حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرفسحة الصيف

مدام «جوانفيل».. زوجة المبعوث الفرنسي وصديقة المنبهي

لم يكتف المنبهي باتخاذ الأصدقاء البريطانيين ومخالطة الجنسيات الأوروبية الأخرى.. بل مر إلى السرعة القصوى، خصوصا في ربيع سنة 1906، وأصبح ضيفا «فوق العادة» في إقامة «مدام جوانفيل»، زوجة المبعوث الدبلوماسي الفرنسي في طنجة الدولية، حتى أن هذه السيدة أقامت حفلات رسمية في الفيلا، السكن الوظيفي لزوجها، على شرف الوزير الحاج المنبهي.

 

«معاليه»..

ظهر، في الأرشيف البريطاني الخاص بالمفوضية البريطانية في طنجة الدولية، أن المنبهي كان يفضل أن ينادى بلقب «معاليك»، كلما تحدث إليه مسؤول أجنبي في طنجة، سيما بعدما أصبح محميا بريطانيا بصفة رسمية.

المثير أن السيدة «جوانفيل» كانت مهووسة بالفن وتحرص على اقتناء اللوحات الموقعة من طرف فنانين أوروبيين لإبهار ضيوفها، في حين أن المنبهي، في تلك الفترة على الأقل، لم يكن لديه أي إلمام بالمدارس الفنية ولا تيارات الفن التشكيلي.. بل كان محافظا في العمق، رغم أنه، عندما كان في فاس، كان من منتقدي الفتاوى الصادرة في القرويين، والتي تجرم التعامل مع الأجانب. كان المنبهي متحررا، ومتسامحا مع انتشار مظاهر الحياة العصرية للأجانب في أوساط المغاربة، لكن ليس إلى الحد الذي يجعل منه متخصصا «ذواقا» في عالم اللوحات الفنية.

عندما كان المنبهي يحل بمقر إقامة السيد والسيدة «جوانفيل»، كان يأتي ليخالط المسؤولين الأجانب القدامى والجدد في طنجة الدولية، ويربط معهم أواصر الصداقة. كان يشاع عنه أنه يمتلك ثروة ستكفيه هو وأحفاده، دون الحاجة لاستثمارها. والحقيقة أنه لم تظهر على المنبهي، وقتها، أي علامة أو مؤشر يفهم منه أنه يمر بصعوبات مادية أو أن ثروته تأثرت بمصيره السياسي.. في الحقيقة كان المنبهي الضيف المطلوب رقم 1 في حفلات الدبلوماسيين الأجانب في طنجة الدولية.

 

حفلة شاي عند المنبهي..

كان القنصل الأمريكي، السيد «جورج إدموند هولت» الذي اشتغل في المغرب سنة 1907، أحد الشهود على حضور المنبهي لحفلات الدبلوماسيين الأجانب. كتب يقول، في مذكراته « Morocco the Piquant»، في وصف دقيق لأجواء حضور المهدي المنبهي إلى حفلة من حفلات زوجة المبعوث الدبلوماسي الفرنسي في طنجة الدولية:

«في إقامة مدام «جوانفيل»، يقينا يلتقي المرء مع «المنبهي» -المهدي المنبهي- الذي كان، ذات زمن ما، الوزير الأعظم وصديق السلطان عبد العزيز. بقامة طويلة، وقد رشيق وبشرة سمراء -مع نزعة نحو السواد- قد يكون المنبهي الأكثر «تحضرا» من أي مغربي آخر.

المهدي المنبهي يلعب التنس بشكل ممتاز، وفي منزله الفخم في طنجة يوجد ملعب تتردد عليه، بانتظام، نخبة أفراد المجتمع الطنجوي -وأحيانا يتردد عليه أشخاص آخرون.

حفلات الشاي، التي يقيمها في منزله في فترة ما بعد الظهر، سبب لا يُستهان به لحصد الإعجاب -وعلى الرغم من أن هذا الفارس، الذي يمثل كلا من القديس مايكل والقديس جورج، تجري في عروقه ذرات من دم العِرق الأسود، إلا أنه من الأمور المعتادة بين الدبلوماسيين أن يتملقوا للمنبهي ويتقربوا منه. جميعهم، وهم ثلاثون!».

تلتقي رواية القنصل الأمريكي، السيد «هولت»، مع مؤشرات أخرى جاءت في أرشيف مراسلات المفوضية البريطانية في طنجة الدولية. ومن بين تلك المؤشرات ما يتعلق بـ«تملق» الشخصيات الأجنبية والمحلية للمهدي المنبهي، إلى درجة أنه لم يكن يستطيع الاستغناء عن حراسه الشخصيين الذين لم يكونوا يفارقونه عندما كان وزيرا ومقربا من السلطان المولى عبد العزيز. كان مرغما على الاحتفاظ بكل مظاهر الأبهة التي رافقته أيام السلطة، ما دام الآخرون مصرين على معاملته كرجل دولة في المنطقة الدولية.

لكن القنصل الأمريكي كان قاسيا، إلى حد ما، في وصف حالة المهدي المنبهي كما عاشها بنفسه.. إذ لخص، في فقرة مقتضبة، واقع حال مسؤولي المخزن الذين وجدوا أنفسهم في طنجة الدولية، بعيدا عن السلطة المركزية في قصر فاس، وهم جميعا اشتغلوا مع المنبهي أو ينتمون إلى الدائرة الضيقة لصداقاته المخزنية، والمثير أنهم لاقوا المصير نفسه تقريبا..

يقول: «المهدي المنبهي، محمد المقري، سيدي محمد الگباص وابنه، «الموسيو» الدكتور علي زكي بيه، بوعشرين، محمد بن عبد الرحمن بنيس، عبد المالك، مولاي علي شريف وزان، بل وحتى معاليها الشريفة، والقايد السير هاري ماكلين -الإنجليزي رغم أنفهم-.. كل هؤلاء، وغيُرهم، يمكن أن تصادفهم تقريبا في أي يوم، يتجولون عبر شوارع طنجة، والعبيد في انتظارهم والجنود حولهم يحرسون المكان.

لا وجود للائحة تُسجل أسماء المحتالين وتشهر بهم في الحضارة المغربية. اليوم، قد يكون رجل ما لصّا للماشية، وغدا وزيرا أوّل. وفي اليوم الموالي سجينا منسيا داخل قصبة قذرة، وتُصادر منه داره ونساؤه وأمواله.

هكذا، كما يقول المثل المغربي: «الذين يوجدون في القمة، لا بد أن ينزلوا. والذين في القاع، لا بد أن يصعدوا إلى القمة. السمين مصيره أن يصبح هزيلا، والنحيف لا بد أن يسمن. وزير اليوم راع غدا، والذي نحتقره اليوم، قد يُعطي أمر قتلنا غدا».

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى