع في مراكز القرار.
في هذا الحوار مع “الأخبار“، يقدم عمر العلوي، مؤسس مكتبAffinityX والمتخصص في تحليل الصورة الدولية للدول بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، قراءة معمقة لموقع المغرب في النظام الدولي الجديد، ولمستقبل القوة الناعمة المغربية، ولمعركة السرديات التي يعتبرها التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة. كما يتوقف عند مستقبل الإعلام والصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي، وعلاقة المغرب بإفريقيا والفضاء المتوسطي، وكيف يمكن للمملكة أن تتحول من دولة تحقق نجاحات دبلوماسية إلى دولة تنتج المعرفة وتؤثر في النقاش العالمي.
كيف تقرؤون موقع المغرب في النظام الدولي الجديد في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة؟
نحن نعيش لحظة تاريخية تعيد تشكيل النظام الدولي بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة. العالم يتجه نحو تعددية قطبية أكثر تعقيداً، حيث لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد، بينما تزداد أدوار الصين والهند وتركيا ودول الخليج وإفريقيا. في هذا السياق، استطاع المغرب أن يتموقع بذكاء، مستفيداً من استقراره السياسي، ومن وضوح رؤيته الاستراتيجية، ومن تنوع شراكاته الدولية.
الميزة الأساسية للمغرب أنه لم يدخل في سياسة المحاور، بل حافظ على استقلالية قراره الخارجي، ونجح في بناء علاقات متوازنة مع أوروبا والولايات المتحدة وإفريقيا والعالم العربي، مع الانفتاح أيضاً على قوى آسيوية صاعدة. هذا التموضع يمنحه هامشاً واسعاً للمناورة ويجعله شريكاً موثوقاً في قضايا الأمن والطاقة والهجرة والاستثمار. لكن المرحلة المقبلة لن تُحسم فقط بالنجاحات الدبلوماسية، بل بقدرة المغرب على تحويل هذا الرصيد السياسي إلى نفوذ اقتصادي ومعرفي وإعلامي دائم.
حقق المغرب مكاسب دبلوماسية مهمة في السنوات الأخيرة، لكن هل نجح بالقدر نفسه في كسب معركة السردية الدولية؟
هناك فرق كبير بين كسب المواقف السياسية وكسب الرأي العام العالمي. المغرب نجح في إقناع عدد متزايد من الحكومات بعدالة مواقفه، خاصة في قضية الصحراء، لكن هذا النجاح لا ينتقل تلقائياً إلى الإعلام الدولي أو إلى الجامعات ومراكز التفكير ومنصات التواصل الاجتماعي.
اليوم أصبحت السردية هي العنصر الحاسم. الدولة التي لا تروي قصتها بنفسها، سيقوم الآخرون بصياغتها نيابة عنها، وربما بطريقة لا تخدم مصالحها. لذلك أعتقد أن المغرب دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها التحدي هو الدفاع عن المواقف السياسية فقط، بل إنتاج معرفة موثقة، ودراسات، وتقارير، ومحتوى إعلامي بلغات متعددة، يجعل الرواية المغربية مرجعاً معتمداً لدى الباحثين والصحفيين وصناع القرار. هذه هي المعركة الكبرى خلال العقد المقبل.
كيف يمكن للمغرب أن يبني قوة ناعمة قادرة على منافسة السرديات المضادة؟
القوة الناعمة لا تُشترى، بل تُبنى عبر الزمن. وهي لا تقوم فقط على الثقافة أو السياحة، وإنما أيضاً على الجامعات، ومراكز الأبحاث، والإبداع، والإنتاج الفكري، والسينما، والإعلام، والاقتصاد، وحتى الشركات الوطنية التي تصبح علامات عالمية.
المغرب يمتلك عناصر قوة مهمة جداً؛ لديه تاريخ عريق، وتنوع ثقافي، واستقرار سياسي، وإصلاحات اقتصادية، وحضور إفريقي متنامٍ. لكن هذه العناصر تحتاج إلى مؤسسات تنتج السردية بشكل احترافي. نحن بحاجة إلى الاستثمار في مراكز التفكير المغربية، وتشجيع الباحثين على النشر بلغات أجنبية، وإطلاق منصات إعلامية موجهة للخارج، ودعم الإنتاج الوثائقي والثقافي. عندما يصبح المغرب منتجاً للأفكار، وليس فقط مستهلكاً لها، ستصبح قوته الناعمة أكثر تأثيراً واستدامة.
إلى أي حد غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد التأثير الإعلامي وصناعة السرديات؟
الذكاء الاصطناعي أحدث ثورة حقيقية. لأول مرة أصبح بالإمكان تحليل ملايين المقالات والمنشورات والتفاعلات الرقمية في وقت وجيز، وفهم الصورة الذهنية لدولة أو مؤسسة أو قضية بشكل علمي ودقيق. لم نعد نعتمد على الانطباعات، بل على البيانات.
لكن الأخطر هو أن الخوارزميات أصبحت تتحكم في ما يراه الناس وما لا يرونه. لذلك فإن معركة التأثير لم تعد تُخاض فقط داخل غرف التحرير، بل أيضاً داخل منصات التكنولوجيا الكبرى. الدول التي لا تفهم كيفية عمل هذه المنظومات ستجد نفسها خارج دائرة التأثير. بالنسبة للمغرب، ينبغي الاستثمار في تحليل البيانات، ورصد اتجاهات الرأي العام العالمي، واستعمال الذكاء الاصطناعي كأداة استباقية لفهم التحولات، وليس فقط للرد عليها بعد وقوعها.
هل ما زال الإعلام التقليدي قادراً على التأثير في زمن المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي؟
الإعلام التقليدي لم يفقد أهميته، لكنه فقد احتكاره للمعلومة. اليوم الخبر يصل إلى الجمهور عبر عشرات القنوات في الوقت نفسه، بينما أصبحت قيمة الصحفي تكمن في التفسير والتحليل والتحقق، وليس في مجرد نقل الوقائع.
الذكاء الاصطناعي سيؤدي كثيراً من المهام الروتينية، مثل الترجمة، وتجميع البيانات، وصياغة الأخبار البسيطة. لكن الصحافة الجيدة ستزداد أهمية، لأن الجمهور يحتاج إلى من يساعده على فهم العالم، لا فقط إلى من يخبره بما حدث. لذلك أرى أن مستقبل المهنة سيكون للصحفي القادر على التحقيق، وربط المعطيات، وإنتاج المعرفة، واستعمال التكنولوجيا دون أن يصبح أسيراً لها.
كيف ترون مستقبل الصحافة المغربية في ظل هذه التحولات؟
الصحافة المغربية تمتلك طاقات بشرية مهمة، لكنها مطالبة اليوم بإعادة تعريف دورها. لم يعد كافياً أن تخاطب الجمهور المحلي فقط، بل ينبغي أن تنتج محتوى قادراً على الوصول إلى الخارج، بلغات متعددة، وبمعايير دولية، خاصة في الملفات التي تهم صورة المغرب.
كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بالاستثمار في التكنولوجيا، وفي صحافة البيانات، وفي أدوات الذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على أخلاقيات المهنة. المستقبل سيكون للمؤسسات التي تجمع بين السرعة والدقة والتحليل. وإذا استطاعت الصحافة المغربية أن تتحول إلى مصدر موثوق للمعلومة والتحليل حول شمال إفريقيا وإفريقيا، فإنها ستكتسب مكانة إقليمية ودولية أكبر بكثير مما هي عليه اليوم.
ما الذي يجعل المغرب فاعلاً مهماً في إفريقيا خلال المرحلة الحالية؟
المغرب لم يعد ينظر إلى إفريقيا باعتبارها امتداداً جغرافياً فقط، بل باعتبارها فضاءً استراتيجياً للمستقبل. خلال العقدين الأخيرين، انتقل الحضور المغربي من منطق التعاون التقليدي إلى شراكات اقتصادية واستثمارية ومصرفية وصناعية ودينية وتعليمية أكثر عمقاً.
اليوم توجد شركات مغربية في عشرات الدول الإفريقية، كما أصبح المغرب منصة للاستثمارات الأوروبية والخليجية نحو القارة. هذا يمنحه مصداقية خاصة، لأنه يتحدث مع إفريقيا كشريك وليس كوصي. لكن هذا الدور يحتاج أيضاً إلى مواكبته بسردية إعلامية إفريقية مشتركة، تُبرز مساهمة المغرب في التنمية، وفي الأمن، وفي الاندماج الاقتصادي، حتى ينعكس هذا الحضور الميداني على مستوى الصورة الذهنية أيضاً.
وماذا عن موقع المغرب في الفضاء المتوسطي والأوروبي؟
المغرب يحتل موقعاً استثنائياً لأنه يجمع بين الانتماء الإفريقي والبعد المتوسطي والعلاقات التاريخية مع أوروبا. هذا يمنحه قدرة على لعب دور الوسيط في ملفات عديدة، من الطاقة والهجرة إلى الأمن الغذائي والتعاون الاقتصادي.
لكن أوروبا نفسها تعيش مرحلة مراجعة عميقة لأولوياتها، وهي تبحث عن شركاء مستقرين وقادرين على تقديم حلول عملية. هنا يملك المغرب فرصة كبيرة لتعزيز مكانته، ليس فقط كشريك أمني، بل أيضاً كشريك في التحول الطاقي، والصناعة، وسلاسل الإنتاج، والاقتصاد الرقمي. وإذا أحسن استثمار هذه الفرصة، فسيصبح أحد أهم الفاعلين الإقليميين في الضفة الجنوبية للمتوسط.
ما أبرز التحديات التي تواجه السردية المغربية في الخارج؟
أبرز تحدٍ هو الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق المبادرة. لا يمكن أن تبقى أي دولة منشغلة فقط بالرد على الحملات المضادة، لأن ذلك يجعلها دائماً في موقع رد الفعل.
السردية القوية هي التي تفرض نفسها عبر الإنجازات، والإنتاج العلمي، والحضور الثقافي، والقدرة على التأثير في النقاشات الدولية. المغرب يحتاج إلى الاستثمار في الخبرة الوطنية، وفي الدبلوماسية الأكاديمية، وفي المحتوى الرقمي عالي الجودة، وفي تدريب جيل جديد يجمع بين المعرفة والتكنولوجيا واللغات الأجنبية. عندما تصبح الرواية المغربية حاضرة في الجامعات ومراكز الدراسات والإعلام العالمي، ستتحول من خطاب دفاعي إلى مرجع معرفي يصعب تجاوزه.
ما هي معركة المغرب خلال العقد المقبل في عبارة واحدة، فكيف تصفونها؟
أعتقد أن معركة المغرب المقبلة لن تكون دبلوماسية بالمعنى التقليدي، لأن المملكة حققت تقدماً كبيراً في هذا المجال. التحدي الحقيقي سيكون في معركة السرديات والمعرفة والذكاء الاصطناعي.
الدول التي ستقود العالم لن تكون فقط تلك التي تمتلك الموارد أو القوة العسكرية، بل أيضاً تلك التي تنتج الأفكار، وتتحكم في البيانات، وتصنع الصورة الذهنية، وتؤثر في العقول قبل التأثير في القرارات. إذا نجح المغرب في الجمع بين إنجازاته السياسية، وقوته الاقتصادية، واستثماره في المعرفة والإعلام والابتكار، فإنه لن يكون مجرد فاعل إقليمي مؤثر، بل سيصبح نموذجاً لدولة متوسطة الحجم استطاعت أن تحول الجغرافيا والتاريخ إلى نفوذ عالمي مستدام.
عمر العلوي في أسطر:
يُعد عمر العلوي أحد أبرز الأسماء المغربية المتخصصة في مجالات الذكاء الاستراتيجي وتحليل البيانات والصورة الدولية للدول، حيث راكم تجربة مهنية تمتد لأكثر من عقدين في تقاطع الاستشارة الاستراتيجية، وتحليل المخاطر، والاتصال المؤسساتي، والاقتصاد السياسي. يشغل العلوي منصب مؤسس ومدير مكتب AffinityX المتخصص في الذكاء الاستراتيجي وتحليل السمعة وصناعة القرار اعتماداً على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، كما يشرف على مشاريع بحثية تستهدف قياس صورة الدول والمؤسسات في الإعلام العالمي واستشراف التحولات الجيوسياسية والاقتصادية.
ويركز في أعماله على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل الخطاب الإعلامي، وقياس اتجاهات الرأي العام، ورصد السرديات الدولية، معتبراً أن المنافسة بين الدول لم تعد تُحسم فقط بالدبلوماسية التقليدية أو القوة الاقتصادية، بل أيضاً بالقدرة على إنتاج المعرفة، وصياغة الروايات المؤثرة، وبناء صورة دولية تستند إلى المعطيات والحقائق.
وتتميز مقاربات عمر العلوي بربط التحولات التكنولوجية بالرهانات الجيوسياسية، إذ يدافع عن ضرورة استثمار المغرب في البحث العلمي، ومراكز التفكير، واقتصاد المعرفة، باعتبارها أدوات أساسية لتعزيز السيادة الوطنية وترسيخ مكانة المملكة كفاعل إقليمي وقاري ودولي مؤثر في عالم يشهد إعادة تشكيل موازين القوى بصورة متسارعة.





