
النعمان اليعلاوي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، اختار عزيز أخنوش، رئيس الحكومة وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، أن يجعل من تافراوت، مسقط رأسه، إحدى أبرز محطات حملته الانتخابية بجهة سوس ماسة. ولم تكن المحطة، وفق ما عكسته مضامين كلمته، مجرد لقاء للتعبئة الحزبية، بل مناسبة لاستحضار مسار سياسي بدأه من المنطقة سنة 2003، قبل أن ينتقل تدريجيا من المسؤوليات المحلية إلى رئاسة الجهة، ثم البرلمان ووزارة الفلاحة، وصولا إلى رئاسة الحكومة.
عمل ميداني وتدرج في المسؤوليات وتجديد النخب
في تافراوت، بدا أخنوش حريصا على ربط تجربته السياسية بالمجال الذي انطلق منه، في محاولة لتقديم مساره باعتباره نتاجا للعمل الميداني والتدرج في المسؤوليات، وليس مسارا منفصلا عن المنطقة وساكنتها. واستعاد في هذا السياق عددا من المحطات التي شكلت بدايات تجربته، مؤكدا أن العلاقة مع السكان ظلت حاضرة في مساره السياسي.
ولم يكتف رئيس الحكومة باستحضار تجربته الشخصية، بل أدخل إلى خطابه مسألة تجديد النخب داخل الحزب، مستشهدا بتجربة لحسن السعدي، الذي قدمه باعتباره نموذجا لشاب بدأ من العمل الحزبي والشبيبي، ووصل إلى المسؤولية الحكومية. كما توقف عند عدد من الأسماء المحلية، رابطا بين الحضور الميداني والقدرة على تحمل المسؤولية.
وفي محطة أولاد تايمة، استمر الخطاب نفسه، لكن بنبرة انتخابية أكثر مباشرة. فقد دعا أخنوش أنصار حزبه إلى عدم الانشغال بما وصفه بـ«التشويش»، ومواصلة العمل الميداني، مبرزا أن التجمع الوطني للأحرار يترأس حاليا عددا مهما من الجماعات الترابية بإقليم تارودانت.
وبذلك انتقل الخطاب من استحضار الذاكرة السياسية في تافراوت إلى محاولة تحويل تلك الذاكرة إلى رصيد انتخابي في تارودانت، حيث كان الرهان واضحا على تقديم الحزب باعتباره حاضرا في المنطقة خلال الولاية، وليس فقط في موسم الانتخابات.
الماء.. الملف الذي يربط السياسة بالمعيش اليومي
إذا كانت تافراوت قد منحت خطاب أخنوش بعده الرمزي، فإن أولاد تايمة وضعته أمام واحد من أكثر الملفات ارتباطا بالحياة اليومية في سوس: الماء. ففي تجمع انتخابي حضرته أعداد كبيرة من أنصار الحزب، جعل رئيس الحكومة من أزمة الموارد المائية محورا أساسيا في حديثه عن مستقبل الفلاحة بالمنطقة.
واستحضر أخنوش مشروع أولوز ومشروع نقل المياه لسقي منطقة الكردان، معتبرا أن هذه المشاريع ساهمت في إنعاش النشاط الفلاحي، ومذكرا بأنه كان مشرفا على جزء من هذه الأوراش، خلال تحمله مسؤولية وزارة الفلاحة. كما توقف عند محطة تحلية مياه البحر بشتوكة آيت باها، التي قدمها باعتبارها مشروعا أساسيا في تأمين حاجيات المنطقة من الماء، خلال السنوات الأخيرة.
لكن الرسالة الأبرز التي حملها اللقاء تمثلت في الإعلان عن مشروع جديد لتحلية مياه البحر بمنطقة ماسة. ووفق ما أورده أخنوش، فإن المشروع يوجد في مرحلة الدراسات، ويرتقب أن يوفر المياه لمدينة تيزنيت وإقليم تارودانت، فضلا عن دعم النشاط الفلاحي وسقي آلاف الهكتارات.
وتكتسب هذه الوعود أهمية خاصة في منطقة ترتبط فيها قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي بالفلاحة، فيما أصبح الجفاف وتراجع الموارد المائية من أكثر الملفات حضورا في النقاش المحلي. لذلك حاول أخنوش أن يقدم مشاريع الماء باعتبارها استثمارا في استمرار النشاط الفلاحي، وليس فقط تدبيرا ظرفيا لأزمة العطش.
ومن خلال هذا الخطاب، بدا أن الماء تحول إلى نقطة التقاء بين الحصيلة الحكومية والانتظارات المحلية. فبالنسبة إلى السكان، يتعلق الأمر بالماء الذي يصل إلى المنازل والضيعات، وبالنسبة إلى الفلاحين يتعلق الأمر باستمرارية الإنتاج، فيما قدمه أخنوش كجزء من رؤية أوسع تقوم على توسيع الاعتماد على التحلية ونقل المياه، لتقليص الارتهان للتساقطات المطرية.
من الجفاف والتضخم إلى الدعم الاجتماعي والأجور
في الجزء الثاني من خطابه، غادر أخنوش الملفات المحلية ليعود إلى الحصيلة الحكومية، واضعا إياها في سياق وصفه بالصعب والمتسم بتوالي الأزمات. واستحضر جائحة كورونا وما خلفته من تداعيات على الاقتصاد وسوق الشغل، ثم الحرب في أوكرانيا وما رافقها من موجة تضخم وارتفاع في الأسعار، قبل التوقف عند سنوات الجفاف وزلزال الأطلس الكبير.
وكان واضحا أن الغاية من استحضار هذه الظروف، هي تقديم الحصيلة الحكومية ضمن سياق يرى أخنوش أنه لا يمكن فصله عن القرارات التي اتخذتها الحكومة. وبحسب عرضه، فإن هذه الإكراهات لم تمنع الحكومة من مواصلة تنزيل عدد من الأوراش الاجتماعية، وفي مقدمتها الدعم الاجتماعي المباشر، وتوسيع التغطية الصحية.
وقال أخنوش إن حوالي أربعة ملايين أسرة تستفيد حاليا من التغطية الصحية التي تؤدي الدولة مساهماتها لفائدة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مستحضرا مثال مستفيد قال إنه خضع لعملية جراحية مكلفة دون أن يؤدي مقابلا، في إطار نظام «أمو تضامن». كما تحدث عن الزيادات في الأجور، مشيرا إلى رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص بنسبة 20 في المائة، وفي القطاع الفلاحي بنسبة 25 في المائة، إلى جانب الزيادة العامة في أجور موظفي الإدارات العمومية.
وقدم رئيس الحكومة هذه الإجراءات باعتبارها جزءا من حصيلة اجتماعية تحققت، بحسب عرضه، رغم ضغط الأزمات وتداعياتها الاقتصادية. كما شدد على أن الزيادات والإجراءات الاجتماعية تمت، وفق قوله، مع الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية.
وهكذا بدا خطاب أولاد تايمة وكأنه محاولة لجمع الملفات الكبرى التي تشغل المواطنين داخل رواية سياسية واحدة: الماء بالنسبة إلى الفلاح، التغطية الصحية بالنسبة إلى الأسر، والأجور بالنسبة إلى العمال والموظفين. وهي ملفات أراد أخنوش من خلالها الانتقال من الحديث عن البرامج والوعود إلى استحضار ما يعتبرها إجراءات دخلت حيز التنفيذ خلال الولاية الحكومية.
من الحصيلة إلى صناديق الاقتراع.. معركة الرسائل
لم يكن لقاء أولاد تايمة منفصلا عن الحسابات الانتخابية، التي تفرض نفسها، قبل أيام قليلة من الاقتراع. فإلى جانب الحديث عن الماء والحصيلة الحكومية، حملت كلمة أخنوش رسائل مباشرة إلى قواعد حزبه، دعا فيها إلى مواصلة العمل وعدم الالتفات إلى ما وصفهم
بـ«المشوّشين».
وتقاطعت هذه الرسالة مع الخطاب الذي رافق جولات الحزب خلال الأيام الأخيرة، والقائم على تقديم التجمع الوطني للأحرار باعتباره حزبا حاضرا ميدانيا، مع التركيز على ما يعتبره قادته حصيلة وطنية ومحلية. وفي تارودانت، تحدث قياديون في حزب الأحرار عن المشاريع التنموية التي شهدها الإقليم، وعن حضور الشباب والنساء والكفاءات ضمن لوائح الحزب.
وفي هذا السياق، استحضر أخنوش أيضا أسماء المرشحين وطبيعة اللوائح، متوقفا عند اختيار نادية بودلال خوض الانتخابات ضمن اللائحة المحلية، بعدما اقترح عليها الحزب، حسب روايته، الترشح ضمن اللائحة الجهوية للنساء. كما استعاد علاقته بوالدها الحاج بودلال، الذي قال إنه كان نائبا له خلال فترة ترؤسه جهة سوس ماسة درعة سنة 2003.
ومن تافراوت إلى أولاد تايمة، تبدو الخيوط التي نسج بها أخنوش خطابه الانتخابي متقاربة: استحضار المسار الشخصي، تقديم الحصيلة الحكومية، إبراز مشاريع الماء والفلاحة، ثم مخاطبة قواعد الحزب بلغة التعبئة. وفي خلفية كل ذلك يوجد سؤال واحد فرض نفسه مع اقتراب يوم الاقتراع: هل يكفي استحضار المشاريع والحصيلة لإقناع الناخبين؟
لم يقدم أخنوش جوابا نظريا عن هذا السؤال، بل اختار العودة إلى لغة العمل والإنجاز، داعيا أنصاره إلى الاستمرار في الميدان. وفي المقابل، تبقى الكلمة الأخيرة للناخبين يوم 23 شتنبر الجاري، في انتخابات تتنافس فيها الأحزاب والمرشحون على تحويل خطابات الحملة إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.





