الرئيسيةالقانونية

الكمامة الواقية وإشكالية التكييف الجنائي قراءة في مرسوم بمثابة قانون الطوارئ الصحية

منعم سجورة باحث في العلوم القانونية
تماشيا مع توصيات منظمة الصحة العالمية بشأن محاربة تفشي وباء كورونا المستجد والمتعلقة أساسا بضرورة تكثيف إجراءات السلامة، والتي تفرض ضرورة ارتداء الكمامة الواقية لحظة مغادرة المنازل، ففد كان لزاما على المغرب باعتباره عضوا فعالا في إعمال الاتفاقيات الدولية والتعهد بتنفيذ مقتضياتها من مبادئ وحقوق وواجبات، أن يجسد ذلك واقعيا من خلال نصوص قانونية لا تخلو من طابع الإلزام ومحترمة لمبدأ الشرعية، باعتباره ضمانة أساسية في مسلسل تحقيق الأمن القانوني والقضائي.
وهكذا نجد أن الحكومة قد قررت من خلال بلاغ مشترك لوزارات الداخلية، والصحة، والاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، والصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الأخضر والرقمي العمل بإجبارية الكمامة الواقية بالنسبة لجميع الأشخاص المسموح لهم بالتنقل خارج مقرات السكن في الحالات الاستثنائية المقررة سلفا، تحت طائلة تعريض المخالف للعقوبة الواردة بالمادة الرابعة من مرسوم بقانون الطوارئ والتي تنص على عقوبة «الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و1300 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك دون الإخلال بالعقوبة الجنائية الأشد».
كما أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية بتاريخ 7 أبريل 2020، تشير إلى مقتضيات المرسوم المذكور وتؤكد أن «عدم حمل الكمامة الواقية» من طرف الأشخاص المسموح لهم بمغادرة مساكنهم لأسباب خاصة، يشكل جنحة يعاقب عليها بمقتضى المادة الرابعة منه، كما أن عدم وضع الكمامة الواقية يعتبر جنحة منفصلة عن جنحة خرق تدابير الحجر الصحي.
من هنا يمكننا طرح سؤال جوهري متعلق بماهية حدود احترام المشروعية والشرعية لقرار إجبارية ارتداء الكمامة الواقية؟

بخصوص مبدأ المشروعية
بالرجوع إلى الفقرة الثانية من المادة الثالثة من مرسوم الطوارئ، نجد أنها تخول للحكومة حق اتخاذ مراسيم أو مقررات تنظيمية أو إدارية بواسطة مناشير أو بلاغات من أجل التدخل الفوري والعاجل، للحيلولة دون تفاقم الحالة الوبائية ببلادنا، وتعبئة جميع الوسائل المتاحة لحماية حياة الأشخاص وضمان سلامتهم.
وعليه فإن إجبارية الكمامة الواقية جاءت بناء على توصية وزارة الصحة، والتي تفاعلت معها القطاعات الحكومية المعنية بشكل إيجابي من خلال بلاغ رسمي، وذلك في احترام تام لمبدأ المشروعية.

بخصوص مبدأ الشرعية
الثابت من خلال القراءة الأولية لمضمون كل من البلاغ الحكومي ودورية رئاسة النيابة العامة، أن أساس توقيع العقوبة على عدم ارتداء الكمامة الواقية يجد سنده بالمادة الرابعة من مرسوم بقانون الطوارئ الصحية، غير أنه بالاطلاع على المادة المذكورة قد يطرح تساؤل بخصوص مدى قدرة هذه الأخيرة على استيعاب تجريم فعل لم يكن في الحسبان أثناء وضع المرسوم المذكور؟ إذ لا يمكن القول إن المادة الرابعة جاءت عامة، إذ لم تحدد تجريم عدم ارتداء الكمامة بشكل صريح، وألا يشكل هذا تعارضا مع مبدأ النصية؟
نقول بخصوص التساؤل الأول إن المشرع لما وضع المرسوم بقانون2.20.292 وضع نصب عينيه إمكانية تفاقم الحالة الوبائية ببلادنا، ولا خير دليل على ذلك هي مقتضيات المادة الثالثة من المرسوم بقانون سالف الذكر، والتي أعطت للحكومة تفويضا عاما باتخاذ كافة التدابير التي تتناسب مع الوضعية الراهنة بخصوص تفشي فيروس كورونا المستجد، وما يؤكد هذا الطرح هي مقتضيات المادة الخامسة والتي سمحت للحكومة أيضا باتخاذ أي إجراء ذي طابع اقتصادي أو مالي أو اجتماعي أو بيئي، بإمكانه الإسهام في التخفيف من الآثار السلبية لحالة الطوارئ الصحية.
وعليه فإن مسألة تجريم الكمامة فرضتها ظروف الحال، وتم تأسيسها على أسس قانونية محترمة للمشروعية.
أما بخصوص التساؤل الثاني، فإننا نؤكد ونقول إن القاعدة الجنائية في صورتها المثلى تتضمن عنصري التجريم والعقاب، واللذين يرتبطان بعلاقة منطقية وزمنية، ذلك أن التجريم يستتبع منطقيا الجزاء كوسيلة لاحترام النصوص، غير أنه في بعض الأحيان فإن شقي القاعدة الجنائية قد لا يتواجدان في الوقت نفسه فيطلق على هذه الحالة الفقه المصري تسمية {القاعدة الجنائية على بياض}، والتي يحدد فيها المشرع الجزاء دون تخصيص للجريمة، وهو ما ينطبق على المادة الرابعة من مرسوم بقانون 2.20.292، إذ نجد أن المشرع حدد العقوبة دون تخصيص للفعل الجرمي المتعلق بعدم ارتداء الكمامة، بل جاء النص عاما من خلال عبارة {عدم التقيد بالأوامر والقرارات}، غير أن هذه التقنية من التشريع الجنائي تبقى محمودة، إذ إنها تمكن من تعقب الأحداث والتطورات التي قد يعرفها المجتمع بسبب متغير خطير كما هو الحال عليه الوضع ببلادنا بسبب تفشي هذا الوباء، الشيء الذي يجعل المادة الرابعة محترمة لمبدأ الشرعية، بالرغم من اختلاف النهج التشريعي المعتمد فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى