حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةحوارسياسية

كريمة موال لـ«الأخبار»: وفاة عبد الرحيم فقير كشفت وجها مقلقا لإيطاليا

حاورها: النعمان اليعلاوي

لم يكن مقتل المهاجر المغربي عبد الرحيم فقير بمدينة بولونيا الإيطالية مجرد حادث مأساوي هز مشاعر الجالية المغربية، بل تحول إلى قضية رأي عام أعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود استعمال القوة من قبل أجهزة الأمن، ومستقبل التعايش في مجتمع يشهد تصاعدا ملحوظا لخطابات الهجرة والهوية. وبينما تتواصل التحقيقات القضائية لكشف ملابسات الوفاة، تتعالى الأصوات المطالبة بالحقيقة والعدالة، بعيدا عن الأحكام المسبقة والتوظيف السياسي.

في هذا الحوار مع «الأخبار»، تفتح الصحافية والمحللة الإيطالية من أصول مغربية كريمة موال، وهي واحدة من أبرز المتخصصين في قضايا الهجرة والعلاقات الأورو- متوسطية، نافذة على واقع الجالية المغربية بإيطاليا، وتقرأ خلفيات قضية عبد الرحيم فقير، وتداعياتها على النقاش السياسي والإعلامي الإيطالي. كما تتوقف عند تنامي خطاب الكراهية، وصعود اليمين، وأوضاع الأجيال الجديدة من المغاربة، ومستوى التعاون بين الرباط وروما في تدبير ملفات الهجرة.

وتؤكد موال أن الجالية المغربية أصبحت مكونا أساسيا من المجتمع الإيطالي، لكنها ما زالت تواجه تحديات مرتبطة بالاعتراف الكامل والمساواة، معتبرة أن المعركة اليوم لا تتعلق فقط بكشف الحقيقة في قضية عبد الرحيم فقير، بل أيضا بالدفاع عن قيم دولة القانون، وتعزيز إعلام مسؤول يواجه الصور النمطية، ويقاوم العنصرية، ويضع الإنسان في صلب اهتمامه.

– كيف تتابعين قضية وفاة عبد الرحيم فقير؟ وما هي المعطيات المتوفرة لديك حتى الآن؟

أتابع هذه القضية منذ يومها الأول، بصفتي صحافية ومواطنة تأثرت بشدة بما حدث. فقد أظهرت الصور التي تم تداولها رجلا مُثبتا على الأرض، وهو يستغيث في اللحظات الأخيرة من حياته. وقد صدمت هذه المشاهد الرأي العام الإيطالي، وفتحت نقاشا يتجاوز هذه الواقعة، ليطرح أسئلة أوسع تتعلق بطريقة تعامل الدولة مع مثل هذه الحالات.

على المستوى القضائي، تباشر النيابة العامة في بولونيا تحقيقا معمقا، حيث تم حجز تسجيلات كاميرات الشرطة المثبتة على أجساد العناصر الأمنية، والاتصالات اللاسلكية، وشهادات الشهود، وجميع الوثائق المتعلقة بتدخل الشرطة وفرق الإسعاف. كما أُمرت بإجراء خبرات طبية وقضائية لإعادة بناء تفاصيل ما جرى بدقة.

وخلال الأيام الأخيرة، كُشف عن النتائج الأولية للتشريح الطبي، والتي تشير إلى وجود دم داخل الرئتين وإصابة ناجمة عن ضغط شديد على القفص الصدري. غير أن هذه النتائج تبقى أولية، وينبغي تفسيرها في ضوء الفحوصات النسيجية والسمية التي ما زالت جارية. لذلك أرى أنه من الضروري عدم استباق النتائج قبل أن ينهي الخبراء والقضاء عملهم.

اليوم، أعتقد أن المطلوب هو الجمع بين أمرين: الإصرار على كشف الحقيقة كاملة بكل شفافية ودقة، وفي الوقت نفسه ترك العدالة تؤدي عملها بعيدا عن تحويل تحقيق لا يزال مفتوحا إلى محاكمة إعلامية.

وبصرف النظر عن المسؤوليات التي قد تثبت لاحقا، فإن هذه القضية تثير أسئلة جوهرية تخص المجتمع الإيطالي بأسره، من بينها حدود استخدام القوة، ومستوى الثقة بين المواطنين والمؤسسات، ونظرة المجتمع إلى المهاجرين، والطريقة التي تُطرح بها قضايا الأمن والهجرة في النقاش العام.

 

– هل تعتقدين أن التحقيق الجاري سيكشف الحقيقة كاملة؟

أعتقد أن الظروف متوفرة اليوم للوصول إلى الحقيقة. فمنذ البداية، فتحت نيابة بولونيا تحقيقا شاملا شمل تسجيلات كاميرات الشرطة، والاتصالات اللاسلكية، وشهادات الشهود، والوثائق الطبية، إضافة إلى جميع الخبرات الضرورية لإعادة بناء الوقائع.

لكن مصداقية التحقيق ستظل مرتبطة بمدى الدقة والاستقلالية والشفافية التي سيُدار بها حتى نهايته. فالحقيقة حق لعائلة عبد الرحيم فقير، كما أنها مصلحة للدولة الإيطالية، لأن ثقة المواطنين في المؤسسات تتوقف على قدرتها على كشف الوقائع دون تأثير أو انحياز.

ولهذا السبب كنت أتمنى أن تتحلى بعض القيادات السياسية بمزيد من الحذر، إذ سارع عدد من المسؤولين الحكوميين إلى الدفاع بشكل قاطع عن تصرفات عناصر الأمن، رغم أن التحقيق لم يكن قد انتهى بعد، ومن بينهم ماتيو بيانتيدوزي، وزير الداخلية، وماتيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء، وغالياتسو بيغنامي، رئيس كتلة حزب «إخوة إيطاليا» في مجلس النواب.

من الطبيعي أن يعبر كل مسؤول عن رأيه، لكن مثل هذه التصريحات قد تدفع بالنقاش نحو التجاذب السياسي، قبل أن يقول القضاء كلمته.

فإذا ثبتت مسؤوليات معينة، فيجب الاعتراف بها دون تردد، وإذا ثبت العكس، فينبغي أن يكون ذلك نتيجة تحقيق مستقل وشفاف. بهذه الطريقة فقط تتعزز دولة القانون وثقة المواطنين في مؤسساتها.

 

– كيف تعاملت وسائل الإعلام الإيطالية مع هذه القضية؟ وهل أولتها الاهتمام الذي تستحقه؟

حظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة في إيطاليا، خصوصا بسبب قسوة المشاهد التي أظهرت عبد الرحيم فقير وهو مثبت على الأرض ويطلب النجدة. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم التغطية، وإنما أيضا بالطريقة التي رُويت بها القصة.

فبعض وسائل الإعلام تابعت التحقيق بمهنية، وأفسحت المجال للعائلة، وسعت إلى إعادة بناء الوقائع. في المقابل، سارعت وسائل إعلام أخرى، خصوصا المقربة من اليمين والأغلبية الحكومية، إلى التركيز على ماضي الضحية وشخصيته.

بل إن بعضها نشر معلومات عن سوابق تبين لاحقا أنها غير دقيقة، وكأن السيرة الشخصية للضحية يمكن أن تخفف من فداحة ما حدث له. وأعتبر هذا المنهج خاطئا، لأن ماضي أي شخص قد يكون معلومة صحفية، لكنه لا يمكن أن يكون مبررا مسبقا لوفاته. فالسؤال الحقيقي يبقى: كيف توفي رجل بينما كان تحت سلطة الدولة؟

كما أثارت القضية جدلا داخل الإعلام العمومي الإيطالي، بعدما احتج صحافيو هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيطالية «راي» على عدم بث تقرير أعده مكتبها في إيميليا رومانيا، مطالبين الإدارة بتوضيحات.

وفي وقت لاحق، بثت نشرة الأخبار الرئيسية في «راي» مشاهد من كاميرا أحد رجال الشرطة، لكنها ركزت أساسا على رواية دفاع عناصر الأمن، مما أعاد النقاش حول توازن التغطية الإعلامية وضرورة منح جميع الأطراف المساحة نفسها.

وتجسد هذه القضية آلية سبق أن انتقدتها مرارا، وهي أنه عندما تكون الضحية من أقلية أو من أصول مهاجرة، فإنها غالبا ما تتعرض لما يشبه «محاكمة بعد الوفاة»، حيث يُبحث في ماضيها عن عناصر تقلل من تعاطف الرأي العام معها، بينما يفترض أن ينصب اهتمام الصحافة أولا على كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات.

 

– كيف كان رد فعل الجالية المغربية في إيطاليا؟ وهل سادت أجواء الخوف أم الغضب؟

شكلت وفاة عبد الرحيم فقير صدمة كبيرة للجالية المغربية في إيطاليا، ليس فقط بسبب عنف المشاهد، ولكن أيضا لأن كثيرين رأوا فيها استعادة لجرح قديم لم يندمل بعد. فقد شهدت السنوات الماضية قضايا أخرى أثارت تساؤلات بشأن علاقة المهاجرين بالمؤسسات، وكل حادث جديد يعيد إحياء تلك الذاكرة.

بالتأكيد كان هناك غضب، لكن ما لمسته أكثر هو إصرار واسع على معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة. كما أن الاحتجاجات التي نُظمت في عدد من المدن الإيطالية لم يشارك فيها المغاربة وحدهم، بل ضمت جمعيات ونقابات ومنظمات حقوقية ومواطنين إيطاليين، وهو ما يؤكد أن الأمر لم يكن تحركا فئويا، بل مطالبة عامة للدولة بكشف الحقيقة كاملة.

واليوم أصبحت الجالية المغربية جزءا مستقرا من المجتمع الإيطالي، تضم عمالا ورجال أعمال وطلبة ومهنيين، إضافة إلى أجيال كاملة ولدت وترعرعت في إيطاليا. ولهذا تحديدا فإن مثل هذه القضايا تترك أثرا عميقا، لأنها لا تزرع الخوف بقدر ما تعزز شعورا بالهشاشة لدى كثيرين، عندما يكتشفون أنه رغم عقود من العيش والمساهمة في بناء البلاد، لا يزال البعض ينظر إليهم باعتبارهم غرباء.

 

– هل ترين أن ما حدث حالة معزولة، أم أنه يعكس مشكلات أعمق في طريقة تعامل بعض الأجهزة الأمنية مع المهاجرين؟

أعتقد أن الإجابة لا يمكن أن تكون بنعم، أو لا.

فلا أرى من الإنصاف القول إن أجهزة الأمن الإيطالية تتعامل بشكل ممنهج وبتمييز مع المهاجرين، لأن ذلك سيكون تعميما مجحفا في حق آلاف النساء والرجال الذين يؤدون عملهم يوميا بمهنية واحترام للقانون.

وفي المقابل، سيكون من الخطأ أيضا اعتبار وفاة عبد الرحيم فقير مجرد حادث معزول، لأن السنوات الأخيرة شهدت قضايا أخرى تورطت فيها قوات الأمن وكان ضحاياها من أصول أجنبية، وهو ما يفرض التعامل معها بجدية.

وليس من قبيل الصدفة أن تدعو منظمات دولية، مثل منظمة العفو الدولية ومجلس أوروبا، منذ سنوات إلى تعزيز آليات الرقابة والشفافية وضمانات الأشخاص الذين يتم إيقافهم. فالمقصود ليس إدانة الأجهزة الأمنية، بل تعزيز مصداقيتها من خلال آليات مستقلة للمراقبة والمساءلة.

لكن هناك جانبا أعمق ينبغي الانتباه إليه، وهو أن المؤسسات لا تعيش بمعزل عن المجتمع. فمنذ سنوات، يربط جزء من الخطاب السياسي والإعلامي بين الهجرة والإسلام والجريمة، مما يرسخ في المخيال الجماعي صورة الأجنبي باعتباره مصدر تهديد. ومن السذاجة الاعتقاد بأن مثل هذا المناخ الثقافي لا يترك أثرا.

لذلك أرى أن قضية عبد الرحيم فقير ينبغي قراءتها على مستويين: الأول يتعلق بالمسؤوليات الفردية التي يحددها القضاء، والثاني يرتبط بالسياق الثقافي الذي يجعل مثل هذه الوقائع ممكنة. والمطالبة بمزيد من الشفافية والتكوين وآليات الرقابة لا تعني إضعاف أجهزة الأمن، بل تعني تعزيز الثقة بينها وبين جميع المواطنين، بغض النظر عن أصولهم.

 

– كيف تصفين اليوم وضع الجالية المغربية في إيطاليا؟

تُعد الجالية المغربية من أقدم الجاليات وأكثرها رسوخا في إيطاليا، إذ تضم اليوم مئات الآلاف من المقيمين بصفة قانونية، وتشكل أكبر جالية مسلمة في البلاد. كما انضم إليها عشرات الآلاف ممن حصلوا على الجنسية الإيطالية، فضلا عن أجيال كاملة وُلدت وترعرعت في إيطاليا.

لذلك، فإن الحديث عن الجالية المغربية اليوم يعني الحديث عن مكون أصيل من مكونات المجتمع الإيطالي. فالمغاربة يعملون، ويؤسسون شركات، ويتابعون دراساتهم الجامعية، ويمارسون مختلف المهن، ويساهمون بفاعلية في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.

ورغم ذلك، لا تزال هذه الحقيقة غائبة إلى حد كبير عن النقاش العام، إذ غالبا ما يُستحضر المغاربة فقط عند الحديث عن الهجرة أو الأمن أو الحوادث المختلفة، وهو تصوير مجحف يحجب مساهمة مئات الآلاف منهم في الحياة اليومية.

كما تشهد الجالية تحولا جيليا عميقا؛ فالجيل الأول عاش تجربة الهجرة والتضحية والعمل الشاق، بينما لم يعد الجيلان الثاني والثالث يطالبان بالاندماج، لأنهما أصبحا جزءا من المجتمع الإيطالي بالفعل، بل يطالبان اليوم بالاعتراف الكامل بهما كمواطنين يعيشون ويدرسون ويعملون في إيطاليا، دون أن يُختزلوا دائما في أصولهم العائلية.

وأعتقد أن هذا هو التحدي الحقيقي اليوم؛ فالاندماج تحقق إلى حد كبير، لكن ما ينقص هو الاعتراف الثقافي والاجتماعي بإيطاليا المتعددة التي أصبحت واقعا قائما.

 

– ما أبرز التحديات التي يواجهها المغاربة في إيطاليا على المستويات القانونية والاجتماعية والاقتصادية؟

لقد تغير وضع الجالية المغربية كثيرا مقارنة بما كان عليه قبل ثلاثين عاما، ومن الخطأ الاستمرار في تقديمها باعتبارها جالية مهمشة، إذ أصبح آلاف المغاربة اليوم رجال أعمال ومهنيين وطلبة جامعيين وآباء وأمهات مندمجين في المجتمع الإيطالي. غير أن ذلك لا يعني اختفاء الصعوبات.

ويبقى الاعتراف الاجتماعي أحد أبرز التحديات، إذ لا يزال كثير من المواطنين من أصول مغربية يُعرَّفون أولا من خلال أسمائهم أو أصولهم أو ديانتهم، حتى وإن كانوا مولودين في إيطاليا أو يحملون جنسيتها. وقد تنعكس هذه الأحكام المسبقة في التوظيف أو السكن أو فرص الترقي الاجتماعي.

كما أثرت الأزمة الاقتصادية الطويلة التي عرفتها إيطاليا على الجميع، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، ومن بينها شريحة واسعة من المهاجرين، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وضعف النمو الاقتصادي.

وتوجد أيضا مشاكل عملية، مثل هشاشة سوق الشغل، والتمركز في قطاعات أكثر عرضة للأزمات، وصعوبة الولوج إلى السكن، وبطء الإجراءات الإدارية المتعلقة بوثائق الإقامة.

لكنني أعتقد أن هناك مشكلة أعمق، تتمثل في أن تدهور الأوضاع الاقتصادية خلق ما يسمى بـ«حرب الفقراء»، حيث فضل جزء من الطبقة السياسية تحميل المهاجرين مسؤولية الغضب الاجتماعي، بدل معالجة الأسباب الحقيقية للتفاوتات الاجتماعية.

 

– هل يختلف وضع الجيلين الثاني والثالث من أصول مغربية عن وضع الجيل الأول؟

بكل تأكيد، وبشكل عميق.

فالجيل الأول جاء إلى إيطاليا بمشروع هجرة واضح، يتمثل في العمل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وتأمين مستقبل أفضل لأبنائه، وعاش صعوبات الهجرة وتعلم اللغة والتأقلم.

أما الجيلان الثاني والثالث، فقد وُلدا أو كبرا في إيطاليا، ودرسا في مدارسها، ويتحدثان الإيطالية كلغتهما الأم، ويتقاسمان المرجعيات الثقافية نفسها مع أقرانهما الإيطاليين. ولذلك فإن مشكلتهما لم تعد الاندماج، بل الاعتراف الكامل بهما.

وفي السنوات الأخيرة، حاول بعض السياسيين ربط بعض أعمال العنف التي تورط فيها شباب من أصول مهاجرة بجذورهم الثقافية، حتى إن الحكومة قدمت مشروع قانون يستهدف فئة الشباب الذين يُطلق عليهم اسم «مارانزا».

وأرى أن هذا التحليل خاطئ تماما، لأن الشاب الذي وُلد أو نشأ في إيطاليا واختار طريق الانحراف لا يعكس فشل بلد والديه، بل يطرح أسئلة تخص المجتمع الإيطالي نفسه، الذي تعلم فيه وكبر داخله.

كما يجب التذكير بأن هذه الحالات تبقى استثناء، بينما الغالبية الساحقة من الشباب المغاربة يدرسون ويعملون ويؤسسون مشاريعهم الخاصة ويشاركون في الحياة العامة، ويشكلون جسرا طبيعيا بين المغرب وإيطاليا.

 

– ما أبرز انشغالات الأسر المغربية المقيمة في إيطاليا اليوم؟

أعتقد أن الهم الأكبر لهذه الأسر هو مستقبل أبنائها.

فالجيل الأول غادر المغرب أملا في توفير حياة أفضل للأجيال اللاحقة، واليوم يتساءل كثير من الآباء والأمهات: هل ستُقدَّر تضحياتنا فعلا؟

ويتكرر سؤال واحد باستمرار: هل سيُعامل أبناؤنا كمواطنين كاملي الحقوق، أم سيستمر تعريفهم من خلال أصولهم فقط؟

وقد تعزز هذا القلق مع صعود تيارات سياسية أوروبية تشكك في وجود المهاجرين، وتتحدث عن «إعادة الهجرة»، أو تعارض بين الهوية الوطنية والهوية المرتبطة بالهجرة، وهو ما يثير مخاوف العديد من الأسر.

وبطبيعة الحال، هناك أيضا مشاكل يومية، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وهشاشة فرص العمل.

وفي المقابل، تحرص كثير من العائلات على نقل اللغة والثقافة المغربية إلى أبنائها، دون أن يتعارض ذلك مع انتمائهم الكامل إلى إيطاليا.

وأنا أرى أن الانتماء المزدوج ليس تناقضا، بل مصدر غنى، إذ يمكن للإنسان أن يكون إيطاليا كاملا دون أن يتخلى عن جذوره المغربية.

 

– كيف تقيّمين مستوى اندماج الجالية المغربية في إيطاليا اليوم؟

أعتقد أن مسار اندماج الجالية المغربية إيجابي في مجمله.

فالنتائج واضحة؛ إذ يعيش مئات الآلاف من المغاربة في إيطاليا بشكل دائم، ويعملون، ويؤدون الضرائب، ويؤسسون شركات، ويتابعون دراساتهم الجامعية، ويشاركون بفاعلية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

غير أن هذا النجاح تحقق أساسا بفضل جهود الأفراد والأسر، أكثر مما كان نتيجة سياسات عمومية طموحة. فما زالت إيطاليا تستثمر بشكل غير كاف في التعليم، والأحياء الشعبية، وسياسات الشباب، والوساطة الثقافية، وآليات المشاركة المدنية.

ولهذا أفضل الحديث عن اندماج يتطور باستمرار، وليس عن مسار اكتمل. فالتحدي الحقيقي اليوم لم يعد إدماج المغاربة في المجتمع الإيطالي، بل الاعتراف الكامل بهم كمواطنين يشكلون جزءا من إيطاليا المعاصرة.

 

– هل شهدت إيطاليا في السنوات الأخيرة تزايدا في مظاهر العنصرية ضد المهاجرين؟

لا أعتقد أن تفسير الظاهرة يقتصر على القول إن الإيطاليين أصبحوا أكثر عنصرية، فالأمر أكثر تعقيدا من ذلك. ما تغير بصورة جوهرية هو المناخ الثقافي والسياسي الذي تتشكل داخله مواقف الرأي العام.

فمنذ سنوات، يجري الترويج لخطاب يصور الهجرة، سيما القادمة من البلدان الإسلامية، باعتبارها تهديدا دائما للأمن والهوية الوطنية، بل ولمستقبل البلاد. ويُغذَّى هذا الخطاب من قبل بعض السياسيين، وتضخمه وسائل التواصل الاجتماعي، كما تعززه أحيانا الأخبار الزائفة وحملات التضليل.

المشكلة أن هذا الخطاب لا يخاطب العقل بقدر ما يخاطب المشاعر، كالخوف والإحساس بانعدام الأمن، والرغبة في تحميل طرف ما مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ومع تكرار هذه الرسائل، يتحول المهاجر في المخيال الجماعي من إنسان إلى رمز للخطر.

وبصفتي صحافية، عايشت هذا الواقع عن قرب، وكنت في بعض المناسبات هدفا لحملات كراهية بنيت على معلومات مغلوطة، أو تصريحات محرفة. لذلك أرى أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ازدياد بعض الممارسات العنصرية، وإنما في تحول هذا الخطاب إلى أمر مألوف يقسم المجتمع إلى «نحن» و«هم».

 

– إلى أي حد أثرت الحكومات اليمينية في أوضاع الأجانب بإيطاليا؟

أعتقد أن الحكومات اليمينية أثرت بعمق في أوضاع الأجانب، ليس فقط عبر السياسات التي اعتمدتها، وإنما أيضا من خلال الطريقة التي قدمت بها ملف الهجرة للرأي العام.

وأود التأكيد على نقطة أساسية، وهي أن تنظيم تدفقات الهجرة، ومحاربة الهجرة غير النظامية، وضمان الأمن، هي مسؤوليات أي حكومة، ولا ينبغي أن تكون محل انقسام إيديولوجي.

لكن الإشكال يكمن في الخطاب السياسي، إذ تحولت الهجرة خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم أدوات كسب التأييد السياسي، حيث جرى ربطها بقضايا الأمن، والضغط على الخدمات الاجتماعية، وحتى أزمة الهوية الوطنية، فأصبح المهاجر يُنظر إليه بوصفه رمزا لمشكلة أكبر.

وعلى المستوى التشريعي، ركزت الحكومات على إجراءات المراقبة والأمن، دون أن يواكب ذلك استثمار مماثل في سياسات الإدماج، والتعليم، والأحياء الشعبية، والمشاركة المدنية.

وتبرز هنا مفارقة واضحة؛ ففي الوقت الذي كان فيه الخطاب السياسي يصور الهجرة باعتبارها أزمة، كانت إيطاليا تحتاج أكثر فأكثر إلى اليد العاملة الأجنبية لمواجهة الشيخوخة الديموغرافية، ونقص العمالة في عدة قطاعات.

ولهذا ينبغي التمييز بين إدارة ظاهرة الهجرة باعتبارها واقعا دائما، وبين استغلالها كأداة للتعبئة السياسية.

 

– هل أصبحت خطابات الكراهية أكثر حضورا في النقاش السياسي والإعلامي؟

نعم، لكن الأهم من ازديادها هو أنها أصبحت شيئا عاديا ومقبولا بشكل تدريجي.

فاليوم أصبحت تعابير كانت إلى وقت قريب مرفوضة في النقاش العام تُستخدم من قبل مسؤولين سياسيين، وتنقلها بعض وسائل الإعلام، وتضاعف انتشارها خوارزميات المنصات الرقمية، وهو ما يؤدي إلى توسيع حدود ما يعتبره المجتمع مقبولا.

كما توجد أشكال أكثر خطورة من خطاب الكراهية، لا تعتمد على الشتائم أو التهديدات، وإنما على التكرار المستمر لربط بعض الجاليات بالجريمة أو انعدام الأمن أو عدم الانسجام الثقافي. وقد يبدو هذا الخطاب محايدا، لكنه يؤدي تدريجيا إلى تجريد الناس من إنسانيتهم وتحويلهم إلى أهداف دائمة للنقاش العام.

ومن خلال تجربتي الصحافية، أعرف جيدا كيف تُصنع حملات الكراهية عبر اقتطاع التصريحات من سياقها، أو نشر معلومات زائفة، وكيف يصعب محو آثارها بعد انتشارها.

ولهذا فإن مواجهة خطاب الكراهية لا تقتصر على معاقبة الحالات الفردية، بل تتطلب الاستثمار في التربية الإعلامية، والتحقق من الأخبار، وتحميل المنصات الرقمية مسؤولياتها، وتشجيع صحافة ترفض توظيف الخوف لاستقطاب الرأي العام.

 

– هل يشعر المغاربة بأنهم مستهدفون بشكل خاص، أم أن الظاهرة تشمل جميع الجاليات الأجنبية؟

أعتقد أن هذه الظاهرة تؤثر بشكل رئيسي على الجاليات الإفريقية والمسلمة، لكن يصعب إنكار أن الجالية المغربية تحتل مكانة خاصة في المخيال الجماعي الإيطالي.

فالمغاربة يشكلون منذ سنوات إحدى أكبر الجاليات الأجنبية وأكبر جالية مسلمة في البلاد، ولذلك عندما يدور النقاش حول الهجرة أو الإسلام، غالبا ما تتجه المخاوف والصور النمطية نحوهم.

ومع مرور الوقت، تشكل ارتباط ذهني بين الهجرة والإسلام والأمن، وهو ارتباط لا يعكس الواقع، لكنه يشوهه، بحيث تصبح الجنسية أو الانتماء الديني معيارا للحكم على أشخاص يختلفون في ما بينهم اختلافا كبيرا.

والمفارقة أن الجالية المغربية تعد من أكثر الجاليات استقرارا وتجذرا في إيطاليا، إذ يعمل أفرادها، ويؤسسون الشركات، ويربون أبناءهم، ويساهمون في الاقتصاد والمجتمع منذ عقود، إلا أن هذه الصورة الإيجابية لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الأخبار التي تغذي الخوف.

والتحدي الحقيقي هو تجاوز هذه الصورة النمطية، وتقديم الجالية المغربية كما هي في الواقع: مكونا مستقرا ومتعددا، لا يمكن فصله عن المجتمع الإيطالي.

 

– كيف تطورت السياسة الإيطالية في مجال الهجرة خلال السنوات الأخيرة؟

أرى أن التغيير الأكبر لم يكن في القوانين نفسها، بل في الخطاب السياسي الذي يحيط بقضية الهجرة.

فالقوانين الأساسية المنظمة لدخول الأجانب والإقامة والحصول على الجنسية موجودة منذ سنوات طويلة، ولم تقدم أي حكومة حتى الآن إصلاحا شاملا لمنظومة الهجرة، لكن المناخ السياسي تغير بشكل واضح.

أصبحت الهجرة إحدى أهم ساحات الصراع السياسي، وانصب النقاش تقريبا على مراقبة الحدود والهجرة غير النظامية، بينما تراجعت سياسات الإدماج والإدراج الاجتماعي وفتح المسارات القانونية للهجرة.

غير أن الواقع أكثر تعقيدا، فإيطاليا ما زالت بحاجة إلى العمال الأجانب، وهو ما تؤكده المراسيم السنوية الخاصة بحصص الهجرة، التي تسمح بدخول عشرات الآلاف من العمال لتلبية حاجيات قطاعات اقتصادية عديدة.

وفي المقابل، يعيش مئات الآلاف من الأشخاص في وضعية غير نظامية، رغم أن كثيرا منهم يعملون بالفعل، لكن دون حماية قانونية، أو فرصة للخروج من حالة الهشاشة.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فمن جهة، تقدم الحكومة نفسها باعتبارها تتبنى سياسة صارمة تجاه الهجرة، ومن جهة أخرى، تستمر أوضاع غير قانونية واسعة لم تنجح أي حكومة في معالجتها بشكل جذري.

وأرى أن سياسة هجرة ناجحة ينبغي أن تقوم على التوفيق بين الأمن، واحترام القانون، والحاجيات الاقتصادية، والإدماج، لأن إدارة الهجرة لا تعني فقط مراقبة الحدود، بل أيضا بناء سياسات واقعية تسمح للدولة بفهم هذه الظاهرة وإدارتها باعتبارها جزءا دائما من مستقبل إيطاليا وأوروبا.

 

– هل ما زالت إيطاليا تُعد بلدا جاذبا للمهاجرين كما كانت في السابق؟

لا تزال إيطاليا وجهة مهمة للعديد من المهاجرين، لكنها لم تعد تتمتع بالجاذبية نفسها التي كانت تتمتع بها خلال تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة. فقد شهدت البلاد تغيرات عميقة؛ إذ تباطأ النمو الاقتصادي، وأصبح سوق العمل أكثر هشاشة، وظلت الأجور شبه راكدة، فيما ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل ملحوظ.

ولا يقتصر هذا الوضع على المهاجرين فقط، بل يشمل المجتمع الإيطالي بأسره. فإيطاليا تواجه اليوم صعوبة حتى في الاحتفاظ بجزء من شبابها، إذ يغادر آلاف الإيطاليين، وخاصة من أصحاب الكفاءات والشهادات العليا، إلى الخارج بحثا عن فرص عمل أفضل، ورواتب أعلى، ومسارات مهنية تقوم على الكفاءة. إنها الظاهرة المعروفة بـ«هجرة العقول»، والتي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه البلاد.

وهذا يدفع إلى التعامل مع قضية الهجرة بواقعية أكبر. فإذا كانت الدولة عاجزة عن توفير آفاق كافية لمواطنيها، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالمهاجرين، بل بقدرة الاقتصاد الإيطالي على خلق الفرص.

كما أن كثيرا من المهاجرين لم يعودوا يعتبرون إيطاليا وجهتهم النهائية، بل محطة عبور نحو دول أوروبية أخرى، مثل ألمانيا وفرنسا وهولندا، حيث تبدو فرص العمل والترقي المهني أكثر جاذبية.

ومع ذلك، ما زالت إيطاليا بحاجة إلى العمال الأجانب، خصوصا في قطاعات الرعاية، والفلاحة، والبناء، والسياحة، والمطاعم. لكن هذا الطلب يتعايش مع نمو اقتصادي ضعيف وسياسات هجرة لا تنجح دائما في الاستجابة للحاجيات الفعلية للبلاد.

ولهذا أرى أن إيطاليا أصبحت أقل جاذبية مما كانت عليه، ليس لأنها أصبحت بلدا معاديا للمهاجرين، وإنما لأنها توفر فرصا أقل للارتقاء الاجتماعي مقارنة ببعض الدول الأوروبية الأخرى.

 

– كيف تنظر السلطات الإيطالية اليوم إلى الهجرة القادمة من المغرب؟

أصبحت الهجرة المغربية يُنظر إليها اليوم بطريقة مختلفة تماما عما كانت عليه في الماضي. فالجالية المغربية تعد من أقدم وأكبر الجاليات الأجنبية وأكثرها استقرارا في إيطاليا، ولم تعد تتكون فقط من مهاجرين جدد، بل من أسر استقرت منذ عقود، وأبناء وأحفاد وُلدوا وترعرعوا في البلاد.

وفي الوقت نفسه، تطورت العلاقات بين المغرب وإيطاليا بشكل ملحوظ، إذ لم يعد المغرب يُنظر إليه فقط كبلد مصدر للهجرة، بل كشريك استراتيجي لإيطاليا في منطقة البحر الأبيض المتوسط والقارة الإفريقية.

وقد تعزز التعاون بين الرباط وروما خلال السنوات الأخيرة في مجالات متعددة، من بينها تدبير الهجرة، ومحاربة الهجرة غير النظامية، إضافة إلى التعاون الاقتصادي، والطاقي، والصناعي، والأمني.

ويعكس هذا التطور المكانة الإقليمية المتنامية للمغرب، الذي أصبح شريكا أساسيا في استقرار منطقة المتوسط، وفي الاستثمارات والتعاون الصناعي، كما يشكل جسرا طبيعيا بين أوروبا وإفريقيا.

ورغم ذلك، ما زالت بعض الإكراهات قائمة، خصوصا البطء الإداري الذي يؤثر على الحياة اليومية للمغاربة المقيمين بإيطاليا، فضلا عن استمرار ربط الجالية المغربية أحيانا بقضايا الأمن والهجرة غير النظامية، رغم أن أغلبية أفرادها يعيشون ويعملون ويساهمون منذ سنوات في تنمية البلاد.

وأعتقد أن العلاقات المغربية الإيطالية دخلت اليوم مرحلة جديدة، لم تعد فيها الهجرة هي الإطار الوحيد لهذه العلاقة، بل أصبحت ملفات الاستثمار والطاقة والتكوين والابتكار والنمو الاقتصادي المشترك تحتل مكانة متزايدة.

 

– هل أصبحت إجراءات الحصول على الإقامة ولمّ شمل الأسرة أكثر تعقيدا؟

نعم، فقد أصبحت هذه الإجراءات خلال السنوات الأخيرة أكثر تعقيدا، سواء بسبب بعض التعديلات القانونية أو نتيجة الصعوبات الإدارية التي ما زالت تطبع النظام الإيطالي.

فالكثير من المقيمين والعاملين بشكل قانوني يضطرون إلى الانتظار فترات طويلة للحصول على تصاريح الإقامة أو تجديدها، وينطبق الأمر نفسه على ملفات لمّ شمل الأسرة، التي تتطلب مساطر معقدة وآجالا طويلة.

ولا تقتصر آثار هذا التأخير على الجانب الإداري، بل تمتد إلى الاستقرار المهني، والاستفادة من الخدمات، وإمكانية التخطيط للحياة الأسرية.

وأرى أن هذا الوضع يخلق مفارقة حقيقية؛ فمن جهة، تطالب الدولة المهاجرين باحترام القانون، ومن جهة أخرى، عندما يلتزمون بذلك، يجدون أنفسهم أمام إدارة بطيئة وغير فعالة، وهو ما يضعف الثقة في المؤسسات.

ومن الطبيعي أن تمارس الدولة رقابة صارمة، لكن الصرامة لا ينبغي أن تتحول إلى بطء إداري. فالإدارة الناجحة هي التي تجمع بين التدقيق والسرعة في معالجة الملفات.

ولذلك أعتقد أن سياسة هجرة ناجحة يجب أن تقوم على ثلاثة مبادئ متكاملة: احترام القانون، والنجاعة الإدارية، وصون الحقوق.

 

– كيف تقيّمين الاتفاقيات الموقعة بين المغرب وإيطاليا في مجال الهجرة؟

أعتبر هذه الاتفاقيات إيجابية وضرورية، لأنها تعكس إرادة البلدين في مواجهة ظاهرة لا يمكن لأي دولة أن تديرها بمفردها.

فالتعاون في مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وتدبير تدفقات الهجرة، وإجراءات إعادة المهاجرين، يشكل عنصرا أساسيا في العلاقات الثنائية.

لكنني أرى أنه من الخطأ اختزال العلاقات المغربية الإيطالية في ملف الهجرة فقط، لأن الشراكة بين البلدين أصبحت اليوم أوسع وأكثر استراتيجية، وتشمل الاستثمار والطاقة والصناعة والتكوين والبنيات التحتية والأمن.

فكلما تعزز التعاون الاقتصادي، ازدادت فرص النمو والتشغيل والهجرة النظامية، وهو ما يساهم أيضاً في الحد من الهجرة غير النظامية.

واليوم يُعد المغرب أحد أكثر شركاء إيطاليا موثوقية في منطقة المتوسط وإفريقيا، ولم يعد مجرد بلد مصدر للهجرة، بل فاعلا إقليميا أساسيا في الاستقرار والتعاون الاقتصادي والعلاقات بين أوروبا وإفريقيا.

ولهذا فإن اتفاقيات الهجرة، رغم أهميتها، ليست سوى جزء من شراكة استراتيجية أشمل، سيكون رهانها في المستقبل بناء علاقة أكثر توازنا تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.

 

– كيف تصفين مستوى التعاون بين الرباط وروما في قضايا الهجرة؟

شهد التعاون بين المغرب وإيطاليا خلال السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا وأصبح أكثر تنظيما، إذ يقوم اليوم على حوار دائم بين مؤسسات البلدين، انطلاقا من قناعة مشتركة بأن تدبير الهجرة مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيقا مستمرا.

ويشمل هذا التعاون مكافحة شبكات الهجرة غير النظامية، وتبادل المعلومات بين السلطات المختصة، وتدبير عمليات الإعادة، ووضع آليات مشتركة لمعالجة ظاهرة تمس ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

ورغم ذلك، ما زالت بعض الجوانب بحاجة إلى مزيد من التطوير، خاصة ما يتعلق بإجراءات تحديد الهوية وعمليات الإعادة، التي تبقى معقدة وتستغرق أحيانا وقتا طويلا، نظرا لحساسيتها القانونية والإنسانية.

وبشكل عام، أعتقد أن المقاربة البراغماتية هي التي تسود حاليا، فقد أدرك البلدان أن التعاون يحقق نتائج أفضل من المواجهة، أو الإجراءات الأحادية، وهو ما يعزز الثقة المتبادلة ويجعل إدارة الهجرة أكثر فعالية.

أما التحدي خلال السنوات المقبلة، فيكمن في توسيع هذا التعاون ليصبح جزءا من شراكة سياسية واقتصادية أشمل، بما يسمح بمعالجة قضايا الهجرة في إطار رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

 

– هل تقوم المؤسسات المغربية بالدور الكافي في مواكبة أفراد الجالية والدفاع عن حقوقهم؟

 

أعتقد أن المغرب أبدى خلال السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا بمواطنيه المقيمين بالخارج، وأعتبر هذا التطور إيجابيا للغاية. فقد أصبحت الجالية يُنظر إليها بشكل متزايد باعتبارها رصيدا استراتيجيا للمملكة، ليس فقط بسبب مساهمتها الاقتصادية، ولكن أيضا لما تزخر به من كفاءات وخبرات وشبكات علاقات ورأسمال بشري مهم.

وقد تجلت هذه الرؤية في العديد من المحطات، من بينها النجاح الذي حققه عدد من أبناء الجالية ضمن المنتخب الوطني لكرة القدم، غير أن مساهمة الجالية تتجاوز المجال الرياضي بكثير.

فالمغاربة المقيمون بالخارج يمثلون ثروة ثقافية وعلمية واقتصادية ودبلوماسية، ولذلك أرى أن هناك مجالا أوسع لتعزيز الروابط بينهم وبين المؤسسات المغربية، والاستفادة بشكل أكبر من خبراتهم وقدرتهم على بناء جسور التعاون بين المغرب وبلدان الإقامة.

كما أن الجالية نفسها تغيرت؛ فإلى جانب الجيل الأول، هناك اليوم جيلان ثان وثالث ولدا ونشآ في أوروبا، ولهما تطلعات مختلفة عن تطلعات الآباء. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير الخدمات القنصلية، وتحسين المواكبة الإدارية، والأهم من ذلك فتح حوار دائم مع هذه الأجيال وإشراكها بشكل أكبر في مسار تنمية المغرب.

أما في ما يتعلق بحماية الحقوق، فإن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الدولة التي يقيم فيها المواطنون، أي إيطاليا، التي ينبغي أن تضمن المساواة أمام القانون، وتحارب جميع أشكال التمييز، وتكفل التمتع الكامل بالحقوق. وفي المقابل، يمكن للمغرب أن يواصل القيام بدور داعم من خلال التعاون مع السلطات الإيطالية، كلما تعلق الأمر بقضايا تخص الجالية المغربية.

وأرى أن التحدي الحقيقي في المستقبل يتمثل في بناء علاقة أكثر حداثة مع الجالية، باعتبارها شريكا استراتيجيا ورصيدا بشريا ينبغي إشراكه في رسم مستقبل المغرب وعلاقاته الدولية.

 

– ما أبرز انتظارات المغاربة المقيمين في إيطاليا من السلطات المغربية اليوم؟

أعتقد أن تطلعات الجالية المغربية في إيطاليا تغيرت بشكل عميق. فإلى جانب المطالبة بخدمات قنصلية فعالة، ومواكبة إدارية سريعة، والحفاظ على صلة قوية بالوطن، أصبحت الأجيال الجديدة تتطلع إلى ما هو أبعد من ذلك.

فالكثير من المغاربة يرغبون في الإسهام في تنمية المغرب من خلال خبراتهم المهنية، والاستثمار، وريادة الأعمال، والبحث العلمي، والثقافة، والتعاون الاقتصادي، ويريدون أن يُنظر إليهم باعتبارهم جزءا من الرأسمال البشري الوطني، لا مجرد جالية تعيش في الخارج.

كما تمثل الأجيال الجديدة فرصة استثنائية، فهي تتقن عدة لغات، وتعيش بين ثقافتين، واكتسبت خبرات علمية ومهنية دولية، ويمكن أن تصبح جسرا طبيعيا بين المغرب وأوروبا، بما يعزز العلاقات الاقتصادية والثقافية والمؤسساتية بين الجانبين.

لكن المؤسف أن بعض التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا باتت تشكك في هذه الهويات المركبة، وتحول الانتماء المزدوج إلى مصدر للريبة بدل اعتباره قيمة مضافة.

وفي هذا السياق، يستطيع المغرب أن يؤدي دورا مهما، ليس بالتدخل في النقاشات السياسية الداخلية للدول الأوروبية، وإنما عبر تعزيز قيمة التعدد الثقافي والحفاظ على التواصل الدائم مع أفراد الجالية.

فحماية الأجيال الجديدة تعني تمكينها من الشعور بأنها تنتمي بالكامل إلى المغرب وإلى بلد الإقامة في الوقت نفسه، دون أن تضطر إلى الاختيار بين الهويتين.

واليوم، لم تعد الجالية ترغب في أن يُنظر إليها فقط كمصدر للتحويلات المالية، أو كجالية تحتاج إلى المساعدة، بل تريد أن تساهم بخبراتها وشبكاتها الدولية في تنمية المغرب وتعزيز حضوره.

 

– بصفتك صحافية، كيف تقيّمين طريقة تناول الإعلام الإيطالي لقضايا الهجرة؟

أعتقد أنه من الضروري تجنب التعميم. ففي إيطاليا يوجد صحافيون ووسائل إعلام تتعامل مع ملف الهجرة بمهنية عالية ومسؤولية كبيرة، لكن في المقابل ما زالت بعض وسائل الإعلام تختزل الظاهرة في قضايا الأمن والهجرة غير النظامية والحوادث.

ومنذ سنوات، أعمل على دراسة وانتقاد ما أسميه «التطييف أو الإثننة الإعلامية للأخبار الجنائية»، أي التركيز بشكل ممنهج على أصل الشخص أو جنسيته أو ديانته، حتى عندما لا تكون لهذه المعطيات أي صلة بفهم الخبر.

وهذا الأسلوب لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يرسخ في الوعي الجماعي صورة تربط الأجنبي تلقائيا بالخطر، بحيث تطغى هويته على شخصيته.

وينعكس ذلك ليس فقط على نظرة الرأي العام، بل أيضا على النقاش السياسي، إذ يغذي الصور النمطية ويصعب إجراء نقاش عقلاني حول الهجرة.

فالحديث عن الهجرة ينبغي أن يشمل كذلك العمل، وريادة الأعمال، والتعليم، والأجيال الجديدة، والمواطنة، ومساهمة ملايين الأشخاص في بناء المجتمع الإيطالي، وليس الاقتصار على الحالات السلبية.

وأرى أن الصحافة تتحمل مسؤولية ديمقراطية تتمثل في مساعدة المواطنين على فهم تعقيدات الواقع، لا في تكريس الأحكام المسبقة أو تغذية الاستقطاب.

 

– هل تعتقدين أن وسائل الإعلام تساهم أحيانا في تعزيز الصور النمطية عن المهاجرين؟

نعم، وأعتقد أن ذلك يحدث في كثير من الأحيان، حتى دون نية مباشرة.

فالصور النمطية لا تُبنى فقط بما يُقال، بل أيضا بما يُكرر باستمرار، وبالطريقة التي تُنتقى بها الأخبار وتُعرض على الجمهور.

وعندما تُربط الهجرة، على مدى سنوات، بالحوادث الأمنية والهجرة غير النظامية فقط، يصبح من الطبيعي أن يربط جزء من الرأي العام بين الأجنبي والخطر.

ولهذا أعتبر أن الإصرار على ذكر الأصل العرقي أو الديانة في الأخبار الجنائية، عندما لا يكون لذلك أي ضرورة، يمثل ممارسة مقلقة، لأنه يحول مسؤولية فردية إلى وصمة تلحق بجالية بأكملها.

ولا يعني ذلك إخفاء الحقائق أو تجاهل المشكلات، بل يقتضي تقديم صورة متوازنة وشاملة. فإذا كان ملايين الأشخاص يعملون ويدرسون ويدفعون الضرائب ويساهمون يوميا في المجتمع، بينما لا تحظى إلا الوقائع السلبية بالتغطية الواسعة، فإن الصورة التي تصل إلى الجمهور ستكون مشوهة بالضرورة.

ولهذا فإن مهمة الصحافة هي إعادة التوازن إلى السرد الإعلامي، حتى لا تتحول أخطاء أفراد إلى أحكام تطال ملايين الأشخاص.

 

– كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تساهم في مكافحة خطاب الكراهية والعنصرية؟

لا تستطيع وسائل الإعلام، بمفردها، القضاء على العنصرية أو خطابات الكراهية، لكنها تتحمل مسؤولية كبيرة في أن تختار بين تغذيتها، أو مقاومتها.

فكل عنوان، وكل صورة، وكل كلمة، تسهم في تشكيل الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى نفسه وإلى الآخرين.

وأول واجب على الصحافة هو نقل الواقع بكل تعقيداته، عبر التحقق من الوقائع، ووضعها في سياقها الصحيح، وتجنب التبسيط، والتمييز دائما بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية. فالجريمة يتحملها مرتكبها وحده، وليس جنسيته أو دينه أو الجالية التي ينتمي إليها.

كما ينبغي توسيع زاوية النظر إلى الهجرة، باعتبارها أيضا عملا، واستثمارا، وبحثا علميا، وتعليما، وثقافة، ورياضة، ومواطنة، وملايين القصص اليومية التي تعكس المشاركة الفعلية في بناء المجتمع.

وأعتقد أن الصحافة مطالبة اليوم باستعادة رسالتها النبيلة، المتمثلة في مساعدة المواطنين على الفهم، لا مجرد إثارة ردود الفعل. فالخوف غالبا ما يولده الجهل والمعلومات المضللة وغياب السياق، بينما تسهم الصحافة المهنية في بناء مجتمع أكثر وعيا وأقل عرضة للدعاية وخطابات الكراهية.

إن مكافحة العنصرية لا تعني إخفاء المشكلات أو الامتناع عن مناقشتها، بل تعني تناولها بدقة وتوازن ومسؤولية، من دون تعميم أو وصم جماعات بأكملها.

وفي زمن الاستقطاب والتضليل الإعلامي، تجد الصحافة نفسها أمام خيارين: إما ملاحقة الخوف لتحقيق نسب أكبر من المتابعة، أو الإسهام في بناء مواطنين أكثر معرفة وديمقراطية أكثر قوة. وأنا أؤمن بأن هذه هي الرسالة الحقيقية للصحافة.

كريمة موال في أسطر

كريمة موال

– صحافية وكاتبة عمود ومحللة إيطالية من أصول مغربية.

– تكتب في صحيفتي «لا ستامبا» و«لا ريبوبليكا».

– تُعد من أبرز الأصوات في إيطاليا في ما يتعلق بقضايا الهجرة، والفضاء المتوسطي، والحوار بين الثقافات، والعلاقات بين أوروبا والمغرب.

– مؤسسة ومديرة منصة «ميدبوست».

– مؤلفة كتاب «برد في إفريقيا وقصص أخرى عن إيطاليا وُلدت في مكان آخر».

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى