مطالب استرداد سبتة ومليلية عبر التاريخ
قرون من المؤامرات والمعارك الدامية والحصار

يونس جنوحي
بونابارت، وما أدراك ما بونابارت، اقترح على ملك المغرب سنة 1808، المولى سليمان، أن يُعيد إليه مدينتي سبتة ومليلية إن هو اعترف به ملكا على إسبانيا.
فطن المولى سليمان لطموح «نابليون»، وأدار له ظهره، واستمر في تبني طرح الاحتياط المفرط من الأوروبيين..
قبل ذلك، كانت سبتة ومليلية قد عرفتا حصارا شديدا في فترات متفرقة بهدف استعداتهما من الإسبان، لكن مشكل المغرب كان عدم وجود حليف قوي وراء البحر، لسد الإمداد الإسباني لسبتة ومليلية عبر البواخر. لكن ذلك كله لم يمنع المؤرخين الإسبان من الاعتراف بأن المغاربة دافعوا، لقرابة خمسة قرون، باستماتة عن استعادة مدينتين مغربيتين حازتهما إسبانيا في سياق متقلب.
سببها سقوط ملك البرتغال.. هكذا احتُلت الثغور المغربية
احتُلت سبتة رسميا سنة 1415 ميلادية من طرف البرتغاليين. لعنة شهر غشت لاحقت المدينة منذ ذلك التاريخ. وفي العام 1580، أصبحت سبتة رسميا خاضعة للسيطرة الإسبانية، بسبب التطورات التي وقعت في البرتغال وأدت إلى سقوط ملكها. بينما كانت مدينة مليلية قد أصبحت محتلة منذ العام 1497، على يد الإسبان. ثم ضم هؤلاء إليها سبتة بموجب اتفاق 1668، مع البرتغال وأصبحت المدينتان معا تحت الاحتلال الإسباني بشكل رسمي غير قابل للتفاوض مع أي قوة أوروبية أخرى.
لم يكن هذا يعني أن الإسبان ضموا المدينتين بأريحية، فقد عرفت عملية الاحتلال مواجهات شديدة مع الدول التي تعاقبت على حكم المغرب، فقد طالب بها السعديون، ثم العلويون.
مع مجيء مولاي علي الشريف العلوي، كانت المدينتان المحتلتان تحت نظري مؤسس الدولة العلوية، الذي دعا صراحة إلى استرجاع الثغور المحتلة. ومع مجيء المؤسس الفعلي للجيش المغربي أيام الدولة العلوية، المولى إسماعيل، ابتداء من سنة 1672، أصبح ملف تحرير سبتة ومليلية ضرورة ملحة، سيما بعد استعادة طنجة إلى الحاضرة المغربية.
وقد جاء في عدد من الدراسات أبرزها بعنوان: «سبتة في تاريخ المغرب القديم والحديث»، والتي تنفرد الخزانة الوطنية بنسخة منها، ما يلي:
«.. وقام المولى إسماعيل سنة 1693 بمحاصرة سبتة في ثلاثين ألفا من رجاله، فضيق عليها الخناق دون أن ينال منها شيئا. وعندما قامت حرب الاستخلاف بإسبانيا سنة 1701، عاد المولى إسماعيل إلى تجديد المحاولة، فلم يكتب لها النجاح أيضا، رغم استمرار الحصار سبعة وعشرين عاما. كما لم تنجح المحاولات التي قام بها السلطان مولاي عبد الله سنة 1732 والمولى يزيد سنة 1790.
وعقدت بمدينة مراكش يوم 28 ماي 1767 معاهدة الصلح والتجارة بين المغرب وإسبانيا. وإذا كان السلطان مولاي محمد بن عبد الله قد امتنع في هذه المعاهدة عن توسيع قطاعي سبتة ومليلية، فقد اعترف بمقتضى المادة التاسعة عشرة بوجودهما وضمان كيانهما.
وعلى إثر فشل المحاولة الأخيرة وقعت بمكناس معاهدة يوم فاتح مارس 1799، ثم أخرى بمدينة العرائش في اليوم السادس من الشهر نفسه لسنة خمس وأربعين وثمانمائة وألف. وقد أقر المغرب في هاتين المعاهدتين الحدود السابقة لسبتة، طبق المادة الخامسة عشرة من المعاهدة الأولى والمادة الأولى من المعاهدة الثانية.
وأخذت إسبانيا بعد أن نجحت في صد حملات الاسترجاع المتتالية وحمل المغرب على الاعتراف بوجود سبتة ومليلية في قبضتها والتزامه بضمان كيانهما، تحرص على توسيع القطاع التابع لهما بدعوى تيسير الدفاع عنهما. وقد اتجهت السياسة الإسبانية نحو تحقيق هذه الغاية، فأدت إلى الحرب التي قامت منذ مائة عام، والتي كان انهزام المغرب فيها سببا في قبوله لشروط مهينة، منها توسيع قطاع سبتة في معاهدة الصلح المبرمة بتطوان».
بين المولى سليمان ونابليون بونابارت.. حقيقة صفقة سبتة
«سبتة ومليلية متاع المغرب، لا بد من عودته إلى المغاربة».
هذا الرد كتبه السلطان المغربي المولى سليمان، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1792 و1822، عندما توصل برسالة من «بونابارت» يطلب فيها هذا الأخير مساعدة المغرب والاعتراف به حاكما لإسبانيا.
اضطر نابليون لأسباب معروفة تاريخيا، لكي ينسحب من مدريد وينسى مشروعه التوسعي في أوروبا. وكان مدركا أن السلطان المولى اليزيد قد حاصر سبتة، وكاد أن يستعيدها من إسبانيا، وفهم مكانة المدينة إلى جانب مليلية عند المغاربة، وبادر إلى عرض المساعدة على المولى سليمان، وهي مساعدة «ملغومة» لم يلتفت إليها المولى سليمان.
لم يكن رفض المولى سليمان يعني أنه لم يكن مهتما باستعادة سبتة ومليلية، فقد بادر بعد أشهر على رسالة «بونابارت»، إلى مراسلة بريطانيا وطلب من الحكومة البريطانية رسميا أن تحاصر سبتة بحرا، على أن يحاصرها الجيش المغربي برا، لاستعادتها من إسبانيا.
حدث هذا في شهر أبريل سنة 1808. كان البريطانيون يدركون أن رفضهم المقترح المغربي، يعني أن تُحرم منطقة جبل طارق من تموين السفن المغربية.
لكن قبل أن يفكر البريطانيون في حل للخروج من الضائقة الدبلوماسية، بادر الإسبان إلى اقتراح ماكر، مفاده أن تتقاسم إسبانيا وبريطانيا ميناء سبتة.
ورغم أن المغرب اقترح على البريطانيين مضاعفة الإمدادات الخاصة بجبل طارق وبأسعار تفضيلية، إلا أن المقترح الإسباني كان مغريا للإسبان.
المولى سليمان الذي عرف عنه إيلاء أهمية قصوى للجهاد البحري وتبني فتاوى الجهاد ورفض التعاون مع القوى الأجنبية، كان عليه أن يمارس قليلا من السياسة، أثناء مواجهة الإسبان، خصوصا وأنه وصل إلى الحكم في أجواء الحصار المفروض على سبتة ومليلية، دون أن يحقق منه المغرب أي مكاسب جغرافية على الأرض.
اختار المولى سليمان أن يعود إلى الجهاد البحري مرة أخرى، لجعل الإنجليز يفهمون أنهم أخطؤوا الاختيار عندما تحالفوا مع الإسبان، مقابل حيز في مرفأ سبتة المحتلة.
أما مليلية، فقد كانت تعيش أزمة أشد وطأة، والسبب أن الإسبان احتلوها بقوة السلاح ولم تُسند إليهم بسبب سقوط ملك البرتغال، وكان استردادها من الإسبان أكثر تعقيدا.
كان على إسبانيا أن تتعامل لما يقارب 5 قرون كاملة مع حركات الجهاد في محيط سبتة ومليلية لاستعادتهما. لكن أقوى حملات الجهاد لاستعادة الثغور المحتلة كانت في القرون الثلاثة الأخيرة، أي خلال عهد السعديين والعلويين تحديدا.
كانت قبائل منطقة الناظور، امتدادا إلى بلاد جبالة ومحيط سبتة، كلها منخرطة في حملات الجهاد، حيث تدخل المخزن في مناسبات كثيرة عبر التاريخ لتعزيز هذه المقاومة. وظل موضوع تزويد سبتة ومليلية بالماء هاجسا يقض مضجع الإسبان، خصوصا وأن الدولة المغربية كانت تفاوض دائما في هذا الملف بصلابة حازمة منذ سنة 1668. ووصولا إلى سنة 1900، طالب الإسبان رسميا، عبر المفوض السامي الإسباني الذي التقى بنائب السلطان محمد الطريس، بمساعدة رسمية لدراسة مشروع نقل الماء عبر قنوات إلى حدود سبتة، غير أن تلك الدراسة أُقبرت في مهدها، وتبين للإسبان أن المغاربة لن يكونوا مستعدين أبدا للتنازل عن المدينتين وتسليمهما إلى إسبانيا بتلك السهولة، رغم أن احتلالهما ظل قائما لقرون.
المولى إسماعيل حاصر سبتة لثلاثين عاما وكاد أن يستعيدها
كان سياق تعامل المولى إسماعيل مع ملف سبتة ومليلية شائكا. كلمة واحدة تختصر «معاناة» هذا السلطان القوي، الذي حكم المغرب ما بين سنتي 1672 و1727، لـ«استعادة الثغور».
فعندما كان المولى إسماعيل أميرا، قبل خمس سنوات تقريبا على وصوله إلى الحكم، احتلت إسبانيا سبتة رسميا، وتعامل الإسبان مع الموضوع كما لو أنهم ورثوا المدينة عن البرتغاليين.
يوم 23 أكتوبر 1694، كان المولى إسماعيل قد أعطى آخر التعليمات لقادة الجيش المغربي لكي يشددوا الحصار على المدينة المحتلة. وحتى المولى إسماعيل نفسه لم يكن يتصور أن يستمر حصاره للمدينة قرابة ثلاثين عاما على مرحلتين.
كان الإسبان قد أحاطوا سبتة بخندق استعصى على المغاربة عبوره، لكن المولى إسماعيل فكر في ضرب حصار على سبتة من الجهة الأخرى، وراسل الملك ويليام الثالث، وطلب المساعدة على مواجهة إسبانيا، مقابل أن يساعد المولى إسماعيل بريطانيا في معركتها ضد إسبانيا ويطوقها جنوبا. لكن البريطانيين فضلوا أن يبقوا بعيدين قدر الإمكان عن ملف سبتة. والسبب أنهم كانوا يحتلون منطقة جبل طارق، ولم يكن لديهم إدراك تام بمدى طموح المولى إسماعيل الذي كان علماء المغرب يلقبونه بالسلطان المجاهد.
كان البريطانيون إذن يخافون أن يتنامى طموح المولى إسماعيل في استرداد الثغور، خصوصا وأنه فتح جبهة استعادة العرائش وسبتة ومليلية والجزر التي تحتلها إسبانيا، وقوى خطوط الدفاع في «مازاغان»، حتى لا يفكر الإسبان في احتلالها على غرار ما قام به البرتغاليون.
ولأن المولى إسماعيل كان ملما بالتاريخ، فقد كان يعرف جيدا ما مر به السلطان السعدي، المنصور الذهبي، عندما تحالف مع الملكة إليزابيث الأولى، سنة 1601، واتفق الملكان على التعاون، لكن عندما طلب السلطان المغربي مساعدة الإنجليز في استعادة سبتة من البرتغاليين، بدأت الملكة إليزابيث الأولى تماطل حليفها وتتذرع بدراسة الوضع والخيارات المتاحة.
وهكذا فضل المولى إسماعيل ألا يعتمد كثيرا على الإنجليز في تعامله مع موضوع استعادة مدينة سبتة، وقرر أن يحاصر المدينة ويمنع عنها المؤونة، إلى أن يجبر الإسبان على مغادرتها وتسليمها إلى المغاربة.
كان المولى إسماعيل متفائلا، خصوصا وأنه رأى كيف أن طنجة قد عادت إلى حوزة المغرب، ورتب أولوياته على أساس أن استعادة سبتة مسألة أشهر فقط، وطالت الأشهر لتصبح سنوات.. ولم يرفع الحصار عن سبتة، إلا في سياق تدهور حالة المولى إسماعيل الصحية، ووفاته، ليتأجل موضوع المطالبة بسبتة لفترة قصيرة، قبل أن يعود مع سلاطين آخرين مثل المولى محمد بن عبد الله والمولى الحسن الأول.
المعطيات التاريخية تقول إن المولى إسماعيل كاد فعلا أن يستعيد سبتة قبل سنة 1720، لولا أن الإسبان كانوا يفكون العزلة عن المدينة بحرا، في الوقت نفسه الذي أخل فيه الإنجليز باتفاقهم مع المولى إسماعيل.
مؤامرات عمرها ثلاثة قرون أبقت سبتة محتلة
المؤرخ والدبلوماسي عبد الهادي التازي، كان أبرز من اشتغل على وثائق تاريخ سبتة ومليلية..
تحولت المحاضرة التي ألقاها عبد الهادي التازي يوم 26 مارس 1989، على متن باخرة «مراكش» الشهيرة، خلال رحلة الوحدة المغاربية التي كانت برعاية جمعية فاس سايس، وإشراف الملك الراحل الحسن الثاني.
استغل د. عبد الهادي التازي وجود وفود من مختلف الدول المغاربية، وضيوف أجانب، لكي يتطرق إلى مسألة احتلال إسبانيا لسبتة ومليلية. ومن أقوى مضامين مداخلته التي شدت انتباه الحضور، ونقلهم إلى أجواء سنة 1694 المشتعلة:
«.. نحن نعيش أيام المفاوضات الجارية بين السلطان المولى إسماعيل وبين الملك لويس الرابع عشر، من أجل الوصول إلى اتفاق… لكن المغرب قبل أن يقبل السير قدما في التوقيع على المعاهدة المشار إليها، كان يريد أن يعرف عن فوائد الاتفاق وعوائده منه قبل كل شيء. إن مضايقة إسبانيا من أجل المضايقة فقط أمر لا يهم المغرب، سيما وقضية وراثة العرش لا تتصل به ولا بتقاليده، ولكنه مع ذلك يقبل أن يجلس للمناقشة على أساس… وقد كان السؤال الذي وضعه المغرب على مفاوضيه الفرنسيين: هل ما إذا كانت فرنسا جاهزة لمساعدة المغرب على استرجاع مدينة سبتة؟ لقد كان السلطان المولى إسماعيل قد حرر المعمورة وطنجة والعرائش وأصيلة… ولكنه أمام سبتة يحتاج فيها إلى عون وأي عون!
إن سبتة تشكل كما هو معلوم شبه جزيرة… ولذلك فإن السيطرة عليها إنما تتم لمن يتوفر على أسطول قوي، ومن ثمة كان القائد داود بن عائشة، قائد الجيش المرابطي، قد اشترط على الذين استنجدوا بالمغرب من الأندلس أن يوافوه بأساطيل ابن عباد لتحيط بسبتة، قبل أن ينزلها هو من البر!
ومن ثمة أيضا وجدنا السلطان المولى إسماعيل يستخدم في فترة من الزمن ورقته الدبلوماسية مع إنجلترا عندما احتلت جبل طارق، على نحو ما سيفعله السلطان المولى سليمان بمناسبة ظهور نابليون على الساحة الدولية…
لقد ظهر أن الملك لويس الرابع عشر كان يريد الحصول على توقيع اتفاقية بدون مقابل».
انتقل د. عبد الهادي التازي إلى سياق آخر.. وذكر الحاضرين بمرحلة حكم المولى محمد بن عبد الله، محمد الثالث، سلطان المغرب ما بين سنتي 1757 و1790، والذي ركز بدوره على مسألة احتلال سبتة ومليلية. يقول:
«.. وكانت فرصة اغتنمها السلطان سيدي محمد بن عبد الله بعقد اتفاق سري يهدف إلى العمل يدا واحدة لتطهير السواحل المغربية من الاحتلال الإسباني، من وهران إلى سبتة، وهو ما تترجمه الرواية الأوروبية نقلا عن الرسالة التي كتبها الملك محمد الثالث بخطه…
وهنا نفتح ملفا من الملفات الحزينة التي تكشف عن جوانب أخرى من المعوقات الخارجية التي كانت تقف دون الخطوات نحو الوحدة، بعد أن سمعنا عن المعلومات السابقة…
ويتعلق الأمر بالتناور الذي كانت تقوم به إسبانيا أيضا لكسر كل شكل من أشكال الوحدة! إن إسبانيا – كما قلنا – كانت تبسط نفوذها على بعض الثغور الجزائرية على نحو ما كان عليه الأمر بالنسبة إلى المغرب، وفي كل مرة كانت إسبانيا تشعر بعزم صادق من إحدى الجهتين لتمديده في يد الجهة الأخرى، تعمد إلى هذه الجهة وتلك لتمنى وتغري، وهنا كنا نشهد الكوارث… ولا بد من العودة إلى الوثائق الإسبانية لنقرأ مئات الدلائل على ضروب المواربات والمناورات التي كانت توجه في الخفاء ضد التقارب بين أقطار المغرب العربي، لضرب كل تضامن يهدف إلى تصفية الاحتلال الإسباني على سواحل بلاد المغرب..».
توفي المولى محمد الثالث سنة 1790، وهي نفسها السنة التي تولى فيها المولى اليزيد الحكم. وهذا السلطان العلوي الذي لم ينل شهرة كافية، حاصر سبتة عاما كاملا في سياق حرج للغاية.
المولى اليزيد.. سلطان منسي وضع سبتة ومليلية نصب عينيه
عندما توفي المولى محمد الثالث في أبريل 1790، خلفه ابنه المولى اليزيد.
هذا الأمير العلوي، تمرس سياسيا قبل أن يصير سلطانا للمغرب، وقاد معارك باسم والده لتوحيد صفوف المغرب. وكان معروفا عنه – حسب وثائق الأرشيف الفرنسي والإسباني والبريطاني- أنه أحد أكثر العلويين كرها للأجانب، حتى أنه كان قد رفض مصافحة وفود أجنبية حلت في المغرب لإبرام اتفاقيات، عندما وصلوا إلى قصر مراكش.
لكن المولى اليزيد لم يكن أبدا ليبادر إلى مهاجمة الإسبان، فقد كان يعلم جيدا أن والده قدّر مدى قوة الإسبان واستحالة اقتحام سبتة، بسبب الخندق المائي الذي ضربه الإسبان حولها منذ أيام المولى إسماعيل.
أقدم الإسبان على خطوة استفزازية، عندما هاجمت باخرتان حربيتان إسبانيتان سفينتين مغربيتين، واستولى عليهما الإسبان، في استفزاز واضح للمولى اليزيد الذي لم يكن قد مضى على جلوسه على العرش، سوى أسابيع قليلة.
قرر المولى اليزيد أن يرد على الإسبان، فأقدم على حصار مدينة سبتة، في واحدة من أعنف موجات الحصار التي ضربها المغرب على المدينة المحتلة. ورغم أن الحصار لم يستمر سوى سنة واحدة، إلا أن الإسبان كانوا في موقف محرج، ووجدوا أنفسهم في عنق الزجاجة تماما.
جمع المولى اليزيد الجيش المغربي، وطوق أزيد من 20 ألف جندي محيط سبتة الجنوبي الغربي برا.
سلم المولى اليزيد رئاسة الجيش المغربي إلى أخيه مولاي علي. وهذا الأخير اقترح على أخيه السلطان ألا يكتفي الجيش المغربي بتطويق المدينة بسور بشري من الجنود، وشجع السلطان على قصف المدينة بالمدفعية.
وهكذا عرفت سبتة قصفا مدويا يوم 25 شتنبر 1790. وكانت الضربات لا ترمي إلى إحداث خسائر في قلب المدينة، بقدر ما ركزت على تدمير جزء من سور المدينة، لتسهيل دخول الجنود المغاربة.
خلف السور، كان 6000 جندي إسباني يحاولون صد الهجوم المغربي. ورغم ضعف إمكانيات المغرب البحرية، إلا أن السفن المغربية أبحرت في اتجاه سبتة لتطوقها من الأعلى وتمنع وصول المؤن إليها. وهو ما جعل الإسبان يطلبون مباشرة التفاوض مع المولى اليزيد.
استمر الحصار المغربي للمدينة عاما كاملا، ورغم استمرار الهجوم المغربي، إلا أن الإسبان استنجدوا بالبحرية الإسبانية التي هبت لتوفير خط من الدعم، أبقى المدينة حصينة ضد الجيش المغربي، إلى أن قرر المولى اليزيد أن ينخرط في المفاوضات بطلب إسباني، دارت جلساتها خلال شهر غشت 1791، بعد الاتفاق الأولي على وقف إطلاق النار.
استغل الإسبان اتفاق وقف إطلاق النار، وعملوا على تقوية الخط الدفاعي في سبتة، وهرّبوا إليها الذخيرة وإلى مليلية وجزر واقعة قرب شاطئ الحسيمة.
رفض المولى اليزيد سحب قواته من محيط سبتة، ردا على رفض ملك إسبانيا إعادة سبتة ومليلية إلى السيادة المغربية، وهو ما أدى إلى فشل المفاوضات في الأخير.. ولم تعد هناك جدوى من مواصلة المغرب حصار سبتة، خصوصا وأن الإسبان استغلوا فعليا اتفاق وقف إطلاق النار والتقطوا أنفاسهم واستعدوا لـ«الأسوأ».
لكن الانسحاب لم يتم بهذه البساطة. ففي منتصف شتنبر 1971، أي بعد عام كامل على الحصار، بدأ الجيش المغربي يقلل من الضربات ويُبطئ الهجومات المتواصلة، واقترحوا في الأخير هدنة على الإسبان، بعد أن تبين للمولى اليزيد أن الانشقاق الداخلي الذي يهدد عرشه، قد يتسبب في نكسة للجيش المغربي، في حال وصول أخبار انشقاق أخويه إلى مسامع قادة الجيش الذي يطوق سور سبتة.. وهكذا اقترح المولى اليزيد على ملك إسبانيا أن يسحب المغرب مدفعيته إلى الخلف، شريطة أن تُعقد الهدنة.
ولولا الحرب الداخلية التي نشبت في المغرب، بسبب أزمة العرش بين أبناء المولى محمد الثالث، لما توقف الحصار الذي ضربه المولى اليزيد على سبتة.
تنفس الإسبان الصعداء بسبب انشغال المولى اليزيد بمواجهة أطماع الإطاحة به والانشقاق الداخلي الذي سببه إخوته، فقد كان موشكا على الظفر بسبتة.
عندما دعا المؤتمر الإسلامي المغرب إلى استعادة سبتة ومليلية
في سياق منتصف السبعينيات من القرن الماضي، كان ملف «سبتة ومليلية» لا يزال حارقا.
يوم 12 يوليوز 1975، انعقد مؤتمر وزراء خارجية العالم الإسلامي في مدينة جدة السعودية، وكان من بين النقاط المدرجة التي تداول فيها وزراء الخارجية، مسألة استعادة المغرب لسبتة ومليلية المحتلتين.
هنا، نورد التوصية الخاصة التي صدرت عن وزراء الخارجية، والتي تهم سبتة ومليلية والجزر المغربية الساحلية الواقعة تحت الاحتلال الإسباني:
«تأكيدا للإرادة التي أعلنت في نطاق المؤتمر الإسلامي من أجل تعزيز التضامن الإسلامي بين الدول والقضاء على الاستعمار في جميع أشكاله.. ونظرا لما تقوم به السلطات الإسبانية من عمل التعسف والطرد الجماعي والتحركات العسكرية كرد فعل ضد مطالب المملكة المغربية باسترجاع مدينتي سبتة ومليلية، والجزر المغربية الساحلية الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية الإسبانية.
أولا، يعرب عن مساندته الكاملة للمملكة المغربية في مطالبتها باسترجاع سيادتها على مدينتي سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما.
ثانيا، يطلب من لجنة تصفية الاستعمار النظر في هذه القضية وإصدار توصية تطالب الحكومة الإسبانية بالدخول في مفاوضات مع المملكة المغربية، من أجل تصفية بقايا وجودها الاستعماري في المنطقة الشمالية من المملكة المغربية.
ثالثا، يعلن المؤتمر عن قلقه واستيائه من التحركات التي يقوم بها الجيش الإسباني في هذين المدينتين والجزر التابعة لهما، كما يعبر عن استنكاره لأعمال القمع والاعتقال والطرد الجماعي للسكان المغاربة من المدينتين.
رابعا، يدعو المؤتمر الحكومة الإسبانية لتعمل حفاظا على علاقتها مع العالم الإسلامي وتماشيا مع روح العصر على إنهاء احتلالها لهذه المنطقة المغربية.
خامسا، يطلب من السيد الأمين العام للمؤتمر الإسلامي أن يقوم بالإجراءات الضرورية لتبليغ هذا القرار إلى الحكومة الإسبانية والأمم المتحدة».
كان المؤتمر الإسلامي قد أصدر، بعد ختام اجتماعات مكثفة تمت ما بين 12 و15 يوليوز 1975، قرارين يهمان المغرب. الأول يتعلق بالصحراء المغربية، حيث دعا وزراء الخارجية صراحة إلى ضرورة استقلال الصحراء عن إسبانيا واستعادة المغرب لها، بينما القرار الثاني كان يهم مدينتي سبتة ومليلية والجزر الساحلية المغربية، ودعا البلاغ الختامي إلى استعادة المغرب لها من قبضة الإسبان.
من بين أهم القرارات التي خرج بها المؤتمر، تسجيل ارتياح وزراء الخارجية بشأن التفاهم الحاصل بين المغرب وموريتانيا بخصوص منطقة الصحراء الغربية، والذي يهدف إلى تحريرها من الاستعمار الإسباني. واستنكار العمليات العسكرية التي كانت تجريها إسبانيا، في إطار المناورات والتداريب، وهو ما تسبب في احتقان في العلاقات مع المغرب.
قضية سبتة ومليلية كانت إذن في قلب أولويات الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وهي للإشارة ثان أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة، قبل أن تباشر بعض الدول العربية، خصوصا الجزائر وسوريا، المنتمية لدول المؤتمر نوعا من التشويش ضد القضية المغربية في ذلك الوقت.





