
النعمان اليعلاوي
لم تكن ليلة 23 شتنبر الجاري عادية في الرباط، فمع إغلاق مكاتب التصويت وانطلاق عمليات الفرز، تحولت الدائرتان الانتخابيتان «الرباط المحيط» و«الرباط شالة» إلى واحدة من أكثر واجهات الانتخابات التشريعية إثارة للاهتمام، بالنظر إلى ثقل الأسماء التي دخلت السباق، والحساسية السياسية للعاصمة، وتعدد القوى الحزبية التي تنافست على المقاعد السبعة المخصصة للرباط.
وبحسب المعطيات التي ظهرت تباعا خلال عمليات الفرز، فقد تمكن حزب الأصالة والمعاصرة من فرض حضوره في الدائرتين، متقدما في عدد الأصوات، قبل أن تكشف النتائج الأولية عن توزيع للمقاعد يعكس عودة أسماء سياسية معروفة إلى البرلمان، مقابل خروج أخرى كانت حاضرة بقوة في الاستحقاقات السابقة.
«البام» يتصدر المحيط وشالة
في دائرة الرباط المحيط، التي تتنافس على أربعة مقاعد، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج منذ الساعات الأولى للفرز. فبعد فرز 68 في المائة من الأصوات، حصل الحزب على 7386 صوتا، متبوعا بحزب العدالة والتنمية بـ5868 صوتا، ثم تحالف اليسار بـ3487 صوتا، وحزب الاستقلال بـ2184 صوتا. وجاء التجمع الوطني للأحرار بـ2074 صوتا، والحركة الشعبية بـ2029 صوتا، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ1373 صوتا.
ولم يكن الرقم وحده هو اللافت في هذه الدائرة، بل أيضا أسماء المتقدمين. فقد أظهرت معطيات الفرز تقدم مهدي بنسعيد، مرشح الأصالة والمعاصرة، يليه مصطفى الخلفي عن العدالة والتنمية، ثم عمر محمود بنجلون عن تحالف اليسار، وعبد الإله البوزيدي عن حزب الاستقلال، وهي الأسماء التي ارتبطت بالمقاعد الأربعة التي أفرزتها النتائج الأولية للدائرة.
وتكتسي نتيجة «المحيط» أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة هذه الدائرة، التي اعتادت أن تكون مسرحا لتنافس سياسي قوي. فقبل الاقتراع، كان الصراع فيها يجمع أسماء وازنة من أحزاب مختلفة، بينما كانت نتائج السنوات الماضية قد أظهرت انتقال المقاعد من حزب إلى آخر.
كما أن حجم المنافسة كان كبيرا؛ إذ تنافست 18 لائحة على المقاعد الأربعة، فيما بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدائرة الرباط المحيط 147354 ناخبا، وفق المعطيات التي ظهرت خلال عملية الفرز.
أما دائرة الرباط شالة، ذات المقاعد الثلاثة، فقد حملت بدورها مفاجآت مهمة. فبعد فرز 75 في المائة من الأصوات، ظل الأصالة والمعاصرة في الصدارة بـ7298 صوتا، يليه العدالة والتنمية بـ4524 صوتا، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بحوالي 2800 صوت، والحركة الشعبية بـ2605 أصوات. وحل حزب الاستقلال خامسا بـ2517 صوتا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ1692 صوتا وتحالف اليسار بحوالي 1658 صوتا.
وعلى مستوى الأسماء، أظهرت النتائج المعلنة فوز أديب بن إبراهيم عن الأصالة والمعاصرة، ومحمد الطاهري عن العدالة والتنمية، والحسن لشكر عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وبذلك حملت شالة تركيبة ثلاثية مختلفة عن تلك التي أفرزتها دائرة «المحيط»، مع حضور «البام» و«البيجيدي» والاتحاد الاشتراكي في المقاعد الثلاثة.
وتكشف خريطة النتائج في الدائرتين عن حضور قوي للأصالة والمعاصرة، الذي تصدر من حيث الأصوات في كلتيهما، في مقابل عودة واضحة للعدالة والتنمية إلى واجهة المنافسة بالعاصمة، بعد أن تمكن من احتلال المرتبة الثانية في الدائرتين، وحصوله على مقعدين عبر مصطفى الخلفي في «المحيط» ومحمد الطاهري في «شالة»، وفق المعطيات الأولية المعلنة.
اليسار يعود إلى الواجهة..
في المقابل، تحمل نتائج الرباط المحيط دلالة خاصة بالنسبة إلى اليسار، بعدما تمكن عمر محمود بنجلون من احتلال المرتبة الثالثة في دائرة تضم عددا كبيرا من الأسماء الحزبية المعروفة. أما في «شالة»، فقد انتقل المقعد الثالث إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عبر الحسن لشكر، وفق النتائج التي أُعلن عنها بعد عمليات الفرز.
ويأتي ذلك كله في سياق وطني اتسم بمنافسة قوية بين الأحزاب، حيث أعلنت وزارة الداخلية، صباح أمس الخميس، النتائج المؤقتة على المستوى الوطني، متقدما الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ 65، فالعدالة والتنمية بـ 54 مقعدا. وبلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، وفق المعطيات الرسمية.
لكن العاصمة قدمت صورة خاصة بها. فالرباط، التي ارتبط اسمها تاريخيا بالمؤسسات والقرار السياسي والإدارة المركزية، لم تكرر بالضرورة الخريطة الوطنية نفسها، بل أفرزت تنافسا محليا له حساباته وأسماؤه ورمزيته. وكانت نسبة المشاركة على مستوى عمالة الرباط قد بلغت، وفق المعطيات المؤقتة المنشورة ليلة الاقتراع، حوالي 36.59 في المائة.
وبينما انتهت ليلة طويلة من الانتظار أمام مكاتب الفرز، بدأت منذ الساعات الأولى لصباح أمس الخميس قراءة جديدة لخريطة الرباط السياسية. فالمقاعد السبعة لم تعد مجرد أرقام في جداول النتائج، بل أصبحت تمثيلية سياسية جديدة للعاصمة داخل مجلس النواب.
واللافت في هذه النتائج أن الرباط حافظت على طابعها التنافسي، فلم تذهب المقاعد السبعة إلى حزب واحد، بل توزعت بين الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية وتحالف اليسار والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، وفق المعطيات الأولية المعلنة. وفي الوقت نفسه، سجلت أسماء سياسية عرفت حضورا وطنيا وبرلمانيا عودتها إلى الواجهة، بينما غابت أسماء أخرى عن التركيبة الجديدة.





