حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

مذكرات عن دبلوماسيين وثقوا للأزمنة المغربية العصيبة

أقواها قصة سفير أمريكا مع انقلاب الصخيرات وقنصل بريطانيا مع حرب الريف

يونس جنوحي

«ليسوا دبلوماسيين عاديين.. هم سفراء وقناصلة عاشوا تجارب استثنائية في المغرب. لم يكن ممكنا إدراجهم جميعا في هذا الملف، فهم «قبيلة» من الدبلوماسيين الذين عاشوا تجارب لم يكن ممكنا لغيرهم أن يعيشوها بين المغاربة..

سفراء اشتغلوا في المغرب زمن «السيبة»، وآخرون جاؤوا قبلها، ودبروا أزمات ورتبوا للقاءات كانت تبدو مستحيلة، بين «المخزن» والتمثيليات الدبلوماسية.. أغلبهم كانوا مقيمين في المغرب، بينما آخرون جاؤوا في إطار مهمة واحدة لرأب الصدع أو تبليغ الرسائل، ثم غادروا صوب بلدانهم، بعد أن ساهموا حرفيا في كتابة التاريخ.

 

 

جون دروموند هاي.. شيخ الدبلوماسيين الأجانب بالمغرب

اشتغل في المغرب ما بين سنتي 1844 و1886، السنة التي تقاعد فيها من السلك الدبلوماسي مودعا المغرب. وعاش وصول المولى الحسن الأول إلى السلطة، وتوفي سنة 1893، قبل وفاة المولى الحسن الأول بسنة واحدة فقط.

قرابة أربعة عقود متواصلة قضاها السيد «هاي» على رأس التمثيلية الدبلوماسية البريطانية في المغرب، وسهر على إنجاح مهام وزراء بريطانيين جاؤوا في مهام خاصة لدى ملوك الدولة العلوية، ليصبح أقدم دبلوماسي مارس مهامه الرسمية في المغرب.

أبقت مملكة بريطانيا على السيد «هاي» في المغرب، نظرا لإلمامه بالملف المغربي وعلاقاته المتينة مع السلاطين العلويين مباشرة طيلة فترة اشتغاله ممثلا لبريطانيا لدى القصر الملكي في فاس.

أسس السيد «هاي» لمجتمع الدبلوماسيين الأجانب، وكان وراء تأسيس أول ناد لرياضة القنص الأوروبية في طنجة الدولية، وبفضله تطورت رياضة القنص في المغرب، إذ إنه أهدى القصر الملكي معدات قنص عصرية، وساهم في تطوير جولات القنص الملكية، وكان أيضا وراء هندسة أول إصلاح للحرس الملكي، واقترح على السلطان المولى الحسن الأول جملة من التعديلات لإدخال لمسة عصرية على جوانب البروتوكول السلطاني خلال الاستقبالات الرسمية.

ورغم قربه من المغرب، إلا أن السيد هاي ظل دائما خديما للمصالح البريطانية، واصطف إلى جانب بلاده في أكثر مناسبة، دون أن أي تقدير للعلاقات الإنسانية التي نسجها في المغرب. فرغم أنه قضى أربعة عقود كاملة بين المغاربة، إلا أن بوصلته ظلت وفية للندن، وساعته مرتبطة بـ«غرينيتش» دائما! رغم تعدد ممثلي العواصم الأوروبية إلى جواره في المدينة نفسها.. طنجة الدولية.

ترقى السيد «هاي» وحمل لقب وزير مقيم، ثم وزير مفوض، ثم حصل على لقب «مبعوث فوق العادة»، سنة 1880، واحتفى باللقب بطلب لقاء مع المولى الحسن الأول، ونقل إلى «المخزن» المغربي رسائل في فترات دقيقة من تاريخ العلاقات بين المغرب ودول أوروبا مجتمعة.

لقد كانت مكانة السيد «هاي» غير مسبوقة، في تاريخ العلاقات الدبلوماسية.

وقد قال عنه مراسل «التايمز» في طنجة، الصحافي والتر هاريس، محصيا إنجازاته «المغربية»، والتي كان أبرزها إدخال رياضة القنص وفق القواعد البريطانية إلى البلاد:

«مُؤسس هذه الرياضة الجميلة في هذا البلد، هو «السير جون دروموند هاي»، وهو سلف «السير ويليام كيربي گرين» في الوزارة، وهو رياضي لا يعرف الكلل أبدا. ومع مجيء الوزير الجديد السيد «گرين» فإن الوزارة استمرت في دعم هذه الأنشطة والعمل على ازدهارها. يقع هذا المخيم على تل خلف بُحيرة «شرف العقبة» بالقرب من قرية تُسمى «هوارة»، توجد وسط غابة من أشجار الفلين الكثيف، وأشجار الزيتون. يتنوع هذا المخيم في الحجم والمساحة.

وزيرنا – وهو من أشد الرياضيين حرصا والتزاما بممارسة الرياضة- يقيم معسكره دائما في الخارج، وعادة ما ترافقه زوجته وابنته، بينما يجهز «السير جون دورموند هاي» الذي يبقى مقيما في طنجة خلال فصل الشتاء، معسكرا لعائلته.

تحيط بمعسكر الوزير مخيمات مختلف السكان، بينما يقوم «أنسالدو»، صاحب فندق «كونتينانتال»، بتوفير الخيام والطعام لأولئك الذين لا يتوفرون عليها».

هذه الشهادة تزامنت مع الفترة التي تقاعد خلالها السيد «هاي»، والتي أصيب خلالها بما يشبه الشلل، ما جعل استمراره على رأس السلك الدبلوماسي البريطاني مستحيلا، قبل أن يتقاعد رسميا سنة 1886.

 

 

قصة السفير الأمريكي «ستيوارت روكويل» مع انقلاب الصخيرات

خلال الفترة التي قضاها السفير الأمريكي «ستيوارت و. روكويل»، في المغرب ما بين سنتي 1970 و1973، شعر الرجل وكأنه نذير شؤم على العلاقات المغربية الأمريكية، وسبق له أن صرح بهذه الأحاسيس التي راودته، خصوصا وأنه كان شخصيا موضوع اتهام..

فقد تسرب وقتها أن السلطات المغربية تشتبه في احتمال علمه بالانقلاب قبل وقوعه، سيما وأن الكولونيل المذبوح -العقل المدبر لانقلاب الصخيرات- كان يتردد على مقر السفارة الأمريكية، ويلبي دعوات العشاء التي يوجهها إليه السفير «روكويل»، وحتى السفير الذي كان قبله، السيد «هنري تاسكا».. كما أن المذبوح سافر كثيرا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ما بين سنتي 1965 و1970.

وهكذا كان السفير في وضع محرج، وكان يتعين عليه أن يعالج الشوائب التي بدأت تتسرب إلى علاقته بالملك الراحل الحسن الثاني.

صحيفة «نيويورك تايمز»، سبق لها أن نقلت تصريح السفير «روكويل» في ليلة الانقلاب على صفحاتها، وجاء فيه ما يلي:

«بدأ كل شيء فوق عشب ملعب غولف قصر الصخيرات، حيث نظم الكولونيل المذبوح، المسؤول الأول عن القصر الملكي، جولة في اللعبة، محاطا بعدد من الضباط العاملين تحت إمرته.

قال السفير ستيوارت روكويل في حوار هذه الليلة، إنه دردش قليلا مع المذبوح، الذي كان يرتدي بذلة الغولف، عند الحفرة رقم 18. ثم بعد ذلك توجه السفير إلى فناء خلفي، حيث وضع الغذاء للضيوف..».

ثم سرد السفير الأمريكي سيناريو الانقلاب كما أصبح معروفا لدى الجميع، لكنه في تلك اللحظات كان يعتبر تفاصيل ومعلومات وكواليس تعرف لأول مرة لدى القراء مغاربة وأجانب. وصفت الصحيفة الأمريكية ما وقع في الصخيرات بأنه: «انقلاب على الطريقة الليبية».

وما زاد من تأزيم العلاقة، ما سرى من أخبار في الرباط، وتناهى إلى أسماع الدبلوماسيين الأجانب وممثلي البعثات الأجنبية، مفادها أن السفير الأمريكي ارتدى يوم الانقلاب بذلة بلون «كاكي»، يحاكي لون بذلة الانقلابيين.. وقالوا إن السفير ارتدى تلك البذلة، بناء على اتفاق مسبق بينه وبين الكولونيل المذبوح، حتى لا يستهدفه الانقلابيون برصاصهم..

لكن تلك الإشاعات كلها كانت تحتاج إلى تأكيد دامغ، خصوصا وأن السفير «روكويل» كان قد انسحب من الاحتفال بعيد ميلاد الملك الراحل الحسن الثاني، في ذلك اليوم لارتباطات مهنية، ونجا بنفسه من الاغتيال..

مرت الأزمة، وتجددت الثقة في السفير «روكويل»، سيما وأن الموقف الأمريكي كان واضحا. لكن المحاولة الانقلابية الثانية لسنة 1972، والتي استهدفت الطائرة الملكية في الأجواء المغربية عند عودة الملك الراحل الحسن الثاني من رحلة إلى الخارج، زادت من تقوية شبهة علم الأمريكيين المسبق بالمؤامرتين ضد الملك الراحل الحسن الثاني..

وهذه الأسباب مجتمعة هي التي عجلت برحيل السيد «روكويل» عن الرباط، في واحدة من أقصر الفترات التي قضاها سفير أمريكي لدى المغرب.

عاش «روكويل» لسنوات طويلة بعد المحاولتين الانقلابيتين، إلى أن توفي في ربيع سنة 2011، واستعادت الصحافة الأمريكية محنته في قلب قصر الصخيرات، وكيف كان اسمه نذير شؤم على العلاقات المغربية الأمريكية، التي تعتبر أقدم صداقة دبلوماسية عقدتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها.

 

قنصل بريطانيا بتطوان.. منح «الحماية» لأثرياء المغرب

في سنة 1897 جاء إلى المغرب مغامر وكاتب بريطاني شهير، اسمه «آرثر كامبيل».. هذا الأخير ألف كتابا عنوانه «A ride in Morocco»، مسجلا فيه يوميات ومغامرات جولته في ربوع المغرب.

وكلما وصل إلى مدينة من المدن المغربية، إلا وكتب عن شخوصها الغريبة وما عاشه فيها من مغامرات.

مغامرته في مدينة تطوان كانت الأبرز، والدليل أنه خصص لها الحيز الأكبر في مذكراته. وأهم ما عاشه في تطوان، لقاؤه مع القنصل البريطاني.. فقد ظل يعتقد أنه سوف يلتقي دبلوماسيا بريطانيا، ليكتشف في الأخير أن هذا القنصل لم يكن يشبه نهائيا القناصلة الذين سبق له لقاؤهم طيلة حياته الحافلة بالأحداث والرحلات.

ومن المفارقات الساخرة، أن الشخصين اللذين عرّفاه على هذا القنصل البريطاني، أراد أن يُخفي اسميهما في مذكراته – ربما بطلب منهما- وفضل أن يطلق عليهما لقب X وY. وهما اللذان كانا وراء تقديم القنصل البريطاني إليه، خلال إحدى حفلات العشاء. يذكر المغامر «آرثر»، أيضا أن هذا القنصل كان وراء استفحال ظاهرة «المحميين»، التي قصمت ظهر الدولة المغربية وأضعفت سلطة المخزن.. لقد كان «آرثر» إذن أمام رجل غير عادي.

وقد كتب عنه في مذكراته المثيرة، قائلا إنه عندما عاد إلى الفندق ذات ليلة فوجئ بالرجلين البريطانيين يقترحان عليه لقاء القنصل البريطاني، في مدينة تطوان:

«قُدم لنا العشاء وجلسنا نحن أربعة في الطاولة. كان القنصل شخصا مثيرا للاهتمام. وكان يحظى بتقدير كبير في المغرب، وكانت لديه ملكة اللسان وإتقان أدب الحديث. ثماني سنوات قضاها مقيما في المغرب جعلته متآلفا مع كل الظواهر والعادات عند المغاربة. تعلمنا منه في غضون ساعات قليلة فقط، ما لم لا يمكن تعلمه خلال شهر مع المرشدين، أو حتى من خلال الكتب.

كيف يستطيع هذا الرجل الحديث هكذا! لقد مضت عليه ثمانية أشهر لم ير خلالها أي وجه بريطاني ولم يسمع لغته الأم، لكنه كان مسيطرا على الحديث طيلة السهرة.

بعد العشاء اقترح علينا القنصل التوجه معه إلى منزله لقضاء ليلة هادئة عنده. وذهبت لكي أخبر «مورينو» أنني سوف أخرج مع القنصل. كان «مورينو» يعتقد أنني سوف أكون في خطر كبير، وأنني سوف أغامر بحياتي عند الخروج في وقت متأخر ليلا. لاحظت أنه مع «الجيلالي» كنا أربعة رجال بريطانيين، بالإضافة إلى بعض الخدم المغاربة الذين كانوا يحملون القناديل لإضاءة الطريق. سمح لي «مورينو» بالمغادرة وحملني مسؤولية ما سيقع لي».

من المهم أيضا معرفة أن هذا القنصل البريطاني في تطوان لم يكن يمثل بريطانيا وحدها، ففي سياق تاريخي معين مع نهاية وباء الكوليرا، كان بعض القناصلة الأجانب، بينهم قنصل بريطانيا، مضطرين إلى تمثيل دول أخرى لم تستطع توفير قناصلة لها يتحدثون العربية. وهكذا حصل بعض هؤلاء على أوراق اعتماد، وبعضهم كانوا يعلقون أعلام أربع دول وأكثر فوق بناية القنصلية الخاصة بهم، وهو ما جعل مهنتهم خلال تلك الفترة مزدهرة جدا.

 

 

دبلوماسي «سيئ الحظ» لإقناع الحسن الثاني بـ«براءة» أمريكا من انقلاب 1972

رغم أن هذا السياسي والدبلوماسي الأمريكي، «سبيرو أكنو»، لم يكتب مذكراته، إلا أن أصدقاءه ومعارفه كتبوا عنه كثيرا، خصوصا وأن اسمه أثير في فضيحة الفساد والرشاوى التي اقترنت باسم الرئيس الأمريكي الأسبق «نيكسون»، والتي اتهمته بالفساد والتهرب الضريبي وتلقي الرشاوى..

عندما توفي «أكنو» سنة 1996، أحيت أقلام الصحافة الأمريكية كبوات الرجل خلال مساره السياسي، وتكلف مخضرمو الصحافة الأمريكية باستحضار جوانب مضيئة من حياة الرجل، خصوصا الدور الذي لعبه في المغرب في صيف سنة 1972.

قال سبيرو أكنو لمحيطه في صيف 1972، إنه وجد الملك الحسن الثاني غاضبا جدا، وسأله إن كان الأمريكيون على علم بتخطيط القاعدة الجوية في القنيطرة للانقلاب عليه، بحكم أنها كانت تقع داخل المنطقة التي يستغلها الأمريكيون للإقلاع بطائراتهم العسكرية. كانت مهمة نائب الرئيس الأمريكي صعبة للغاية، فقد كان مكتب الرئيس الأمريكي نيكسون قد توصل برسالة عبر فيها الملك الحسن الثاني عن استيائه من محاولة استهداف حياته بطائرات أمريكية وهو على متن طائرته الملكية فوق الأجواء المغربية عند عودته من رحلة بالخارج. الخارجية الأمريكية نقلت أيضا معلومات مفادها أن الجهات الرسمية في المغرب تشك في إمكانية توصل الأمريكيين بمعلومات مبكرة عن المحاولة الانقلابية على طائرة الملك، لكنهم لم يبادروا إلى إخباره بالأمر. وهكذا ركب نائب الرئيس الأمريكي الطائرة وتوجه إلى الرباط للقاء الملك الحسن الثاني وتطمينه، ومحاولة احتواء الغضبة الملكية.

الأمر لم يكن سهلا أبدا، كما قال سبيرو نفسه، وركز خلال اللقاء الذي جمعه بالملك الحسن الثاني، على تطمينه، مع التأكيد على أن القيادة الأمريكية لم تكن تعلم أي شيء عن التخطيطات التي انطلقت من القاعدة الجوية بالقنيطرة. لقاء بارد وقصير للغاية مقارنة مع الاستقبالات المهيبة التي كان يخصصها الملك الراحل الحسن الثاني للأمريكيين.

الصحافة العالمية اهتمت بخبر الانقلاب، واهتمت أكثر بزيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى المغرب أياما بعد الواقعة، وراج في الصحافة الأجنبية أن الأمريكيين كانوا من خلال الزيارة يريدون فقط تلطيف الأجواء مع الملك الحسن الثاني، وربما كان موقفهم مختلفا لو أن الأمور عرفت منحى آخر.

كان لقاء نائب الرئيس بالملك الحسن الثاني بعيدا عن أضواء الكاميرات. قصاصة رسمية تناولت الموضوع، وظهور رسمي قصير جدا، ليتفرغ الطرفان لحديث سري، وراء باب مغلق انفرد خلاله نائب الرئيس الأمريكي بالملك الحسن الثاني لينقل له رسالة شفهية، لم تكن تحتمل أن تُكتب ربما، على لسان الرئيس الأمريكي نيكسون مفادها أن أمريكا تدعم الملك الحسن الثاني وترفض أن يتم استهداف حياته بتلك الطريقة. لكن الملك الحسن الثاني بقي غاضبا للغاية، حتى أن محيطه كانوا يتخوفون من اندلاع أزمة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.

 

«زوگاسطي» قنصل إسبانيا يتلطخ بالوحل خلال حرب الريف

لطالما كتب الإسبان عن هذا الرجل الذي اشتغل مفوضا ساميا لإسبانيا في المنطقة الخليفية، في عشرينيات القرن الماضي.. هذا الرجل الذي جمع بين الحس العسكري والنباهة السياسية، تكلف بتدبير العلاقات المغربية الإسبانية خلال فترة حساسة للغاية من تاريخ العلاقات المغربية الإسبانية، والتي اتهم فيها الإسبان بغزو الريف وشن حروب ضد قرى معزولة، لتطويق بؤر المقاومة ضد الاحتلال الإسباني للشمال.

لكن هؤلاء الكتاب الإسبان أنفسهم، انبهروا عندما طالعوا ما قاله الشريف الريسولي – ثائر الشمال الشهير كان في الوقت نفسه صديقا حميما لـ«زوگاسطي»- في حق القنصل الإسباني.

فقد ذكر في مذكراته التي سجلتها الكاتبة «روزيتا فوربس» سنة 1921، في كتاب «سلطان جبالة»، والذي ترجمناه حصرا في «الأخبار»، لأول مرة إلى العربية:

«إذا أخبرتَ أحدا ما بما تفكر فيه، فإنك سوف تفقد السيطرة عليه. ولن يبقى أبدا من أتباعك. لكن كان لدي صديق كان بمثابة أخ لي. إسباني، واسمه «زوگاسطي»، وكان قنصلا في العرائش. أوروبا لم تحظ أبدا بآخر مثله. كنت أنفذ كل ما يقوله لي، لأن روحه كانت مثل المرآة، وكل أفكاره كانت خيّرة. كانت لديه شجاعة الأسد، لكنه كان يتجول في البلاد بدون سلاح، لأنه كان دائما يردد:

– يجب على إسبانيا أن تُقنع الشعب من خلال تصرفاتها وأفعالها، لا أن تقنعهم بقوة البارود والرصاص.

في إحدى المرات كانت هناك باخرة محملة بالخراطيش، ترسو عند مصب نهر اللوكوس. كان الجو حارا، ولم يكن أحد يرغب في العمل. كان أفراد الطاقم نائمين فوق سطح السفينة. في البداية، لم ينتبه الرجال النائمون على الشاطئ إلى الدخان المنبعث من مدخنتها، ثم بدا لاحقا أنها تحترق. خاف الجميع، فقد يحدث انفجار ضخم وقد تتضرر منه المدينة أيضا.

استيقظ أفراد الطاقم، لكنهم لم يكونوا قادرين على إطفاء النار.

كان «زوگاسطي» مارا بمحاذاة المكان على اليابسة عندما سمع الصراخ. ولما علم بما يقع، أخذ مسدس أحد رجال الشرطة، وقفز إلى أول زورق يراه، وأجبر الرجال بالقوة على التجذيف في اتجاه السفينة. مجيئه كان إنقاذا لحياة الطاقم. امتثلوا لأوامره وقاموا بإغراق السفينة. وبينما كان الناس يتوقعون في أي لحظة أن يسمعوا دوي الانفجار، قام بإرسال البحارة إلى الشاطئ، لكنه كان آخر رجل يغادر، ووراءه كانت مياه البحر تخمد ألسنة النيران.

والله، إن «زوگاسطي» رجل يستحق الاحترام! المغاربة كانوا ينادونه «النصراني الشريف». ولم يكن ليكسب «دورو» واحدا ويهربه خارج البلاد. لقد جاء إلى العرائش وهو أغنى بكثير مما كان عليه عندما غادرها. لقد كان عمره وقتها ثلاثين أو أربعين سنة، لكن كانت لديه حكمة تفوق سنوات عمره. لقد درس شريعة الإسلام وعادات المسلمين، وكان يتحدث اللغة العربية أفضل مني.

لقد أخبرت هذا الرجل الذي كان بمثابة أخي، ببعض ما كنت أفكر فيه، لأن اقتراب الفرنسيين من بلادي كان ظاهرا مثل الشمس في وضح النهار.

في نواحي القْصْرْ، أقمتُ مْحلّة قوامها خمسمائة رجل. وكان يترأسهم القائد بوعزة الملسوني. وكانت هذه المْحلة تراقب دائما تقدم فرنسا وتوغلها. كنت أعلم أنه سوف تكون هناك حرب في القريب. وعندها، لا قدر الله، سوف نخسر، لأن فرنسا لا تتراجع أبدا. لذلك استشرتُ مع «زوگاسطي»، ومع وزيركم أيضا السيد «ليستر» واعتقدتُ أن الإسبان أقوياء كفاية لمساعدتنا، لكنهم لم يكونوا أقوياء إلى درجة أن يبطشوا بنا.

ذات ليلة جاء إليّ «زاگوسطي». كان مغمورا بالوحل والعرق يتصبب منه ويخترق عينيه. كان حصانه واقفا في الساحة، حيث تركه، وكان الموت يظهر في عينيه.

كان أحد أعدائي، وهو من قادة بني عروس، قد اعتقل حامد بن مالك وابنيه معه وسجنهم في منزله بمصمودة، سلبهم بغالهم وأحصنتهم وكل ممتلكاتهم، وهدد بقتلهم إذا لم يؤد إليه مبلغ فديتهم. طلب 24 ألف دولار وعددا من الخيام والأسلحة.

إن حامد بن مالك يوجد الآن تحت حماية إسبانيا، شأنه شأن عدد من تجار العرائش والقْصْر.

في تلك الأيام، عندما يرغب رجل في الإفلات من العقاب العادل بسبب أفعاله، فإنه يضع نفسه تحت حماية إحدى القوى الأوروبية».

 

 

 

 

 

 

 

القنصل «مادن».. كاد أن يُقتل خلال أحداث الدار البيضاء سنة 1907

«لقد كنت في الصويرة أبحث عن القنصل الإنجليزي، السيد «مادن»، لقد رفض أن يجعلني واحدا من المحميين، لذلك كنت أبحث عنه لقتله بخنجري، لقد أحكم إغلاق بيته، ولم أستطع الوصول إليه. أقسم بالله أن النصارى كانوا خائفين. لقد كانوا يحتمون ببيت القنصل، ويصعد بعضهم إلى سطحه ليطلقوا النار. لكننا اعتقلنا بعضهم في عقر منازلهم. يا إلهي كم كانت منازلهم جميلة. نحن القرويون لم نر في حياتنا تلك الأشياء الرائعة، وكنا نخاف منها، لأنها كانت مسكونة بأرواح شريرة. لذلك كنا نحطم كل ما نراه أمامنا من أمتعتهم.

أحد الإسبان أطلق علينا النار من نافذة بيته، وكان يصوب جيدا، لكن حسن، المتحدر من دكالة، وأخاه قاما بمحاولة لاقتحام بابه. صوب بندقيته باتجاههما، وأرداهما قتيلين فورا. عندما تفقدناهما وجدناهما مصابين برصاصتين بين عينيهما».

الكلام هنا لرجل مغربي، حكى مغامرته وكيف عاش في قلب أحداث الدار البيضاء الدامية التي سبقت القصف الشهير في صيف 1907 للصحافي البريطاني «لاورنس هاريس»، والذي أدرجها في مذكراته «مع المولى عبد الحفيظ في فاس» سنة 1908.

بالعودة إلى الشهادة أعلاه، فقد اندلعت الثورة ضد الأجانب في الدار البيضاء، الفرنسيين والإسبان على وجه الخصوص، وثار ضدهم الأهالي وشرعوا في حملة اغتيالات واسعة طالت المعمرين بمختلف ألقابهم وصفاتهم ودرجاتهم الاجتماعية.

وكان القنصل البريطاني السيد «مادن» أحد الذين استهدفوا خلال هذه الحملة، وحسب ما رواه الشاهد، فإن استهداف القنصل مادن الذي كان في الحقيقة يقضي فترة تقاعد مريحة في الدار البيضاء، بعد انتهاء مهامه الدبلوماسية في الصويرة، كان مرده إلى امتناع هذا الأخير عن منح الحماية لأحد المغاربة. حرمان المغربي من صفة «محمي» جرت على القنصل «مادن» الويلات، بعد أن فقد الصفة الدبلوماسية.

بدا واضحا أن الصحافي البريطاني، «لاورنس هاريس» الذي حاور المولى عبد الحفيظ سنة 1908، عند وصوله إلى العرش، كان ناقما على دبلوماسيي بلاده في المغرب، خصوصا رئيس المفوضية البريطانية في طنجة الدولية. فقد كتب عنه في مذكراته قائلا:

« كان علي أن أتوجه منذ اليوم الأول إلى مكتب المفوضية البريطانية بالمغرب.

خرجت من غرفة الفندق الباردة والهادئة، إلى دفء الشوارع وصخبها في طريقي إلى أعلى التل. قطعت الشارع الرئيسي، وعلى جنباته كانت هناك أبواب كبيرة محروسة في اتجاه السوق الكبير.

أخيرا وصلت إلى المفوضية البريطانية، وأخبرني القنصل العام أنه لا يجدر بي أبدا التوجه إلى فاس، وقدم لي حججا واهية ليمنعني من التوجه إلى هناك. قال لي إنني قد أواجه خطر السرقة، القتل، وحتى الذبح على يد المجرمين. وذكرني بأحد الأطباء الإسبان الذي وجد مذبوحا، قبل أيام، من طرف مجهولين بالمدينة. كان صعبا على أي أجنبي أن يتوغل إلى داخل المغرب.

«على كل حال» حاول القنصل بهذه العبارة أن يلخص كل شيء وينهي الحديث. في النهاية قال لي: «يجدر بك أن تقابل باشا مدينة طنجة، حتى يعطيك مرافقا، وأنا متأكد أنه سيرفض طالما أن البلاد غير آمنة للأوروبيين».

خرجت من المفوضية البريطانية وأنا مدرك تماما أنني أمام مشكل عويص. توجهت بعد ذلك إلى المنبهي، وهو ممثل السلطان مولاي عبد الحفيظ في مدينة طنجة، كان لقائي معه مشجعا. قال لي: «يمكنك الذهاب، وسأعطيك رسالة إلى السلطان. جهز حصانا لتركبه إلى هناك، وعد كي أرسلك بعد يوم أو يومين». لم أكن أدرك أن المنبهي قال لي هذا الكلام ليخدعني فقط، لم يعطني رسالة ولم أره بعدها أبدا».

 

 

 

 

 

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى