حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

لجان «تقصي» الحقائق


عاد الجدل حول ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار إلى الواجهة بقوة، ومعه عاد الحديث عن إمكانية تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، باعتبارها إحدى أقوى الآليات الرقابية التي منحها الدستور للبرلمان من أجل كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات السياسية والأخلاقية، غير أن التجربة المغربية مع هذه اللجان تجعل من المشروع طرح سؤال حارق، هل نحن أمام آلية للكشف عن الحقائق، أم أمام وسيلة لإدارتها وتأجيلها ودفنها؟

من الناحية النظرية، تشكل لجان تقصي الحقائق حول بعض القضايا والملفات التي تهم الرأي العام، أداة بيد البرلمان لمراقبة تدبير المال العام والوقوف على الاختلالات التي قد تشوب السياسات العمومية، فهي تملك صلاحيات واسعة للاستماع إلى المسؤولين والاطلاع على الوثائق والمعطيات، كما أن تقاريرها يفترض أن تشكل مدخلا لتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مع إمكانية إحالة تقاريرها على القضاء في حال وجود شبهات تكتسي صبغة جنائية، لكن الواقع أثبت في أكثر من مناسبة أن هذه الآلية أصبحت معطلة مع سبق الإصرار والترصد.

والدليل على ذلك، أن العديد من لجان تقصي الحقائق التي شكلت في السابق انتهت إلى تقارير لم تغير شيئا في الواقع، أو إلى خلاصات توافقية خففت من حدة المسؤوليات، أو إلى جدل سياسي حول التقرير نفسه بدل النقاش حول الوقائع التي أنشئت اللجنة من أجل التحقيق فيها. وفي أحيان كثيرة، يتحول النقاش من البحث عن الحقيقة إلى البحث عن صيغة ترضي الأغلبية والمعارضة في آن واحد، فتضيع الحقيقة بين الحسابات السياسية والتوازنات الحزبية.

وفي ملف ما أصبح يعرف إعلاميا بـ «الفراقشية»، لا يتعلق الأمر بمجرد أرقام أو اعتمادات مالية، بل بأسئلة جوهرية تهم نجاعة السياسات العمومية وطرق صرف المال العام ومدى تحقيق الأهداف المعلنة من الدعم، لأن الرأي العام لا يريد فقط معرفة حجم الأموال التي تم تخصيصها، بل يريد معرفة من استفاد منها، وكيف تم توزيعها، وما إذا كانت قد حققت أثرها المعلن على الأسعار.

غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن آلية تقصي الحقائق نفسها ظلت شبه معطلة، خلال هذه الولاية التشريعية، رغم تعدد الملفات التي أثارت نقاشا عموميا واسعا، فمنذ بداية الولاية الحالية لم ينجح البرلمان في تفعيل هذه الأداة الرقابية بالفعالية المطلوبة، وهو ما يطرح أسئلة حقيقية حول إرادة المؤسسة التشريعية في ممارسة أدوارها الرقابية كاملة.

إن تعطيل لجان تقصي الحقائق لا يمكن فصله عن واقع أوسع تعيشه الرقابة البرلمانية، حيث أصبحت العديد من الآليات الدستورية إما محدودة الأثر، أو رهينة للتجاذبات السياسية.

ومع اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية، ما زالت ملفات حارقة محتجزة داخل رفوف البرلمان، ومنها تقارير أنجزتها لجان موضوعاتية أو استطلاعية حول بعض القضايا التي أثارت ضجة في أوساط الرأي العام، لكن «لوبيات» نافذة داخل المؤسسة التشريعية مارست ضغوطات على «نواب الأمة» لإقبار هذه التقارير.

وتم إقبار التقرير الذي أعدته اللجنة البرلمانية الاستطلاعية حول مقالع الرمال والرخام، على غرار تقارير سابقة لم تخرج إلى الوجود، وذلك بضغط من «لوبيات» أرباب المقالع، وضمنهم برلمانيون يستفيدون من رخص «ريع» مقالع الرمال والرخام.

لذلك، فإن الرقابة البرلمانية تفقد مصداقيتها عندما تتحول إلى مجرد ممارسة شكلية، خاصة عندما يشعر المواطن أن الملفات الكبرى تثير ضجيجا سياسيا وإعلاميا، دون أن تنتهي إلى محاسبة واضحة، أو كشف كامل للحقيقة.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى