
في شهر شتنبر عام 1980، أي في عهد حكومة الراحل المعطي بوعبيد، رئيس الوزراء الأسبق، شاركت في محطة تاريخية في ملف قضية الصحراء المغربية، حيث كان من المقرر أن تجتمع لجنة الحكماء المنبثقة عن منظمة الوحدة الإفريقية للنظر في ملف الصحراء المغربية، وذلك في مدينة فريتاون عاصمة سيراليون.
كلفت المنظمة الإفريقية لجنة من الحكماء، للنظر بعمق في هذا الملف الذي تولد عنه نزاع عسكري بين المغرب والجزائر. وتتكون اللجنة من رؤساء الدول: أحمد سيكو توري من غينيا كوناكري، وموسى تراوري من مالي، وسياكا ستيفنز من سيراليون. ومثل المغرب رئيس وزرائه الراحل المعطي بوعبيد، وعن الجزائر رئيسها الراحل الشاذلي بن جديد، وموريتانيا رئيسها الأسبق خونا ولد هيد الله، كشهود. وإلى جانب أعضاء الحكومة، ضم الوفد المغربي تمثيلا كبيرا لشيوخ القبائل ووجهائها من الأقاليم الجنوبية، برفقة كبار المسؤولين الحكوميين.
وانطلاقاً من مشاعرهم المعادية للمغرب، سارع القادة الجزائريون إلى الاستثمار في القضية، بدءا من التبرع للقادة السيراليونيين بعدد من الفيلات والسيارات الفاخرة، على حساب دافعي الضرائب الجزائريين.
لم تمنح هذه المكرمات بدافع المودة للمضيف فحسب، بل كانت تهدف أساسا إلى حث سيراليون على الاصطفاف إلى جانب الطرح الانفصالي الذي تبنته الجزائر، ودعم القضية من المنظور الذي تتبناه الجزائر.
كما توقعنا كانت المهمة مليئة بالمخاطر والمؤامرات والعقبات، التي دبرها خصوم وحدتنا الترابية. بدأت المضايقات فور هبوط طائرة الخطوط الجوية الملكية المغربية التي تقل الوفد المغربي في المطار.
حاصرت مجموعة من الجنود المدرج ومنعونا من النزول، للاشتباه في حيازتنا أسلحة وذخيرة داخل الطائرة. لم يسمح لي بمغادرة الطائرة إلا بعد أن أظهرت إصرارا وعزيمة، وتصرفت بصفتي رئيس الوفد، وهددت بالعودة الفورية إلى المغرب، تمكنت من الحصول على إذن بالمغادرة برفقة زميلين. في الواقع، تم تسريب قرار منع نزول الوفد وحيازته للأسلحة إلى أجهزة الأمن في سيراليون من قبل الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية التي تمكنت من التسلل إلى المنطقة.
كنا قد جهزنا أنفسنا بالأسلحة والذخيرة لضمان سلامتنا في بلد يمتلك فيه الخصوم القدرة على التصرف ودفع السيراليونيين إلى الهجوم ببضعة دولارات.
أُتيحت لي فرصة حل المشكل في المطار من قبل نائب رئيس دولة سيراليون، الذي كان قد جاء لاستقبال رئيس الجمهورية الجزائرية. اغتنمت هذه الفرصة لشرح الواقعة والمشاكل التي اعترضت الوفد المغربي منذ نزول الطائرة لأرض المطار. استمع إلي بإمعان بعد أن قدمت نفسي لنائب الرئيس كـ”مبعوث لملك المغرب”، وكان برفقتي الراحل محمد عزمي، حيث قدمت احتجاجا حازما ولكن مهذبا على سوء المعاملة التي تلقاها وفد بلادي في مطار فريتاون.
وبفضل تفهم نائب رئيس سيراليون، أزال على الفور جميع العقبات ووفر لوفدنا وسائل نقل إلى المدينة، وكان الوفد يضم مئتي عضو. انطلق الوفد على الفور، دون أي إجراءات جمركية أو صعوبات أخرى. إلا أن صعوبات أخرى ستظهر.
جغرافيا، يفصل بحر سيراليون بين العاصمة فريتاون التي تقع على جانبه الجنوبي، والمطار الواقع على الجانب الشمالي. وتعتمد حركة المسافرين بين الضفتين بشكل أساسي على القوارب والعبارات.
كان من المقرر أن ننزل، في فندق يقع على الضفة الأخرى، ما جعلنا في واجهة صعوبات أخرى تبدأ من لحظة العبور. كان علينا أن نقطع البحر على ظهر سفينة نتقاسمها مع المسافرين والتجار والبضائع والحيوانات الداجنة والدراجات النارية والهوائية والعربات. فطال انتظارنا على الرصيف.
ظلت السفينة متوقفة لفترة طويلة جدا قبل أن تبدأ بالتحرك، بشكل متعثر. كان سبب هذا التأخير في الرصيف هو مطالبة القبطان بدفع أجرة إضافية فوق سعر الرحلة، الذي دفع مسبقا. لم تبحر السفينة إلا بعد تأخيرات لا تنتهي، وبعد تلبية هذا الطلب غير المناسب، ستتوقف السفينة مجددا في عرض البحر، هذه المرة بحجة عطل في المحرك. استمر التوقف الميكانيكي قرابة ساعة، ثم بدأت الشمس بالخفوت، لتفسح المجال لموجة صغيرة تتقدم بخطوات واسعة، مغرقة الأصوات في قلق وتوتر وخوف من غرق السفينة. من خلال الاستماع إلى ما يهمس به حولي، أدركت أن هذا النوع من “الحوادث” شائع، وأن “العطل” يحدث، كما لو كان سحرا، بمجرد جمع الأموال ودفعها للطاقم.





