
ترأس الملك محمد السادس، أمس الجمعة، الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الثانية عشرة، في محطة تؤسس لمرحلة جديدة من العمل البرلماني، بما تحمله من رهانات سياسية واقتصادية واجتماعية، وما تفرضه من مسؤوليات على ممثلي الأمة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. وهي مسؤوليات لا يمكن اختزالها في الحضور إلى الجلسات، أو تسجيل المواقف أو تحويل المؤسسة التشريعية إلى منصة لتبادل الاتهامات والمزايدات الحزبية.
حدث افتتاح البرلمان، بما يحمله من توجيهات ملكية، ليس مجرد موعد دستوري يتجدد مع بداية كل ولاية تشريعية، ولا مناسبة بروتوكولية، بل هو لحظة سياسية مفصلية يفترض أن تعيد طرح السؤال الجوهري حول جدوى العمل البرلماني، وحدود مسؤولية ممثلي الأمة ومدى قدرتهم على تحويل انتظارات المغاربة إلى سياسات عمومية ملموسة، بعيدا عن لغة الوعود التي طالما استهلكت رصيد الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
ولا ينتظر المغاربة من البرلمان الجديد أن يكون مجرد فضاء لإعادة إنتاج الخطابات نفسها، ولا أن تتحول ولايته إلى سباق محموم نحو المواقع والامتيازات، بقدر ما ينتظرون مؤسسة قادرة على الإنصات إلى نبض الشارع، واستيعاب حجم التحولات التي يعرفها المجتمع والتفاعل الجدي مع الملفات التي تؤرق الأسر المغربية، وفي مقدمتها غلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، والبطالة، وأزمة التشغيل، واختلالات المنظومة الصحية، ومشكلات التعليم واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ولعل أول اختبار حقيقي لهذه الولاية هو قدرة الأحزاب السياسية، سواء التي ستشارك في تدبير الشأن الحكومي أو التي سيكون موقعها في المعارضة، على تجاوز الحسابات السياسية الضيقة، والانتقال إلى ممارسة سياسية تجعل المصلحة العامة فوق الاعتبارات الحزبية، كما سبق أن دعا إلى ذلك الملك في خطابات سابقة.
وإذا كانت الانتخابات التشريعية أفرزت خريطة برلمانية جديدة، فإن النواب البرلمانيين يواجهون امتحان الوفاء بالالتزامات والوعود التي قدموها للناخبين، وذلك للحفاظ على ما تبقى من الثقة في المؤسسات، وهي ثقة لا تستمد قوتها من البرامج الانتخابية المكتوبة، ولا من الشعارات التي ترفع خلال الحملات، وإنما من النتائج التي يلمسونها في حياتهم اليومية، ومن قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالبهم وتحمل مسؤوليتها في تدبير الاختلالات.
لذلك، فإن الرهان لا يتعلق، فقط، بتشكيل الأغلبية الحكومية وتوزيع الحقائب الوزارية أو بالتوافق حول المناصب داخل المؤسسات، وإنما، أيضا، بمدى وضوح البرنامج الذي ستشتغل عليه الحكومة، وبقدرة البرلمان على إخضاع هذا البرنامج للنقاش الجدي ومراقبة العمل الحكومي ومساءلة الوزراء في اجتماعات اللجان البرلمانية الدائمة وفي الجلسات العامة.
ولا يمكن للبرلمان الجديد أن يثبت جديته من دون أن يجعل مراقبة المال العام، وتتبع تنفيذ السياسات العمومية، ومحاربة تضارب المصالح وتعزيز الشفافية، في صلب انشغالاته، لأن التشريع ليس غاية في حد ذاته، كما أن كثرة الأسئلة البرلمانية لا تعني بالضرورة نجاعة الرقابة، بل المعيار الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الأدوات قادرة على كشف الاختلالات، وتصحيح المسارات، وترتيب المسؤوليات وضمان عدم الإفلات من المساءلة.
المرحلة المقبلة، بما تحمله من رهانات، تتطلب، كذلك، رد الاعتبار للنقاش البرلماني الرصين والهادف، والقدرة على إنتاج المبادرات التشريعية التي تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية، بدل الارتهان لمنطق المزايدات الكلامية الفارغة. لقد أبانت التجارب أن المؤسسة التشريعية القوية ليست تلك التي ترتفع فيها الأصوات أكثر، وإنما تلك التي تنتج قوانين جيدة، وتراقب الحكومة بفعالية وتوفر للمواطنين أسبابا ملموسة للاطمئنان إلى أن أصواتهم لم تذهب سدى.





