
إعداد وتقديم: سعيد الباز
ارتبطت ظاهرة رفض الجوائز الأدبية بعدد من الكتّاب المشاهير، الذين امتنعوا عن تسلمها، رغم استحقاقهم لها من قبل لجان تحكيمها. وهذا الرفض يعتبر شكلا من أشكال الاحتجاج أو التعبير عن المواقف السياسية والقناعات الأدبية، باعتبار أن الجائزة الوحيدة والحقيقية تكمن أساسا في القارئ، الذي لديه القدرة على مكافأة العمل الأدبي وتقديره. كما يرى عدد من الأدباء أن هذه الجوائز تفرض معاييرها الخاصة، وتمنح للفائزين قيمة اعتبارية، قد لا تكون أحيانا متطابقة تماما مع إنجازهم الإبداعي والأدبي.
جائزة نوبل.. قبلة الموت
يعد الكاتب الإيرلندي الساخر برنارد شو أشهر الكتاب وأسبقهم إلى رفض جائزة نوبل، فلقد اعتبرها «طوق نجاة يلقى به إلى رجل وصل فعلا إلى بر الأمان، ولم يعد عليه من خطر. وسخر من ألفرد نوبل ومن جائزته قائلا: «إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت، ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل».
وأضاف مبررا سبب رفضه: «لأنني أكتب لمن يقرأ، لا لأنال جائزة». لكن برنارد شو تراجع عن موقفه في السنة الموالية، وقبل تسلم الجائزة دون الاستفادة من قيمتها المالية، إيمانا منه بشعوره الوطني: «إن وطني إيرلندا سيقبل هذه الجائزة بسرور، ولكنني لا أستطيع قبول قيمتها المادية».
وكان جان بول سارتر أيضا من أشهر الرافضين لجائزة نوبل ونعتها بقبلة الموت، وأنه لا يستطيع أن يقبل أن يتحول الكاتب إلى مؤسسة وأنه يريد أن يحتفظ بحريته.
وعلى المستوى العربي، سجل الكاتب المصري صنع الله إبراهيم باسمه واحدة من أشهر المفاجآت في تاريخ الجوائز العربية، حيث اعتلى سنة 2003 منصة الأوبرا لتسلم جائزة الرواية العربية التي تمنحها وزارة الثقافة المصرية، معلنا رفضه للجائزة من خلال بيانه الذي يبين فيه مبررات رفضه.
وعلى المستوى المغربي، رفض الكاتب أحمد بوزفور «جائزة المغرب للكتاب»، وأشار في بيانه إلى الأسباب التي دعته إلى رفض الجائزة بقوله: «لا يمكن أن أقبل جائزة وزارة الثقافة عن كتاب طبعت منه ألف نسخة، ولم أوزع إلا 500 نسخة… وفي ظل تدهور الوضع الثقافي بسبب تفشي الجهل وانخفاض نسبة القراءة»
جائزة نوبل بين كامو وسارتر
تناول الكاتب الأمريكي رونالد أرنسون في كتابه «كامو وسارتر» موقف الكاتبين والمفكرين الفرنسيين من جائزة نوبل للآداب ونقطة اختلافهما الفكري، متسائلا لماذا رفض سارتر جائزة نوبل وقبلها ألبير كامو؟: «يمثل مشهد منح جائزة نوبل في الآداب لأبرز قطبين في الفلسفة الوجودية الفرنسية مفارقة أكاديمية وتاريخية لافتة؛ إذ وقف العالم أمام مسارين متباينين: قبول يكتنفه القلق، ورفض يرتكز على موقف إيديولوجي. كيف تتعامل الفلسفة مع مؤسسات التكريم العالمية؟ يكشف هذا التباين في الاستجابة عن اختلاف الرؤى بين جان بول سارتر وألبير كامو تجاه دور المثقف، وعلاقته بالسلطة، وموقفه من الاستقطاب السياسي العالمي.
لفهم الجذور الفكرية لهذا التباين، ينبغي تتبع السياق التاريخي للحرب الباردة التي فرضت استقطابا على الساحة الثقافية الأوروبية. نال ألبير كامو جائزة نوبل في الآداب في أواخر العام 1957، وهو في سن الرابعة والأربعين. تعامل كامو مع الجائزة باعتبارها اعترافا عالميا بجهوده الأدبية والفلسفية، واستثمر القيمة المادية للمكافأة في شراء بيته الدائم والوحيد.
ومع ذلك، عاش كامو صراعا داخليا مع فكرة التكريم ذاتها. نظر كامو إلى الجائزة بوصفها عبئا يهدد مسيرته الإبداعية، إذ تزامنت مع أزمة نفسية وإبداعية مر بها. اعتبر كامو أن بلوغ ذروة النجاح والحصول على هذه المكانة يمثل إيذانا بانتهاء حياته العملية والإبداعية. وضعه هذا التكريم في واجهة الأحداث السياسية قسرا. كانت الجائزة بالنسبة إلى كامو تتويجا رافقه إحساس بالعزلة وبصعوبة مواصلة التمرد الفني.
وفي المقابل، وبعد سبع سنوات، أُعلن فوز جان بول سارتر بجائزة نوبل للآداب في العام 1964. اتخذ سارتر موقفا برفض الجائزة رفضا قاطعا، ينبع من نظريته حول «الالتزام» والحرية الفردية؛ إذ يرى أن قبول أي تكريم رسمي من مؤسسات كبرى يحول الكاتب إلى «مؤسسة» أو تمثال عام، ويجرده من حريته في نقد المجتمع.
ويرتبط السياق التاريخي لرفض سارتر بقراءته لواقع الحر الباردة. اعتبر سارتر أن الجائزة أصبحت إحدى أدوات هذه الحرب، وأن منحها له يحمل توجيها إيديولوجيا محددا. وفي فلسفته، يتعين على المثقف العضوي أن يحافظ على مسافة نقدية عن هياكل السلطة الغربية، وأن يرفض أي محاولة لتدجينه، أو احتواء خطابه الموجه ضد الرأسمالية والأنظمة البرجوازية. رفضه للجائزة تطبيق عملي لمفهوم «الرفض» الأنطولوجي الذي يحفظ للفيلسوف استقلاليته وتماهيه مع قضايا الجماهير بعيدا عن أوسمة المؤسسات الرسمية.
ويُطرح هنا تباين معرفي بين الفيلسوفين حول ماهية التكريم والالتزام. يرى كامو، المنحاز إلى النزعة الأخلاقية والفردية، أن الإنجاز الفني يستحق التقدير لذاته، وأن الكاتب يمكنه استلام التكريم، مع الاحتفاظ بحقه في الصمت أو الحديث وفق إيقاعه الخاص، متمسكا بـ«الروح الجميلة» التي تضع الفن في مرتبة موازية، أو متجاوزة للسياسة. في المقابل، يطرح سارتر مقاربة تنفي وجود أي فعل محايد؛ فالجوائز الأدبية الكبرى، في نظره، مثقلة بالدلالات السياسية، وقبولها يمثل تواطؤا ضمنيا مع النظام العالمي القائم الذي يفرز الاستغلال. ويفترض الموقف السارتري أن الحرية الحقيقية تتجلى في سلب المؤسسة قدرتها على تصنيف المثقف أو مكافأته.
تجسد حادثة جائزة نوبل خلاصة الافتراق الفلسفي بين مسارين: مسار كامو الذي يبحث عن التوازن بين الفن الفردي واستحقاقات الواقع، ومسار سارتر الذي يُخضع مظاهر الوجود الفردي، بما فيها التكريم الأدبي، لميزان الصراع الإيديولوجي».
صنع الله إبراهيم.. الكاتب لا يتخلى عن مسؤوليته
لست قادرا على مجاراة الدكتور جابر في قدرته على الارتجال. ولهذا فقد سطرت بسرعة كلمة قصيرة أعبر فيها عن مشاعري. وصدقوني إذا قلت إني لم أتوقع أبدا هذا التكريم، كما أني لم أسع يوما للحصول عليه. فهناك من هم أجدر مني به، بعضهم لم يعد بيننا مثل غالب هلسا الأردني، وعبد الحكيم قاسم المصري، ومطيع دماج اليمني، وعبد العزيز مشري السعودي، وهاني الراهب السوري.
والبعض الآخر ما زال يمتعنا بإبداعه مثل الطاهر وطار، وإدوارد الخراط، وإبراهيم الكوني، ومحمد البساطي، وسحر خليفة، وبهاء طاهر، ورضوى عاشور، وحنا مينا، وجمال الغيطاني، وأهداف سويف، وإلياس خوري، وإبراهيم أصلان، وجميل عطية، وخيري شلبي، وفؤاد التكرلي، وخيري الذهبي، وكثيرين غيرهم.
لقد جرى اختياري من قبل أساتذة أجلاء ورواد للإبداع يمثلون الأمة التي أصبح حاضرها ومستقبلها في مهب الريح، وعلى رأسهم أستاذي محمود أمين العالم، الذي زاملته في السجن، وتعلمت على يديه وأيدي رفاقه قيم الوطنية الحقة والعدالة والتقدم. وهذا الاختيار يثبت أن العمل الجاد المثابر يجد التقدير المناسب، دونما حاجة إلى علاقات عامة، أو تنازلات مبدئية، أو مداهنة للمؤسسة الرسمية التي حرصت دائما على الابتعاد عنها. على أن لهذا الاختيار قيمة أخرى هامة، فهو يمثل تقويما لنهج في الإبداع اشتبك دائما مع الهموم الآنية للفرد والوطن والأمة.
إنه قدر الكاتب العربي، فليس بوسعه أن يتجاهل ما يجري من حوله، وأن يغض الطرف عن المهانة التي تتعرض لها الأمة من المحيط إلى الخليج، وعن القهر والفساد، وعن العربدة الإسرائيلية والاحتيال الأمريكي، والتواطؤ المزري للأنظمة والحكومات العربية في كل ما يحدث.
في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا، تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرد الآلاف، وتنفذ بدقة منهجية واضحة خطة إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه. لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان. وعلى بعد خطوات من هنا، يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة، وعلى بعد خطوات أخرى، يحتل السفير الأمريكي حيا بأكمله، بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيا. ولا يراودني شك في أن كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيطة بوطننا، وهي لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية، ولا على الإملاءات الأمريكية، ولا على العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية، إنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا. لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم. لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب. لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل. تفشى الفساد والنهب. ومن يعترض يتعرض للامتهان والضرب والتعذيب. انتزعت القلة المستغلة منا الروح. الواقع مرعب. وفي ظل هذا الواقع، لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته. لن أطالبكم بإصدار بيان يستنكر ويشجب، فلم يعد هذا يجدي. لن أطالبكم بعمل، فأنتم أدرى مني بما يجب عمله. كل ما أستطيعه هو أن أشكر مرة أخرى أساتذتي الأجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة، وأعلن اعتذاري عن عدم قبولها، لأنها صادرة عن حكومة لا تملك في نظري مصداقية منحها وشكرا.
برنارد شو.. رافض الجائزة
يقدّم لنا عباس محمود العقاد في كتابه «جوائز الأدب العالمية»، وخاصة في فصل «رافض الجائزة»، أسباب رفض برنارد شو لجائزة نوبل، تتعلق وفق تصوره بتأخر الجائزة في الاعتراف بمكانته الأدبية من جهة، وبمواقفه السياسية من جهة أخرى:
وُلِدَ برنارد شو في سنة 1856، واختارته لجنة نوبل لجائزتها الأدبية سنة 1925 فكان يناهز السبعين، ويتسنم ذروة الشهرة العالمية حين وصلت هذه الجائزة إليه. ولهذا الأديب الغريب قصة غريبة — مع الجائزة — كسائر قصصه وأطواره في حياته، وفي أعماله، ومن أجلها نخصه بحديث مستقل من سلسلة هذه الأحاديث عن جوائز نوبل الأدبية. فهو الوحيد الذي رفض هذه الجائزة بين المئات ممن نالوا جوائز نوبل على اختلافها، وكانت حجته في رفضها أنه في غنى عنها؛ لأنه وصل إلى بر الأمان، فلا حاجة به إلى عوامة النجاة.
والحجة — كما يبدو — حجة ظاهرة تُخْفي ما وراءها، فإن جائزة نوبل ليست من جوائز التشجيع، التي يُرادُ بها تنشيط السابحين في طريقهم إلى بر الأمان، وإنما هي جائزة تتويج وتقدير، ينالها القليلون ممن بلغوا الغاية واستقروا على القمة، ولا حاجة بواحد منهم إلى عوامة النجاة في طريقه إلى الشهرة، ولو كانت الجائزة مقصودة للتشجيع لما كان فيها الكفاية للمئات والألوف الذين يبدؤون طريقهم أو يجاهدون في عبور عقباته قبل النهاية، وهم عدد لا يُحْصى في بلاد الأمم الغربية.
فبرنارد شو لم يرفض الجائزة لهذا السبب، ولكنه رفضها؛ لأنه رأى — بحق — أنها تخطته عدة سنوات، ووصلت قبله مرات عديدة إلى أناس لا يساوونه في نظر الناس، ولا في نظر نفسه، وقد كان هو — على رجاحة قدره — يرتفع بهذا القدر فوق مستواه بكثير.
فمن نالوا الجائزة قبله «فلادسلاوريمون» البولوني، وجاسنتو بنافنتي الإسباني، وكنوت هاسون النرويجي، وكارل سبتلر السويسري، وبتوبدان الدانماركي، وبول هيس الألماني، وكلهم ممن يصح أنْ يقال فيهم: إنهم نكرات إذا قِيسوا إليه بمقاييس الشهرة العالمية، أو القيمة الأدبية.
وممن نالها قبله من أعلام الأدب أناتول فرانس الفرنسي، وموريس مترلنك البلجيكي، وهما نظيران له يعز عليه أن يتخلف عنهما سنوات، بعد أنْ ظهرت له أكبر مؤلفاته التي لم يظهر له — بعد توجيه الجائزة إليه — ما هو أعظم منها وأحق بالتقدير.
وممن نالوا الجائزة قبله بسنتين شاعر إيرلندا وليام ياتس، وهو اختيار يغض من قدر برنارد شو بصفة خاصة … لأنه إيرلندي كويليام ياتس، وليس له من الجهود في ميادين الأدب أو ميادين الإصلاح ما يُقرن بجهود برنارد شو في هذه الميادين، وكثيرون غير برنارد شو يشعرون بالغضاضة عليه من تأخيره، بعد تقديم من ذكرناهم، ومن لم نذكرهم في هذا الحديث … ولا استثناء في ذلك للعَلَمَينِ البارزين اللذين يُعْتَبران أشهرهم جميعا في مجال الآداب العالمية وهما: مترلنك، وأناطول فرانس، فإن مترلنك أضيق أفقا من برنارد شو في ميادين الإصلاح والثقافة العامة، وفي كتابة أناطول فرانس من شوائب السخرية المتشائمة ما يُؤخَذُ عليه بمقاييس اللجنة السويدية قبل غيرها، عند المقارنة بينه وبين «شو» في إيمانه برسالة الإصلاح.
وإذا نظرنا إلى الناحية العالمية في جهود الإصلاح فقد كانت لبرناردشو كفته الراجحة في هذه الجهود، وقد يتسع المقام هنا لباب من أبواب المقارنة، يأتي في مكانه في سياق هذه الدراسة.
فإن برنارد شو قد تطوع بالحملة الشعواء على السياسة البريطانية بعد فاجعة دنشواي، وألف في موضوعها كتابه بعنوان: «جزيرة جون بول الأخرى» مقدما له بتلك الفصول المسهبة، التي أثبت فيها شناعة الحكم، وبطلان التهم المنسوبة إلى الفلاحين، وضمَّنها من التحقيقات الطبية والشواهد العيانية ما لا يحتمل المغالطة والتمويه، ولم تمض شهور على ظهور هذا الكتاب حتى وجدت الدولة البريطانية نفسها مضطرة إلى إعلان توبتها في العالم عن هذه الخطيئة المنكرة، فعزلت لورد كرومر معتمدها المسؤول عنها، وحاولت بعد عزله أنْ تنهج لسياستها نهجا جديدا للتقرب من أبناء هذه البلاد.
يقارن هذا بمسلك أناطول فرانس في دور من أدوار القضية المصرية، فإنه سئل أن يقدم كتابا باللغة الفرنسية نشره الوفد المصري في أثناء اجتماع مؤتمر الصلح بباريس، وأراد أن يستفيد من شهرة الكاتب الكبير في لفت أنظار المؤتمرين إليه، فكتب مقدمته في صفحتين صغيرتين، وتقاضى عن هاتين الصفحتين ألف جنيه، سلمت إليه قبل كتابة المقدمة بأيام!
فالغرابة في قصة برنارد شو مع الجائزة تنقلب إلى استغراب لعمل اللجنة نفسها، بعد بيان الحقيقة.
وقد كان هذا التأخير غريبا في نظر الناس، ولم يكن غريبا في نظر برنارد شو إلى نفسه، وقد نفسر نحن هذه الغرابة بتفسير واحد لا نعرف لها تفسيرا أقرب منه إلى القبول: وهو زعامة شو للثورة الاشتراكية في البلاد الإنجليزية، فإن اللجنة السويدية — وهي تمثل معهدا من معاهد رأس المال — لم تعترف قط بحق الجائزة لصاحب دعوة اشتراكية، ولم تعدل عن هذا الموقف إلا في الزمن الأخير، بعد سريان الدعوة الاشتراكية إلى بلادها، اعتصاما بها من خطر الانقلاب الماركسي الذي اقترب منها، ولولا ذلك لما تغير موقفها من تقدير برنارد شو وتقدير الثورة الفابية التي كان من زعمائها.
إلا أن غرائب برنارد شو تتراءى على أطرفها وأظرفها عند النظر إلى مقاييسه هو في تقدير نفسه، وتقدير أدبه بموازين الآداب العالمية: قديمها وحديثها.
رواق «كونتوار دي مين غاليري» ينظم معرضا للفنان حسان بورقية
ينظم رواق «كونتوار دي مين غاليري» في مراكش معرضا فرديا للفنان التشكيلي والكاتب، حسان بورقية، تكريما للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا، تحت عنوان «دروب اللاطمأنينة»(Les sentiers de l’intranquillité) ، بدءا من 23 أكتوبر الجاري ويستمر حتى 19 دجنبر المقبل.
ويواصل الفنان من خلال هذا المعرض استكشاف تقاطعات الأدب والذاكرة والتاريخ. تتمحور أعماله حول تيمة المكتبات والكتب والأشياء اليومية (كالآلات الكاتبة والمستندات والقطع المتراكمة)، كعناصر بصرية وفلسفية تطرح تساؤلات حول مصير الثقافة والتراث الفكري في عالم يتغير باستمرار.
واستحضارا للمكتبات والسعي إلى دمجها في صميم أعماله الإبداعية، يجعل حسان بورقية هذا الفقدان منظورا وملموسا، حيث تتحول قطعة الأثاث إلى مادة وتصبح في الوقت ذاته بنية للعمل الفني. إنها شاهدة على الكتب وعلى نضالات مؤلفيها، فحضورها يسائل ما يتبقى من ثقافة حين تُفرغ الأشياء التي كانت تحتضنها من وظيفتها ومعناها. إنها تُعيدنا إلى القراءة باعتبارها تجربة معاشة، وكعلاقة بفكر آخر، وكإمكانية لنقل المعرفة.
وينسجم هذا المسعى مع الحب العميق الذي يكنه بورقية للأشياء، فهو يتأملها ويجمعها ويحفظها بإيلائها عناية خاصة لما مرت به. فآثار التآكل أو الكسر أو ما يبدو من علامات على سطوحها يمكن أن يكشف عن قصة وظيفتها العادية لم تعد تسمح برؤيتها. في ظل هذا القرب، يتبلور شكل من أشكال «أركيولوجيا الحياة اليومية»؛ إذ يجمع الفنان الأدلة ويقرب بين الشظايا، كاشفا عن الروابط التي تجمع بين الوجود الفردي والتاريخ الجماعي.
وهكذا، يتحول الكُتّاب الذين يُقدّرهم ويُجلّهم الفنان، والأشياء التي يجمعها، إلى شهود على حقبة زمنية معينة. إنها تسلط الضوء على التطلعات والصراعات والمواجهات الإيديولوجية. ويشكل تجميع العديد من المواد في كل مكتبة من المكتبات لوحة حميمية، تكشف عن حياة وعادات المؤلفين الذين يُحتفى بهم.
ويركز حسان بورقية بشكل خاص على الآلات الكاتبة، وأجهزة الراديو، وآلات التصوير، وكاميرات الفيديو، والأسطوانات الموسيقية، وغيرها من الأشياء التي يرتبها على الرفوف؛ ليذكرنا بأنها كانت أيضا أدوات عمل للكُتّاب، ورافقت بزوغ عصر الاتصال الجماهيري، كما سُخِّرت كذلك خدمة للدعاية.
حسين بافقيه: الجوائز الأدبية.. الحدود والأقنعة
قصة العرب مع نوبل تشكل مناخا رائعا للبحث السيكولوجي، الذي من همه الكشف عن الأعماق غير الواعية، التي تهيمن على العقل العربي تجاه الآخر الغربي – بما فيه جائزة نوبل للآداب – من خلال مدة زمنية تحدد بما قبل 1988 وما بعدها، عبر تلك الحشود اللغوية الخطابية التي تزخر بالعديد من السمات الأسلوبية والبلاغية المشبعة بمضامين إيديولوجية ونفسية متأزمة، إنها (بارانويا) عربية مزمنة تعكس موقف الثقافة العربية المعاصرة من هذه الجائزة منذ عقود مضت. وهو خطاب محمل بالعقلية التآمرية التي ينسجها الغرب الإمبريالي ضد الشعوب العربية في نضالها المستميت، من أجل الحصول على حقوقـهـا المشروعة التي يتساوى في لا وعيها – الأراضي العربية المحتلة ونوبل، وفي وقت واحد أو عبر تلك الأوضاع الكاريكاتورية التي عادة ما ترافق مواسم الجوائز العالمية، ونوبل على رأسها، والتي تعكس تكالب المبدعين العرب على عدوهم الذي يمارسون شتمه ولعنه في العلن، ويمارسون التودد إليه ومغازلة ذويه في الخفاء، أو عبر ذلك الولع العجيب بأن يسرد الأديب العربي ما ترجم من كتبه إلى اللغات الأجنبية الحية – ومن ضمنها السويدية بالطبع – كما حدث بالنسبة إلى العديد من المبدعين العرب وعلى رأسهم توفيق الحكيم، أو العروض المسرحية العربية المترجمة إلى السويدية، كما في حالة يوسف إدريس والطرائف المصاحبة ومسرحيته «الفرافير»، إلى آخر تلك النكت لموسم إعلان جائزة نوبل التي عدد جهاد فاضل طرفا من ممارسة الأدباء العرب الكبار لها – مبالغة في تكثيف الجانب الكاريكاتوري.
إذ يملك بعض الأدباء العرب لائحة كاملة بعناوين أعضاء جائزة نوبل، سواء في مكاتبهم أو في منازلهم، ويتتبعون ما يمكن أن يطرأ على هذه اللائحة من تعديلات أثناء السنة. بل يصل الأمر إلى أن يعيش بعض الأدباء العرب، كما يقول رجاء النقاش، في أوروبا سنوات متصلة، ويسعى إلى ترجمة أعماله إلى اللغات الأجنبية وتوثيق علاقاته بأدباء الغرب، لعل ذلك كله يكون من العوامل المساعدة على نيل الجائزة. بل وقد يذهب بعض الأدباء العرب إلى السويد، موطن الجائزة، ويتصلون بالأوساط الأدبية ليجذبوا الأنظار إليهم، آملين أن يكون في ذلك ما يلفت الانتباه إليهم للفوز بهذه الجائزة العالمية!
تبدأ الذات العربية ممارسة خطاب التضخم الذي ما كان له أن يتحقق لولا ما أحدثته نوبل فينا، حينما منحتنا صك الاعتراف بوجودنا، لا الأدبي، ولكن الحقيقي، فالأدب العربي، وقد أصبح كأس نوبل في حضن نجيب محفوظ، ليس في حاجة إلى أن ينال الاعتراف به من خلال أولئك الأعاجم، «فكاتبنا العظيم نجيب محفوظ ليس في حاجة إلى اعترافكم، رواياته تدرس في جامعة القاهرة منذ الخمسينيات، نقادنا عرفوا قدره ورافقوه في مسيرته الطويلة. وأنتم ماذا قرأتم لنجيب محفوظ؟ رواية أو روايتين، أو ربما أقاصيص و«لا يصح في النهاية إلا الصحيح، مهما اعوجت الأمور وخابت الأحوال وفسد الدم».. وأدبنا القصصي غير محتاج إلى فرمان غربي يشهد بجدارته كأدب من الآداب العالمية.. و«نجيب محفوظ ومؤلفاته أكبر من كل جوائز الدنيا، وإن نجيب محفوظ أعاد الكبرياء للثقافة العربية… بل كأن نوبل كانت تنتظر» عريسها العربي نجيب محفوظ، بفارغ الصبر، لكي يسهم اسمه في رفع قيمة الجائزة، إلى آخر تلك البلاغيات العربية التي تظهرنا، وكأن نوبل لا تعنينا، من قريب أو من بعيد، على الرغم من أننا أدمنا البكاء عليها عقودا طويلة، ووقفنا على أطلالها، حتى ألهبت الشمس المحرقة هاماتنا… ولكنه العقل العربي الذي يعد صورة رائعة للمتناقضات.
رف الكتب
نهاية التاريخ.. الإنسان الأخير
فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama، مفكر سياسي أمريكي من أصل ياباني، درس العلوم السياسية على يد آلان بلوم، أكبر أساتذة العلوم السياسية في أمريكا، متخصصا في السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي، حيث نال شهادة الدكتوراه في الموضوع ذاته في جامعة هارفارد الأمريكية الشهيرة. كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» حقق له شهرة كبيرة، وواجه في حينها انتقادات واسعة، ودعما واضحا من النخبة الأمريكية ذات الميول المحافظة.
الأصل في الكتاب كان عبارة عن محاضرة بالعنوان نفسه، ثم مقال في مجلة «The National Interest» الأمريكية سنة 1989، ونظرا للإقبال الشديد على أطروحته والنقاش المتزايد حولها، شجعه على إصدار كتاب يعزز فيه نظريته المثيرة للجدل.
الفكرة الأساسية لأطروحة فوكوياما أتت بالصدفة، ذلك أن أستاذه السابق، آلان بلوم، كان ينظم سلسلة من المحاضرات في جامعة شيكاغو كل سنة، حسب محاور متعددة، وصادف تلك السنة محور «انحدار الغرب»، فطلب من طالبه القديم إلقاء محاضرة فيها، الذي أجابه بأن لديه فكرة محاضرة مناسبة أكثر للمحور، وسيكون موضوعها انتصار الغرب وليس انحداره… إن مرتكزات كتاب فرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ» قد لخصها بقوله: «… يبدو أنه قد ظهر توافق مدهش في السنوات الأخيرة يتعلق بالديموقراطية الليبرالية كنظام حكم، لأنها اقتصرت على الإيديولوجيات المنافسة، كالنظام الملكي الوراثي والفاشية، وأخيرا الشيوعية.
لقد أشرت فضلا عن ذلك إلى أن الديموقراطية الليبرالية بإمكانها أن تشكل فعلا «منتهى التطور الإيديولوجي للإنسانية»، و«الشكل النهائي لأي حكم إنساني»، أي أنها من هذه الزاوية «نهاية التاريخ». فبينما كانت أشكال الحكم القديمة تتميز بأخطاء خطيرة وتناقضات لا يقبلها العقل أدت إلى انهيارها، فإنه بالإمكان الادعاء أن الديموقراطية الليبرالية كانت خالية من هذه التناقضات الأساسية.
لا يعود ذلك إلى كون الديموقراطيات الثابتة اليوم، كمثل فرنسا والولايات المتحدة وسويسرا، لم تعرف لا المظالم ولا المشاكل الاجتماعية الخطيرة، ولكن لأن هذه المشاكل كانت تنجم عن التطبيق غير الكامل لمبدأي الحرية والمساواة، اللذين هما الركيزتان لأية ديموقراطية حديثة، وليس من هذين المبدأين بالذات. قد تفشل بعض البلدان الحديثة في إقامة الديموقراطية الليبرالية، وقد يقع بعضها في أشكال بدائية للحكم، مثل الثيوقراطية، أو الديكتاتورية العسكرية. فالمثال الأعلى للديموقراطية الليبرالية لا يمكن تحسينه على صعيد المبادئ. لقد أثار ذلك سيلا هائلا من التفسيرات والاعتراضات، في الولايات المتحدة أولا، ومن ثم في جملة متنوعة من البلدان بدءا من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وصولا حتى إلى الاتحاد السوفياتي والبرازيل وإفريقيا الجنوبية واليابان وكوريا الجنوبية.
وقد اتخذت الانتقادات كل الأشكال الممكنة، إذ ارتكز بعضها على فهم سيئ لمقاصدي الأولية، والبعض الآخر هاجم بشكل أكثر عمقا صلب موقفي بالذات. فالعديد من الناس وقع في خطأ أولي من جراء استخدامي لكلمة «تاريخ»: إذ اتخذوا هذه الكلمة بمعناها الاصطلاحي، أي الأحداث التي تقع، ومنهم من اعتبر سقوط جدار برلين ومجزرة ساحة (تيان آن مين) في الصين، أو اجتياح الكويت من قبل العراق، بمثابة شواهد على أن «التاريخ يستمر»، وعلى أنني نظرا لذلك وقعت في الخطأ. إلا أن الذي أشرت إليه لم يكن بالطبع التاريخ كتتابع للأحداث، و=إنما التاريخ كمجرد مسار متماسك للتطور الذي يأخذ في الحساب تجربة جميع الشعوب في آن معا.
هذه النظرة للتاريخ تقترب كثيرا من نظرة الفيلسوف الألماني الكبير هيغل. وقد جعل منها كارل ماركس جزءا من محيطنا الفكري المألوف، عندما استعار على وجه الدقة من هيغل مفهوما أصبح اليوم ضمنيا لدى استخدامنا كلمات مثل: «بدائي» أو «متقدم»، «تقليدي» أو «حديث» في كلامنا عن نماذج المجتمع البشري المختلفة. فبالنسبة إلى هذين المفكرين كان ثمة تطور متناسق للمجتمعات البشرية، منذ الأنظمة القَبَلية القائمة على العبودية والتعدد الثقافي وحتى الديموقراطية الليبرالية الحديثة والرأسمالية المحكومة بالتكنولوجيا، مرورا بأنواع مختلفة من الثيوقراطيات والأنظمة الملكية والأرستقراطيات الأخرى ذات النمط الإقطاعي. لم يكن هذا المسار التطوري صدفويا ولا غامضا، وإن لم يكن يجري دائما بحسب خط مستقيم، وحتى لو كان باستطاعتنا أن نتساءل إذا ما كان الإنسان أكثر سعادة وفي حالة أفضل، بسبب نتائج هذ «التقدم التاريخي».
لكن فرانسيس فوكوياما وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، واعتباره أن النموذج الديموقراطي الليبرالي وبفضل التقدم الاقتصادي والتكنولوجي قد جاوز سقف التاريخ، وصار منتميا كليا إلى ما بعد التاريخ ونشوء الإنسان الأخير في مجتمع تحققت فيه كل الغايات الإنسانية عبر التاريخ. أصبح في ما بعد أحد منتقدي الأنظمة الديموقراطية الليبرالية، وأن نظرية نهاية التاريخ تمت إساءة فهمها.
تعيين إدريس الكراوي رئيسا لهيئة الأعضاء الفخريين بالأكاديمية الفرنسية للذكاء الاقتصادي
عينت الأكاديمية الفرنسية للذكاء الاقتصادي، يوم 8 أكتوبر الجاري بباريس، الأستاذ إدريس الكراوي رئيسا لهيئة الأعضاء الفخريين التابعة لها.
ويأتي هذا التعيين امتدادا للأعمال التي أنجزها والمبادرات التي أطلقها، منذ اختياره عضوا ضمن فئة الأعضاء الفخريين، خلال اجتماع مجلس إدارة هذه الأكاديمية المنعقد يوم 4 أبريل 2021.
ويتوج هذا التكريم إسهام الأستاذ الكراوي، على مدى سنوات عديدة، في تطوير الذكاء الاقتصادي. كما يأتي اعترافا بمسار غني والتزام دائم في خدمة المعرفة والحوار بين الثقافات وإشعاع الذكاء الاقتصادي بالمغرب وبإفريقيا، سيما من خلال اللقاءات الدولية للجامعة المفتوحة للداخلة، التي يعد أحد مؤسسيها، وفي إطار منتدى الجمعيات الإفريقية للذكاء الاقتصادي الذي يتولى رئاسته حاليا.
ففي عالم يتسم بتصاعد عدم اليقين، وبإعادة هيكلة النظام العالمي، وبالتحولات التكنولوجية والمجتمعية السريعة، أضحى لزاما على الذكاء الاقتصادي، أكثر من أي وقت مضى، أن يجمع بين ذاكرة مكتسباته وجرأة رسم الآفاق الجديدة الممكنة.
ولهيئة الأعضاء الفخريين إسهام متميز تقدمه لتحقيق هذا الطموح، من خلال جعل الخبرة المتراكمة لا مجرد إرث يتعين نقله، بل مورد استراتيجي للتفكير في خدمة المستقبل واستشراف معالمه. ومن ثم، فإن الرهان المطروح اليوم على هذه الهيئة رهان علمي أيضا، يتمثل في بناء ذكاء اقتصادي قادر لا على رصد العالم الجديد فحسب، بل أيضا على استشعار تحولاته، واحتواء ديناميات الصراع التي تختزله، وإضاءة سبل الفعل لغايات استراتيجية.
مقتطفات
فن اللامبالاة.. لعيش حياة تخالف المألوف
كتاب «فن اللامبالاة، لعيش حياة تخالف المألوف» للكاتب الأمريكي مارك مانسون، من الكتب الرائجة والأكثر شهرة. يقدم لنا قراءة مغايرة للعلاقة الوطيدة بين مفهوم النجاح والفشل، واعتبار هذا الأخير باعثا على النجاح، مستعرضا نماذج وظواهر غير معتادة نبعت تجاربهم الناجحة من خلال حياتهم المخالفة التي قادتهم إلى النجاح، منتقدا المنظور الشائع للنجاح على الطريقة الأمريكية على الخصوص: «تركز ثقافتنا اليوم تركيزا مفرطا يكاد يكون حصريا على التوقعات والآمال الإيجابية إلى حد غير واقعي: كن أكثر سعادة. كن أكثر صحة. كن الأفضل. كن أحسن من الآخرين. كن أكثر ذكاء، وأكثر سرعة، وأكثر ثراء، وأكثر إغراء، وأكثر شعبية، وأكثر إنتاجية، وأكثر استقطابا لحسد الناس، وأكثر استقطابا لإعجابهم. كن كاملا مدهشا… انطلق بطائرتك الهليكوبتر الخاصة إلى عملك الرائع الذي يرضي طموحك، حيث تمضي أيامك في أداء مهام كبيرة المغزى إلى حد لا يصدق، أعمال من المحتمل أن تنقذ هذا الكون ذات يوم.
لكنك إذا توقفت وفكرت في الأمر مليا ستجد أن النصائح التقليدية للحياة (كل تلك الأشياء الإيجابية الفرحة المصممة للمساعدة الذاتية التي نسمعها طيلة الوقت)، هي في واقع الأمر نصائح تركز على ما أنت مفتقر إليه. إنها موجهة توجيها دقيقا مثل شعاع من الليزر، إلى ما تراه نقائصك الشخصية ومواضع فشلك، وهي تشدد عليها حتى تراها جيدا. أنت تتعلم أشياء عن أفضل الطرق لكسب المال، لأنك تحس أن المال الذي تجنيه ليس كافيا. وأنت تقف أمام المرآة وتكرر عبارات تؤكد بها لنفسك على أنك شخص جميل، لأنك تحس كما لو أنك لست جميلا حقا. وأنت تتبع النصائح المتعلقة بالعلاقات والمواعدة، لأنك تحس نفسك شخصا لا يمكن أن يحبه أحد على نحو طبيعي. وأنت تجرب تمرينات غبية حمقاء تتصور نفسك من خلالها شخصا أكثر نجاحا، لأنك لا ترى نفسك ناجحا بما فيه الكفاية.
والمفارقة المضحكة في ذلك كله أن هذا التركيز الشديد على ما هو إيجابي (على ما هو أفضل، وعلى ما هو أكثر تفوقا) لا يفعل شيئا غير تذكيرنا مرة بعد مرة بما لسنا عليه، أو بما نحن مفتقرون إليه، أو بما يجب أن نكونه لولا فشلنا. وفي آخر المطاف، ندرك كلنا أن ما من امرأة سعيدة حقا تجد في نفسها حاجة إلى الوقوف أمام المرآة لتكرر القول إنها سعيدة. إنها سعيدة بالفعل، من غير حاجة إلى ذلك».
تناول الكاتب أحد أشهر النماذج من خلال الشاعر والكاتب الأمريكي شارل بوكوفسكي: «رغم مبيعات كتبه، ورغم شهرته، کان شارل بوكوفسكي فاشلا. وكان يعرف هذا. بل من حقيقة إدراكه أنه شخص فاشل، ومن قبوله تلك الحقيقة، ثم من كتابته عنها بكل صدق. لم يحاول بوكوفسكي أبدا أن يكون شيئا غير ما كان عليه حقا. ليست عبقرية أعمال بوكوفسكي كامنة في التغلب على عقبات لا يصدقها عقل، ولا في تطوير نفسه إلى أن يصير نبراسا أدبيا متألقا. كان الأمر عكس ذلك تماما. إنه قابليته البسيطة لأن يكون صادقا مع نفسه كل الصدق، من غير أن يحيد عن ذلك قيد أنملة (بل صادقا مع أسوأ ما فيه خاصة)، وأن يتحدث عن إخفاقاته من غير أي تردد أو شك. تجاه نفسه وتجاه فشله.
تلكم هي القصة الحقيقية لنجاح بوكوفسكي: إحساسه بالراحة تجاه نفسه وتجاه فشله. لم يكن بوكوفسكي مباليا بالنجاح. وحتى بعد أن صار شهيرا، ظل يستقبل في لقاءات قراءاته الشعرية أشخاصا بؤساء أساءت إليهم الحياة إساءة حقيقية. لم يجعله النجاح والشهرة شخصا أحسن من ذي قبل. ولم يصبح ناجحا شهيرا عن طريق تحوله إلى شخص أفضل. كثيرا ما يأتي النجاح والتطور الذاتي مترافقين معا، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنهما شيء واحد».















