حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

للمغرب في القلب ما لا تفسده الخيبات

نعيمة لحروري

[email protected]

 

للمغاربة علاقة خاصة بوطنهم، علاقة يصعب اختصارها في الشعارات، أو تفسيرها بمنطق الرضا والغضب. قد يقسون عليه في أحاديثهم، ويشتكون من أحواله، ويختلفون مع حكوماته ومسؤوليه، وقد يضيق بعضهم بما يراه من ظلم أو تقصير أو فرص ضائعة. لكن ما إن يتعلق الأمر بسلامة المغرب ووحدته، حتى يستيقظ في أعماقهم شعور آخر، أقدم من الخلافات وأقوى من الخيبات: إنه الوطن.

ذلك أن المغاربة، مهما اشتدت مؤاخذاتهم، يعرفون جيدا الفرق بين الوطن ومن يتولى تدبير شؤونه. فالحكومات تتعاقب، والسياسات تتغير، والمسؤولون يرحلون، أما المغرب فيبقى. يبقى أرضا وذاكرة وتاريخا، وبيتا كبيرا يتسع لأبنائه جميعا، حتى أولئك الذين ضاقت بهم بعض غرفه.

قد يغضب المغربي من وطنه، لكنه لا يقبل أن يمس بسوء. قد ينتقد مؤسساته، ويطالب بحقوقه، ويحتج على ما يراه اختلالا، لكنه حين يشعر أن أرضه مهددة، يضع خلافاته جانبا، ويستحضر انتماء لا يحتاج إلى من يوقظه.

وهذه ليست مفارقة، بل لعلها أصدق صور الوطنية. فالأوطان لا يحبها أبناؤها لأنها كاملة، ولا يدافعون عنها لأنهم نالوا منها كل ما يستحقون. يحبونها لأنها جزء منهم، ولأن جذورهم ضاربة في ترابها، ولأن فيها قبور أجدادهم، وذكريات طفولتهم، وأحلام أبنائهم.

من هنا نفهم لماذا ظلت قضية الصحراء المغربية، على امتداد عقود، قادرة على جمع المغاربة رغم اختلافاتهم. لم تكن يوما مجرد قضية سياسية تتبناها الدولة، بل قضية وجدت مكانها في وجدان شعب يرى في وحدة أرضه امتدادا لوحدة مصيره.

وحين خرج مئات الآلاف في المسيرة الخضراء، لم يكونوا جميعا على الدرجة نفسها من الرضا عن أوضاعهم، ولا كانت حياتهم خالية من المتاعب. لكنهم أدركوا أن هناك لحظات يتقدم فيها الوطن على كل الحسابات، وأن نداء الأرض حين يرتفع، تتضاءل أمامه الخلافات.

واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، لا تزال الروح نفسها حاضرة. قد تتغير الأجيال، وتتبدل الظروف، وتتسع مساحة النقد والاختلاف، لكن الاستعداد للتضحية دفاعا عن الوطن يظل من أعمق معاني الانتماء لدى المغاربة.

وليس الحديث عن التضحية تمجيدا للموت، فالحياة أثمن ما يملكه الإنسان، وإنما هو تعبير عن حقيقة وجدانية: أن هناك من القيم ما يستحق أن يخاطر المرء بحياته لحمايتها، وفي مقدمتها أن يبقى وطنه آمنا، حرا، موحدا، وأن يعيش أبناؤه مرفوعي الرأس.

ولعل أجمل ما في هذا الحب أنه لا يشترط مقابلا. فالجندي الذي يرابط بعيدا عن أسرته، والمواطن الذي يعمل بإخلاص، رغم صعوبة ظروفه، والمغربي المقيم في أقصى الأرض ولا يزال قلبه معلقا ببلاده، يجمعهم خيط واحد، وإن اختلفت أشكال الوفاء.

إن قوة المغرب الحقيقية لا تكمن في غياب الاختلاف بين أبنائه، بل في قدرتهم على التمييز بين خلافاتهم المشروعة وما يجمعهم من مصير مشترك. وقد يكون أشد الناس نقدا لأوضاع البلاد من أكثرهم استعدادا للدفاع عنها، حين تستدعي الضرورة ذلك.

فالوطنية ليست حكرا على من يصفق، كما أن الانتقاد ليس دليلا على نقص الانتماء. وقد يكون الاعتراض الصادق أحيانا وجها من وجوه المحبة، لأن من يحب وطنه لا يرضى له أن يكون أقل مما يستحق.

وإذا كانت التطورات الدولية تعيد بين الحين والآخر قضية الصحراء إلى واجهة الأحداث، فإنها تذكرنا بما هو أبقى من القرارات والمواقف: ذلك الرابط الذي يجمع المغاربة بأرضهم، والذي لا تستطيع خلافاتهم اليومية أن تقطعه.

نحن لا نحب المغرب لأن كل شيء فيه على ما يرام، بل نحبه رغم ما يؤلمنا فيه، ونسعى إلى إصلاح ما نراه ناقصا لأننا نريده أفضل.

قد نعاتب الوطن كما نعاتب أعز الناس إلينا، وقد نقسو عليه بالكلمات حين يخذلنا الواقع، لكننا لا نساوم على سلامته، ولا نقبل أن تمتد إليه يد بسوء.

فإذا كان لنا أن نختلف في كل شيء تقريبا، فإن ثمة شيئا لا نختلف عليه: أن يبقى المغرب عزيزا، آمنا، موحدا.

نريد أن نحيا فيه بكرامة، وأن نبنيه بالعدل والعمل، وإذا فرضت الضرورة الدفاع عنه، فلن يكون غاليا عليه أغلى ما نملك.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى