حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

وهبي والمحامون.. أزمة صنعها العناد

نعيمة لحروري

وأنا أتابع العلاقة المتوترة بين وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، والمحامين. وبعيدا عن تفاصيل مشروع قانون المحاماة، التي يختلف حولها أهل الاختصاص، أشعر أن المشكلة الحقيقية لم تعد في النص، وإنما في الطريقة التي يدير بها الوزير هذا الخلاف.

لا أحد يعترض على حق الحكومة في إصلاح منظومة العدالة، ولا أحد يدعي أن مهنة المحاماة لا تحتاج إلى تطوير أو مراجعة بعض مقتضياتها. لكن الإصلاح، حتى عندما تكون أهدافه نبيلة، يفقد مشروعيته السياسية والأخلاقية عندما يتحول إلى مواجهة مع أصحاب المهنة، وإلى صراع إرادات بين الوزير والمحامين.

كان بإمكان عبد اللطيف وهبي أن يختلف مع المحامين، وأن يرفض بعض مطالبهم، وأن يدافع عن مشروعه أمام البرلمان والرأي العام. كل ذلك يدخل في صميم العمل السياسي. لكنه اختار، منذ البداية، لغة التصعيد بدل لغة الاحتواء، ولغة التحدي بدل لغة الحوار، حتى أصبح المتتبع يشعر بأن القضية بالنسبة إليه لم تعد إصلاحا لمنظومة العدالة، بل معركة شخصية ينبغي أن يخرج منها منتصرا.

ولهذا السبب، لم تعد تصريحات الوزير تقرأ باعتبارها مواقف حكومية، بل باعتبارها حلقات جديدة في مسلسل شد الحبل مع المحامين. وكلما اعتقد الناس أن الأزمة تقترب من الانفراج، خرج تصريح جديد يعيدها إلى نقطة الصفر، وكأن المطلوب هو الانتصار على المحامين، لا التوافق معهم.

لقد تعلمنا جميعا أن الدولة لا تدار بمنطق الغلبة. فالوزير ليس قائدا لمعركة، وإنما مسؤول عن قطاع يضم شركاء أساسيين، والمحامون ليسوا موظفين تابعين لوزارة العدل حتى يطلب منهم تنفيذ التعليمات، بل هم أحد أعمدة العدالة، واستقلالهم ليس امتيازا مهنيا، وإنما ضمانة دستورية لحق المواطن في الدفاع.

ولذلك، عندما يصل الاحتقان إلى هذا المستوى، ويستمر الإضراب أسابيع، وتتوقف الجلسات، وتتضرر مصالح المتقاضين، فإن أول سؤال يجب أن يطرح ليس: لماذا يحتج المحامون؟ بل: لماذا عجز وزير العدل عن احتواء الأزمة؟

فالسياسي الناجح ليس من يربح كل المعارك، وإنما من يمنع وقوعها أصلا. وليس من العيب أن يجلس الوزير مع المحامين مرة ومرتين وعشرا، وأن يقدم تنازلات متبادلة، لأن التوافق في القضايا الكبرى ليس ضعفا، بل هو جوهر العمل السياسي.

أما الإصرار على تمرير مشروع القانون وسط هذا الاحتقان، وكأن شيئا لم يكن، فإنه لا يبعث برسالة قوة، بل برسالة تعنت. والتعنت، في تدبير الشأن العام، نادرا ما ينتج حلولا، بل ينتج أزمات أكبر.

قد يربح وزير العدل التصويت على مشروع قانون داخل البرلمان، لكن هل يكون قد ربح معركة العدالة إذا خسر ثقة المحامين؟ وهل يمكن الحديث عن إصلاح ناجح، بينما أحد أهم مكونات منظومة العدالة يشعر بأنه مستهدف وغير مسموع؟

إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها تكشف فهما مقلقا للإصلاح. فالإصلاح ليس أن تمتلك الأغلبية البرلمانية، ولا أن تفرض نصا قانونيا بقوة الأرقام. الإصلاح الحقيقي هو أن تقنع المختلف معك قبل أن تهزمه بالتصويت، وأن تجعل الشريك يشعر بأنه ساهم في البناء، لا أنه كان مجرد شاهد على فرض الأمر الواقع.

لا أعتقد أن المحامين يرفضون الإصلاح، كما لا أعتقد أن كل مطالبهم مقدسة. لكنني أعتقد، بكل وضوح، أن وزير العدل أخطأ حين اختار إدارة هذا الملف بمنطق التحدي. فكلما ارتفع منسوب العناد، ابتعدت فرص الحل، وكلما تحولت القضية إلى مسألة كرامة وهيبة، أصبح التراجع أصعب، ولو كان في مصلحة الجميع.

ووسط هذا الشد والجذب، ينسى الجميع أن وراء كل ملف معروض أمام القضاء إنسانا ينتظر. ينتظر حكما يعيد إليه حقا، أو قرارا ينهي نزاعا، أو إنصافا طال انتظاره. هؤلاء ليسوا طرفا في الخلاف بين وزير العدل والمحامين، لكنهم أصبحوا أول ضحاياه. ولذلك، فإن استمرار هذا التعنت لا يضر بالمحامين ولا بالوزير بقدر ما يضر بصورة العدالة نفسها، ويجعل المواطن يدفع ثمن أزمة لم يكن طرفا فيها.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى