شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

القرار العـسكري الأوروبي المرتهن

عبد الإله بلقزيز

 

استقلالية القرار العسكري شرط لاستقلالية القرار السياسي. هذه قاعدة في السياسة باتت من بداهاتها، ومن أبجديات الدول والسيادات. مَن ليس يملك أن يحمي أمنه بنظامه الخاص وموارده الذاتية وقراره المستقل، لا يمكنه أن يكون سيدا على نفسه. ومن يحتاج إلى غيره لكي يضمن أمنه ويكف عنه أخطار التهديد الخارجي، هو تَبَعٌ لمن يلجأ إليه مستوردا منه أمنه. أما من يمارس وصاية أمنية على آخر ويوفر له أمنه، فهو يمارس عليه – بالتلقاء – وصاية سياسية وينتقص، بالتالي، من سيادته. وليس شرطا أن يكون المحجور عليه أمنيا متمثلا في دولة صغيرة ضعيفة الإمكانيات.

تلك، بالذات، هي حال دول «الاتحاد الأوروبي»، اليوم، تجاه أمنها. بل هي حالها منذ قرابة الثمانين عاما: منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حين بات أمنها موزعا بين وصايتين عسكريتين كبيرتين: أمريكية وسوفياتية. وهذه الحال من فقدان دول أوروبا استقلال قرارها العسكري لم تشهد على تغيير يذكر، حتى حينما انتهت الحرب الباردة، وانتهى معها الاستقطاب الدولي بين المعسكرين وخطر المواجهة النووية بينهما على المسرح الأوروبي، أي انتهت الأسباب التي كانت في أساس حمل أوروبا على الدخول في حلف عسكري غربي كبير، تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، لمواجهة «خطر الزحف الشيوعي» عليها. ما تغير شيء من ذلك الذي نشأ بعد الحرب الثانية؛ لأن مهندس النظام الأمني لغرب أوروبا (الولايات المتحدة) لم يجد مصلحة في تغيير شيء من تلك الترتيبات، التي فرضها على حلفائه الأوروبيين، حتى مع زوال حقبة الحرب الباردة.

هل يُعْزَى ذلك إلى خشية سياسية أمريكية من مفاجآت أمنية روسية ما، مثلا، حتى مع انهيار الاتحاد السوفياتي استتبعت (أي الخشية) الحفاظ على منظومة الأطلسي العسكرية للرد على أي خطر داهم؟

هذه فرضية مستبعدة لعدة أسباب؛ لأن روسيا ما بعد السوفياتية كانت في أسوأ أحوالها في سنوات التسعينيات من القرن العشرين، بل كانت على أعتاب الإفلاس الكامل، وقدراتها العسكرية الاستراتيجية في تضاؤل؛ ولأن المنظومة العسكرية المقابلة لـ«الأطلسي» («حلف وارسو») حُلت رسميا من الاتحاد السوفياتي وحلفائه في أوروبا الشرقية، فما عاد هناك من مصدر تهديد لأمن بلدان الغرب؛ ثم لأن دول شرق أوروبا لم تفك الارتباط بروسيا فقط، بل انضمت إلى معسكر الغرب وصارت جزءا من اتحاداته ومؤسساته – بما فيها «منظمة حلف شمال الأطلسي»- وأخيرا، لأن المنظومة الأطلسية لم تبتلع بلدان شرق أوروبا فحسب، بل زحفت إلى المجال السوفياتي السابق وإلى الحدود القومية الروسية أيضا. وهذه جميعها معطيات تقطع بأنه ما من هواجس أمنية دفاعية حركت سياسات واشنطن في هذه المسألة، وحملتها على الحفاظ على المنظومة الأطلسية في أوروبا.

لهذا الإصرار الأمريكي على بقاء الأطلسي دوافع عدة، من أظهرها الحرص على إبقاء دول الغرب الأوروبي تحت وصايتها الأمنية. واشنطن تعرف أن نهاية الحرب الباردة، وإعادة توحيد ألمانيا، وقيام «الاتحاد الأوروبي» عوامل ستلعب لصالح تحول أوروبا إلى قطب اقتصادي كبير سيصير منافسا للولايات المتحدة الأمريكية؛ وهذا ما تخشاه، خصوصا إذا امتلكت أوروبا قدرة عسكرية كبيرة تشجعها على استقلالية قرارها السياسي. هي تدرك أن هناك صراعا داخل النظام الرأسمالي العالمي لا تقوى على منعه، ولكنها تملك – مع ذلك- إدارته إن هي امتلكت مفاتيح القرار الأوروبي، وهذه لا سبيل إليها إلا من طريق السيطرة على الأمن الأوروبي. لذلك ما زال الأطلسي إطارا ملائما لإخضاع إرادة أوروبا للولايات المتحدة في سياسات هذه الأخيرة، وها هي تستغل اليوم الأزمة الأوكرانية والمخاوف الأوروبية من روسيا؛ كي تدفع دول أوروبا إلى المزيد من التمسك بالمنظومة الأطلسية، بدعوى أنها الدرع الواقية التي تحمي أمنها الإقليمي.

هذا ما يفسر لماذا يتراجع، اليوم بل منذ بداية الأزمة الأوكرانية، الحديث عن «جيش أوروبي موحد» -على ما كان متداولا على الأقل لدى ألمانيا وفرنسا- في مقابل اصطفاف سياسي وأمني أوروبي عام وراء القرار الأمريكي، والغطاء العسكري الأطلسي. وبقدر ما يترجم ذلك نجاح الولايات المتحدة في إعادة خطاب استقلالية القرار العسكري الأوروبي إلى بيت الطاعة الأمريكي- الأطلسي، يعبر – في الوقت عينه- عن إخفاق أوروبي ذريع في بناء أساسات التحرر من التبعية الصارخة لأمريكا.

 

نافذة:

لهذا الإصرار الأمريكي على بقاء الأطلسي دوافع عدة من أظهرها الحرص على إبقاء دول الغرب الأوروبي تحت وصايتها الأمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى