
منذ إحالة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على مجلس النواب، وشروع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية في مناقشته، بدأت بعض «اللوبيات» المرتبطة بمصالح اقتصادية، تتحرك تحت قبة البرلمان، من خلال عقد لقاءات مع النواب البرلمانيين، لتقديم مقترحات لتعديل بعض مواد القانون، وخاصة على مواد مدونة الجمارك والمدونة العامة للضرائب، وبدأت تتقاطر على مكاتب الفرق البرلمانية مقترحات تعديلات تتقدم بها هيئات مهنية، لتمريرها داخل لجنة المالية. هذه الممارسات تتكرر سنويا خلال فترة مناقشة قانون المالية، فيما تعمد بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخدمات مكاتب الاستشارة أو بـ«سماسرة»، تحت غطاء أساتذة وخبراء، لتقديم تعديلات تخدم مصالحها.
لم تعد معركة مشروع قانون المالية تدور، فقط، حول الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وأولويات الإنفاق العمومي وسبل تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، بل أصبحت تطرح، أيضا، مع كل محطة تشريعية، أسئلة محرجة حول الجهات التي تتحرك في الكواليس للتأثير في مضامين النصوص المالية، ومحاولة توجيه بعض التعديلات لخدمة مصالح ضيقة، بعيدا عن المصلحة العامة التي يفترض أن تكون البوصلة الأساسية للعمل البرلماني.
وقبل المصادقة على المشروع، تمكن «لوبي» مقالع الرمال، الذي قام بتمويل الحملات الانتخابية لبعض البرلمانيين، من تمرير تعديل يقضي بإعفاء الرمال من الضريبة، فيما يمارس كبار مستوردي الماشية المعروفين بـ«الفراقشية» ضغوطات من أجل إبقاء الإعفاءات الجمركية والضريبة على استيراد الأبقار والأغنام واللحوم الحمراء، رغم عدم وجود أثر في الواقع لهذه الإعفاءات، في ظل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم بالأسواق.
هذه الممارسات تضرب في العمق مصداقية المؤسسة التشريعية، وتمس باستقلاليتها كمؤسسة ترمز لتمثيلية الشعب والدفاع عن مصالحه، وليس الدفاع عن مصالح اللوبيات الاقتصادية المتغولة، والأخطر من ذلك هو لجوء بعض «اللوبيات» إلى استعمال وسائل «خبيثة» لاستمالة البرلمانيين، مقابل تقديم تعديلات تخدم مصالحها، من قبيل عدم فرض الضرائب أو الرفع من قيمتها على بعض المواد.
وهناك برلمانيون لهم مصالح اقتصادية، إما منعشون عقاريون أو فلاحون كبار أو يملكون مصانع لبعض المنتوجات وشركات للاستيراد والتصدير، نجدهم يستغلون قبة البرلمان للدفاع عن مصالحهم وليس مصالح المواطنين الذين صوتوا عليهم، كما وقع في جلسة الأسئلة الشفوية المنعقدة الاثنين الماضي، عندما تحدث البرلماني بصفته يمثل قطاع النسيج والألبسة.
ونجد، كذلك، قوانين لا أحد يقدر على الاقتراب منها أو تعديلها، لأنها تخدم أيضا بعض المصالح، وهناك العديد من مقترحات القوانين ومشاريع القوانين التي بقيت منذ سنوات مجرد حبر على ورق داخل رفوف مكاتب غرفتي البرلمان أو القطاعات الحكومية المعنية، ومقابل ذلك هناك قوانين تتم دراستها والمصادقة عليها في وقت قياسي، لأنها، بكل بساطة، تخدم مصالح فئة معينة.
إذن هناك مصالح اقتصادية وسياسية تتحكم في عملية التشريع وطرح الأسئلة الكتابية والشفوية، وأصحاب هذه المصالح يستغلون إما علاقتهم مع البرلمانيين أو استغلال نفوذهم داخل الأحزاب السياسية أو وجود بعضهم داخل البرلمان، ويمارسون ضغوطات من داخل الفرق البرلمانية أو اللجان البرلمانية الدائمة المختصة في التشريع من أجل تعديل بعض القوانين أو إنتاج قوانين أخرى على المقاس، وفي بعض الأحيان تكون ضغوطات من خارج البرلمان لتقديم مقترحات أو تعديلات تخدم مصالح بعض الجهات، خاصة في الجانب المتعلق بالمصالح الاقتصادية.
لذلك، فإن المغاربة لا ينتظرون من ممثليهم التشريعيين أن يكونوا وسطاء بين الحكومة وأصحاب المصالح، بل أن يمارسوا دورهم في الرقابة والتشريع بما يضمن توجيه المال العام لخدمة التنمية وتحسين الخدمات العمومية.





